العنوان مفاهيم دعوية في رسائل الإمام البنا (8): وطنيات متعددة
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1997
مشاهدات 80
نشر في العدد 1251
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 27-مايو-1997
نحن أشبه ما نكون في معركة استقلال جديدة من أجل تثبيت هويتنا العربية الإسلامية في مواجهة التذويب باسم العالمية.
كان الإمام الشهيد موفقًا حين حلل الفكرة إلى عناصرها المختلفة، حتى يتبين لكل متابع حقيقة الجدل الدائر حول «الوطنية»، ويستطيع المراقب أن يختار المفهوم المناسب لعقيدته ودينه.
ولم يكتف الإمام الشهيد بذلك، بل بيَّن أيضًا أوجه الاختلاف بين الوطنية الربانية التي يدعو إليها الإسلام وبين الوطنية بالمعنى المقتبس عن الغرب.
يقول الإمام الشهيد في رسالة «دعوتنا» مبينًا أنواعًا مقبولة من الوطنيات:
وطنية الحنين: «إن كان دعاة الوطنية يريدون بها حب هذه الأرض، وألفتها والحنين إليها، والانعطاف حولها، فذلك أمر مركوز في فطر النفوس من جهة، مأمور به في الإسلام من جهة أخرى، وإن بلالًا الذي ضحى بكل شيء في سبيل عقيدته ودينه هو بلال الذي كان يهتف في دار الهجرة بالحنين إلى مكة في أبيات تسيل رقة وتقطر حلاوة:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة *** بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مجنة *** وهل يبدون لي شامة وطفيل
ولقد سمع رسول ﷺ وصف مكة من «أصيل» فجرى دمعه حنينًا إليها وقال: يا أصيل دع القلوب تقر.
وطنية الحرية والعزة: وإن كانوا يريدون أن من الواجب العمل بكل جهد في تحرير الوطن من الغاصبين وتوفير استقلاله، وغرس مبادئ العزة والحرية في نفوس أبنائه، فنحن معهم في ذلك أيضًا، وقد شدد الإسلام في ذلك أبلغ التشديد فقال تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون:8) ويقول: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141).
وطنية المجتمع: وإن كانوا يريدون بالوطنية تقوية الرابطة بين أفراد القطر الواحد، وإرشادهم إلى طريق استخدام هذه التقوية في مصالحهم فذلك نوافقهم فيه أيضًا، ويراه الإسلام فريضة لازمة، فيقول نبيه ﷺ: «وكونوا عباد الله إخوانًا» ويقول القرآن الكريم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (آل عمران: 118).
وطنية الفتح: وإن كانوا يريدون بالوطنية فتح البلاد وسيادة الأرض فقد فرض ذلك الإسلام ووجه الفاتحين إلى أفضل استعمار وأبرك فتح فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (البقرة: 193)
وهكذا يقبل الإمام الشهيد هذه المدلولات المختلفة والمتنوعة للوطنية، بل ويردها إلى معانٍ أصيلة في الإسلام، مستشهدًا عليها بآيات القرآن الكريم ومواقف من السيرة النبوية العطرة، وبما تركز في فطر النفوس، أي بأدلة عقلية.
ويتضح من هذا العرض لأقوال الإمام الشهيد أنه لا يحتاج إلى شرح أو تعليق لسهولته ووضوحه، إلا أننا نحتاج إلى حديث إلى هؤلاء الذين يرفضون أي حديث عن الوطنية في مجال دولة إسلامية، ولا يرون للمسلم انتماء إلا إلى الأمة الإسلامية فقط.
تراجع فكرة الوطنية: لقد كانت شعوب هذه المنطقة العربية الإسلامية وباقي الأمة الإسلامية طويلًا تحت نير الاحتلال العسكري الغاصب، وهبت طلائع السياسيين للمناداة بالاستقلال السياسي، وحركوا مشاعر الجماهير عن طريق استخدام الدين وتوظيفه، وقامت ثورات سياسية قدم فيها عشرات الآلاف أرواحهم في سبيل الله عز وجل من أجل استقلال بلادهم مثل ثورة المليون شهيد في الجزائر الممتحنة المبتلاة حتى يومنا هذا، وكان أن قامت دول وطنية قومية سرعان ما ابتعدت عن الإسلام، ثم إذا بحكامها ينقضون على أبناء الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية سجنًا وقتلًا وتشريدًا وتعذيبًا، ولم يكتفوا بذلك، بل صادروا حريات الشعوب وحرموها حقوقها الطبيعي في التعبير والمشاركة وإبداء الرأي، فكانت النتيجة المتوقعة لذلك كله هي التبرم بكل ما رفع من شعارات حول الوطنية والقومية، ومن الطبيعي أن يكون لكل فعل رد فعل وطال أمد هذا الابتلاء حتى وصل إلى زماننا هذا فلا يتمتع بحريته في شعوب الأمة العربية أو الإسلامية إلا الأقلية، وفي ظل ظروف صعبة.
وما أجمل ما نقله الإمام محمد عبده عن حكماء أوروبيين في عصره:
«لا وطن إلا مع الحرية. وقال: «لا بروير» الحكيم الفرنساوي: لا وطن في حالة الاستبداد، ولكن هناك مصالح خصوصية ومفاخر ذاتية ومناصب رسمية، ما الفائدة من أن يكون وطني كبيرًا إن كنت فيه حزينًا حقيرًا، أعيش في الذل والشقاء خائفًا أسيرًا» «الاتجاهات الوطنية، ج 1، ص 53، نقلًا عن تاريخ الأستاذ الإمام 2: 194 - 196».
وهكذا تضافرت عوامل عدة على تقلص الشعور بالانتماء الوطني حاليًا، حتى أصبح المناخ العام يشي بتدهور شديد في المشاركة الشعبية في الهم العام، وانصراف الجموع الغفيرة عن النشاط السياسي والاجتماعي، ومن أبرز هذه العوامل:
1 - الاستبداد السياسي الخانق لكل مبادرة أو نشاط سياسي.
2 - إهدار معظم حقوق الإنسان الأساسية في الحرية والعدل والمساواة.
3 - انسحاب الدولة من معظم مجالات المساندة الاجتماعية للطبقات الوسطى والفقيرة في مناحي الحياة المختلفة كالصحة والتعليم والمعاشات... إلخ.
وقد جاء هذا الانسحاب بعد موجة عالية من تبني الدولة لكل هذه النشاطات مقابل خصم أموال ضخمة من الموارد السيادية للدولة، وكذلك الضرائب والجمارك وغيرها، فبينما بقيت الجباية كما هي، بل تضخمت حدث انسحاب هائل من الدولة صاحبه تدهور شديد في الخدمات.
4 - الفوضى الاقتصادية نتيجة التحول من سياسة التأميم والمصادرة وتبني القطاع العام خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلى سياسة السوق الحرة المفتوحة القائمة على قوانين العرض والطلب فقط، مما أدى إلى ظهور طبقات طفيلية، لا هم لها إلا الكسب والربح من أي طريق دون مراعاة لأية مشاعر اجتماعية أو طبقية، ودون إسهام في مجالات الرعاية الاجتماعية للفقراء مما فجر النوازع الطبقية من جديد وينذر بمخاطر شديدة على التماسك الاجتماعي.
5 - انهيار الحلم الوطني في دولة الرفاهية والرخاء، حتى في الدول العربية الغنية بسبب عوامل كثيرة منها ما ذكرناه آنفًا.
6 - فشل الحلم القومي في دولة عربية واحدة بسبب نظم الحكم الثورية الاشتراكية، وسياسات التبعية للغرب.
7 - ظهور أفكار عالمية جديدة تبهر عقول بعض النخبة المثقفة مثل العالمية والكوكبية... إلخ، مما يؤدي بالتالي إلى تقهقر فكرة الوطنية والقومية أمام هذه الأفكار الجديدة.
8 - وأخيرًا وليس آخرًا انفراط الإجماع الوطني بين الفرقاء السياسيين والفكريين، فقد انقسم العاملون على الساحة الوطنية -رغم قلتهم- إلى إسلاميين من جانب، وعلمانيين من جانب آخر، وظهر في كلا الجانبين من يؤجج نيران الخلاف من الغلاة والمتطرفين، وساهم انسداد قنوات الحوار والتواصل، وجفاف الحياة السياسية والحرمان العام من الحريات والحق في التعبير والاتصال، ولنسمع إلى صوت إسلامي متميز هو الكاتب الأستاذ فهمي هويدي في مقاله الأسبوعي بجريدة الأهرام المصرية يوم 2/9/1996م وهو يقول:
«إننا نفتقد الإجماع الوطني حول قضايا مثل الاستقلال والديمقراطية، أو حتى حول تحديد هوية العدو أو الصديق، فقد تعددت المذاهب والرؤى في التعامل مع تلك العناوين، واعترتها الثقوب والاختراقات حتى صارت مفتوحة للاجتهاد والتأويل، وأحيانًا مطروحة في مناقصات ومزايدات علنية، الأمر الذي يعني في نهاية المطاف أنه لم تعد لدينا ثوابت نتفق عليها ونحتشد للدفاع عن حياضها».
رأب الصدع:
ثم يتساءل في نهاية المقال:
«هل نحن عاجزون عن رأب صدوع الصف الوطني وانتشاله من وهدته، بحيث يسترد عافيته، وينهض على قاعدة التكامل، متجاوزًا كمائن التقاطع والتخاصم؟ لا مفر من الاعتراف بأن الوطنيين المخلصين من مختلف الاتجاهات لم يقدموا ما يكفي من مبادرات للدفاع عن منظومة التكامل، وأن منهم من استسلم الخطاب التقاطع والتخاصم متأثرًا بالتعبئة القوية التي عمقت المخاوف، وخلقت في الإدراك صورة منفرة للآخر، جعلت من التواصل مغامرة مرهوبة محفوفة بالمخاطر».
ويعدد الأسباب التي يعتبر تشخيصها تمهيدًا للعلاج فيقول:
«لا بد أن نعترف بأن ثمة أطرافًا لها مصلحة أكيدة في استمرار الاحتراب بين القوى الوطنية، سواء لأن ذلك يشغلها عن الانصراف إلى المشترك الأكبر المتمثل في الهم العام، أو لأن لها حساباتها التي تريد تصفيتها مع هذا الطرف أو ذاك، ولا يغيين عن أحد في هذا الصدد أن الغلاة على الجانبين الإسلامي والعلماني لا يكون لهم شأن، ولا يعلو لهم صوت، ولا ينتعش لهم أمل، إلا في أجواء التخاصم والاشتباك والاحتراب، وآخر طرف أشير إليه في قائمة المسؤولين عن انفراط عقد الإجماع الوطني هو العامل الخارجي، الذي لا أشك في أنه يسعى ويتمنى أن يستمر التشرذم والالتهاء، غير أننا نعفيه من بذل أي جهد في هذا السبيل، لأننا بما نرتكبه من أخطاء أو حماقات وبما يتوافر في ساحتنا من خصومات ومرارات تحقق له مراده بالمجان».
وقبل ذلك تناول الأستاذ فهمي هويدي قضية الدكتور نصر أبو زيد والتفريق بينه وبين زوجته، بسبب الحكم عليه بالردة بسبب كتاباته التي وصف القرآن الكريم فيها بأنه منتج ثقافي بشري... إلخ، وقد خلص الأستاذ هويدي إلى السؤال التالي:
لماذا يلجأ في حسم الخلاف الفكري إلى القضاء أو السلاح؟
وأجاب عن ذلك بقوله: «إن المشهد الراهن بمثابة إعلان عن غياب قيمة الحوار بصورة تلح على ضرورة تفعيل آلياته وتوسيع قنواته».
إذن نحن بشهادة مراقب ومتابع للعصر وأحداثه نعيش مرحلة تراجع فيها الحلم الوطني وتراجع فيها الهم العام، واختفى فيها الإجماع الوطني.
فهل يحق لنا في مثل هذه الظروف أن نجهز على ما تبقى من إحساس لدى الشباب بالوطنية؟! أم يجب علينا أن نعيد إليهم الثقة في انتمائهم الوطني وأن ندعم إحساسهم بالمسؤولية عن هذا الوطن؟
علينا أن نغرس في نفوس الأجيال الجديدة الوطنية الحقة، الوطنية الربانية وأن نعيد ترتيب الأولويات في عقول الشباب وأنه لا تناقض بين الوطنية المصرية، والوحدة العربية والوحدة الإسلامية والإنسانية العالمية.
إننا نعيش في هذه الظروف السياسية أشبه ما تكون في معركة استقلال جديدة، نعمل فيها من أجل تثبيت هويتنا العربية الإسلامية في مواجهة محاولات التدريب باسم العالمية، نعمل من أجل بناء أمتنا بعيدًا عن التبعية الحضارية نعمل من أجل المساهمة في بناء الحضارة الإنسانية جمعاء، ولن نستطيع ذلك دون مساهمة حقيقية من جميع الأمة، ولن نبعث فيها الحياة إلا بغرس الروح الوطنية والقومية التي تقوم على أساس الإسلام.
أي وطنية نريد؟ إننا نريد وطنية تحقق هذه المعاني السابقة جميعها: الحنين الحرية والعزة، الترابط الاجتماعي والفتح والسيادة.
وهذه الوطنية عندنا لها غاية أبعد مدى، وحدودها لا تقف عند حاجز جغرافي صنعه المستعمر، ولتسمع إلى الإمام الشهيد وهو يحدد غاية وطنيتنا، وحدود جغرافيتها:
حدود وطنيتنا:
«أما وجه الخلاف بيننا وبينهم «أي الوطنيين المقلدين للغرب» فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكل بقعة فيها مسلم يقول «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وطن عندنا له حرمته وقداسته وحبه، والإخلاص له، والجهاد في سبيل خيره، وكل المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية أهلنا وإخواننا نهتم لهم ونشعر بشعورهم ونحس بإحساسهم، ودعاة الوطنية فقط ليس كذلك، فلا يعنيهم إلا أمر تلك البقعة المحددة الضيقة من رقعة الأرض، ويظهر ذلك الفارق العملي فيما إذا أرادت أمة من الأمم أن تقوي نفسها على حساب غيرها، فنحن لا نرضى ذلك على حساب أي قطر إسلامي، وإنما نطلب القوة لنا جميعًا، ودعاة الوطنية المجردة لا يرون في ذلك بأسًا، ومن هنا تتفكك الروابط وتضعف القوى ويضرب العدو بعضهم ببعض.
غاية وطنيتنا:
هذه هي واحدة والثانية أن الوطنيين فقط جل ما يقصدون إليه تخليص بلادهم، فإذا ما عملوا لتقويتها بعد ذلك اهتموا بالنواحي المادية، كما تفعل أوروبا الآن، أما نحن فنعتقد أن المسلم في عنقه أمانة، عليه أن يبذل نفسه ودمه وماله في سبيل أدائها، تلك هي هداية البشر بنور الإسلام، ورفع علمه خفاقًا على كل ربوع الأرض، لا يبغى بذلك مالًا ولا جاهًا ولا سلطانًا على أحد ولا استعبادًا لشعب وإنما يبغي وجه الله وحده وإسعاد العالم بدينه وإعلاء كلمته، وذلك ما حدا بالسلف الصالحين -رضوان الله عليهم- إلى هذه الفتوح القدسية التي أدهشت الدنيا، وأربت على كل ما عرف التاريخ من سرعة وعدل ونبل وفضل».
نعم، هذه هي وطنيتنا الربانية التي نريد لها أن تسود مشاعر الشعب كله، وبذلك نستطيع أن ننهض ببلادنا وأن نحولها إلى كتلة مترابطة متراصة كالبنيان المرصوص، في خضم هذا العالم الذي لا يحترم إلا التكتلات القوية الكبيرة ألف مليون مسلم، أو يزيد يملكون أكثر من ربع ثروات العالم، في قطعة جغرافية متماسكة ممتدة في ثلاث قارات، يستطيعون أن يقودوا الدنيا أو على الأقل أن يساهموا في صنع الحضارة البشرية، كما فعلوا من قبل، وأن يضيفوا قيمهم الأصيلة إلى محمل القيم الإنسانية.