; مغزى الاتصالات الأمريكية - الفلسطينية | مجلة المجتمع

العنوان مغزى الاتصالات الأمريكية - الفلسطينية

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1984

مشاهدات 49

نشر في العدد 660

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 28-فبراير-1984

ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في عددها الصادر يوم 19 فبراير الجاري أن الولايات المتحدة الأمريكية أجرت محادثات سرية مع منظمة التحرير الفلسطينية استمرت تسعة أشهر بهدف إقناع رئيسها السيد ياسر عرفات بالاعتراف بإسرائيل.

وقالت الصحيفة: إن وسيطًا أمريكيًا يدعى جون دوين مروز رئيس الأكاديمية الدولية للسلام في نيويورك، هو الذي مثَّل الولايات المتحدة في المباحثات، واجتمع بياسر عرفات مباشرة لخمسين مرة بلغ مجموع ساعاتها خمسمائة ساعة! وأن هذه المباحثات وصلت لنتيجة حاسمة كان من المفترض أن ترد عليها المنظمة في منتصف شهر يونيو 1982، لكنها توقفت بسبب الاحتلال الإسرائيلي للبنان.

اعتراف متبادل

وقد جرت المباحثات ما بين شهر أغسطس 1981م وشهر يونيو 1982، وكان ضابط الاتصال بين الوسيط والرئيس الأمريكي نيكولاس فيليوبتس مساعد وزير الخارجية آنذاك والسفير في القاهرة في الوقت الحاضر.

وأضافت الصحيفة: أن الطرفين كادا يتوصلان للاتفاق على ضرورة الاعتراف المتبادل، المنظمة تعترف بإسرائيل وأمريكا تعترف بالمنظمة!

وقالت الصحيفة: إن هذه المباحثات قد أخفيت في حينها عن جميع الدول عدا بعضها التي بادرت إلى نفي ذلك، كما نفته مصادر فلسطينية، أما «إسرائيل» فقد استغلت نشر الخبر، وأضافت له خبرًا آخر مفاده أن الإدارة الأمريكية تجري اتصالات مباشرة مع شخصيات فلسطينية مقربة من قيادة المنظمة، بهدف إقناعها بالدخول في مفاوضات حول «الحكم الذاتي» في الضفة الغربية وقطاع غزة! وأن هذه الاتصالات ترجمت بزيارة مسؤول فلسطيني لواشنطن حديثًا، كان الهدف منها الاطلاع على صيغة مباحثات قمة ريغان – مبارك – حسين التي انتهت في واشنطن منذ أسبوعين.

وقد استغلت إسرائيل ذلك لإثارة زوبعة احتجاج على السياسة الأمريكية الجديدة! وعلى تأزم العلاقة الأمريكية الإسرائيلية! وتأكيد رفضها لإجراء أي مفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية، كما جاء على لسان سفيرها في واشنطن!

وقد ترافقت هذه الأنباء مع أنباء أخرى عن تشكيل وفد فلسطيني من 70 شخصًا من شخصيات الضفة الغربية، ذكر من بينها إلياس فريج رئيس بلدية بيت لحم، ستتوجه إلى عمان قريبًا، في مسعى لدفع المباحثات الأردنية - الفلسطينية، وضرورة التنسيق بين الأردن والمنظمة في مفاوضات مستقبل الضفة والقطاع!

بعث مبادرة ريغان

وإذا استذكرنا أن النتيجة التي انتهت إليها قمة واشنطن الثلاثية بين ريغان والملك حسين والرئيس مبارك هي ضرورة المضي قدمًا في بعث مبادرة ريغان، مهما كان الجو السياسي غائمًا ومهما طال الوقت.

وإذا تذكرنا أن الوضع السياسي الحرج في أعقاب الخروج من طرابلس وتشتت القوات الفلسطينية، اتضحت لنا بصورة أكبر ملامح الحل الأمريكي بشأن القضية الفلسطينية، والذي أصبح محصورًا في مفاوضات مباشرة بين الأردن وممثلين فلسطينيين وإسرائيل!

من هنا يمكن القول إنه بغض النظر عن نفي بعض الجهات العربية والفلسطينية، فإن ما ذكرته الصحيفة الأمريكية غير مستبعد تحليلًا ومنطقًا ومعلومات، فالتحليل يقول: إن منظمة التحرير التي ضاقت بها السبل على اتساعها، ووجدت نفسها ضعيفة من بعد قوة، كان لابد لها وهي تعلم وتوقن بأن نصيبها في أي حل لا يمكن أن يتم إلا إذا اقتنعت أمريكا بذلك وإرادته! كان لابد لها أن تسعى للاتصال المباشر بأمريكا رغبة في الاعتراف بها وبحقها في الجلوس على مائدة المفاوضات، ولعل هذا ما قصده عرفات عندما قال: "لسنا أشباحًا"، عندما سئل في مقابلة تليفزيونية عن مدى اعتراف أمريكا بالمنظمة!

وجاءت المعلومات لتؤكد التحليل، ليس في هذا الوقت فحسب بل منذ عشر سنوات تقريبًا.

فالاتصالات السرية الأمريكية - الفلسطينية كما كشفت عنها الصحافة الأمريكية وأيدتها شخصيات فلسطينية رسمية كياسر عرفات وزهدي الطرزي وحاتم الحسيني والدكتور إدوار سعيد وغيرهم غير خافية على أحد.

طريقان

فقد بدأت هذه الاتصالات على يدي كسينجر في عهدي نيكسون وفورد، واستمرت في عهدي كارتر وريغان.

وكانت الاتصالات تتم عن طريقين:

- طريق المخابرات وكانت تتم بمسؤول الاستخبارات الفلسطينية علي حسن سلامة الذي اغتيل في بيروت منذ ثلاث سنوات.

- طريق الاتصالات المباشرة وغير المباشرة عبر شخصيات فلسطينية معروفة كلقاء يانغ – الطرزي وكيسنجر – الدجاني في المغرب أو عبر بعض المسؤولين العرب، كالاتصالات التي اعترف بها محمد مزالي لصحيفة الأخبار المصرية في 18/7/82. أو الوفود الأمريكية الزائرة كوفد مجلس النواب الذي حصل من عرفات على ما سمي «بوثيقة عرفات»، التي أكد فيها عرفات قبوله لقرارات الأمم المتحدة جميعها. وقد أجمعت المصادر على أن هدف الولايات المتحدة من تلك الاتصالات هو ما جاء في عهد كيسنجر الذي أعطاه لإسرائيل، والذي مفاده، أنه لا يمكن للولايات المتحدة الاعتراف بالمنظمة ما لم تعترف بحق إسرائيل في الوجود، وقراري مجلس الأمن 242، 338. وهي السياسة التي أصرت عليها الإدارة الأمريكية على ألسنة فانس، وهيغ وجورج شولتز، الذي سارع إلى تأكيد هذا الموقف في أعقاب ما نشرته صحيفة النيويورك تايمز عن الاتصالات الأمريكية الفلسطينية السرية.

سرية باستمرار!

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا. إذا كانت الإدارة الأمريكية تصر على موقفها الرافض للاعتراف بمنظمة التحرير وتعلن ذلك باستمرار، فلماذا تلجأ للاتصالات السرية وتسرب ذلك للإعلام الأمريكي بين فترة وأخرى؟!

وأظن أن الإجابة على هذا التساؤل ليست صعبة ولا غامضة، فلو رجعنا إلى ملف العلاقات السرية الأمريكية – الفلسطينية، لوجدنا أنها كانت تنشط وينشط الكشف عنها عند أحد أمرين:

الأول: عندما تريد أمريكا أن تحقق لها مصلحة ذاتية أو غير مباشرة كحماية الرعايا الأمريكيين في لبنان، عندما تعرضوا للخطر أكثر من مرة منذ اشتعال الحرب اللبنانية، أو معرفة خفايا اغتيال السفير الأمريكي في بيروت فرانسيس ميلوي عام 1977م. أو طلب التدخل للإفراج عن رهائن السفارة الأمريكية في طهران! أو الإفراج عن بعض الأسرى اليهود وتحقيق وقف إطلاق نار بين الفدائيين وإسرائيل كما حصل عامي 78، 81م.

أمل الغريق

الثاني: وهو الأهم أن أمريكا تصر على أن تبقى المحادثات مع المنظمة سرية لا لتضع حدًا للهجوم والنقد الإسرائيلي والصهيوني، وإنما لإبقاء خيط أمل الغريق بالقشة قائمًا، وهي لا تسرب معلوماتها عن الاتصالات إلا في الأوقات التي تقوم فيها باتخاذ خطوات جديدة في سياستها الشرق أوسطية، فقد سربت مثل هذه المعلومات أثناء حصار بيروت، وعندما كان فيليب حبيب يرتب إجراءات خروج القوات الفلسطينية من لبنان إلى الشتات!

ويأتي إفشاء هذه المعلومات الآن في الوقت الذي استقرت فيه سياسة إدارة ريغان على دفع مبادرته التي ترتكز على دور أردني بتفويض فلسطيني! فالغرض إذن هو تهيئة جو عام ملائم لهذا التوجه، تريد أميركا أن توهم قادة العمل الفلسطيني والشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية عمومًا أنها من خلال المبادرة إياها تريد أن تحقق شيئًا للشعب الفلسطيني، وأنها من أجل ذلك أبقت على الاتصال مع المنظمة منذ عشر سنوات!

النقطة الأخيرة وهي مهمة أيضًا هي أن قصة الاتصالات الأمريكية الفلسطينية تكشف عن طبيعة السياسة الأمريكية الازدواجية أو سياسة «العصا والجزرة» التي وسمت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية.

أليس مما يثير العجب حقًا هو استمرار التعلق بحبال الهوى الأمريكية بالرغم من وضوح سياستها إزاء القضية الفلسطينية والعالم الإسلامي ككل مثل أشعة الشمس الساطعة؟!

وصدق الله إذ يقول: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: 179).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 28

107

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

المدرس الذي حول القلم إلى بندقية

نشر في العدد 190

129

الثلاثاء 05-مارس-1974

محليات (190)

نشر في العدد 186

85

الثلاثاء 05-فبراير-1974

العالم الإسلامي (186)