; مفتي توزلا حسين ألازوفيتش: المدرسة هي حجر الأساس للعمل الدعوي | مجلة المجتمع

العنوان مفتي توزلا حسين ألازوفيتش: المدرسة هي حجر الأساس للعمل الدعوي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-2000

مشاهدات 60

نشر في العدد 1424

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 31-أكتوبر-2000

محافظة توزلا أكبر مساحة وأكثر سكانًا من جمهورية الجبل الأسود، كانت قبل الحرب معقلًا كبيرًا من معاقل الشيوعيين، وللمقاربة فإن عدد الشيوعيين في البوسنة والهرسك كان يفوق عددهم في بقية الجمهوريات الأخرى متفرقة، رغم الفارق فيعدد السكان، وبعد تلاشي الشيوعية، تحول معظمهم إلى حمالين في سوق الإمبريالية التي كانوا يحاربونها، مقابل كراسي في السلطة، وحفنة من الدراهم، ودعوات لحضور المآدب، وأصبح «الفكر الثوري» زمارًا مأجورًا يعزف اللحن الذي يختاره من يدفع الثمن.

مفتي توزلا من الشباب الذين تخرجوا في الأزهر، وعادوا بالعلم والرغبة في تغيير مجتمعهم نحو الأفضل، ونشر الوعي الإسلامي بين المسلمين، التقيته في توزلا وكان السؤال الأول عن المناخ الذي تعمل فيه الدعوة في البوسنة والهرسك: 

  • نجحنا والحمد لله في اختراق ذلك الجدار النفسي السميك الذي بنته الشيوعية لتفصل الإنسان عن عقائده، وهذا ما جعل الغرب يدعم الأحزاب اليسارية في المنطقة، وقد اعترف الكثير بأنهم كانوا يحرضون على النيل من الإسلام والرموز الإسلامية، مقابل دعم من جهات غربية بما فيها الأحزاب الاشتراكية في أوروبا، لقد اعتمد الشيوعيون على رصيد الإرهاب الشيوعي الذي ظل يرعب الناس ٥٠ سنة، ومهمتنا تبدأ بتحرير الناس من الخوف، الشيوعيون القدامى يبحثون في السجلات هل تلقينا نحن أموالًا من الخارج أو أننا أهدرنا المال العام، وكل ذلك من أجل جعل الناس يكرهون القائمين على أمر الدعوة، وحصر مظاهر التدين في المسجد فقط، أما في جميع مناحي الحياة فهم يحاربون ذلك. وعند ذلك ينسون حرية التفكير، والتنظيم، والتدين، والاعتقاد، ومواثيق الأمم المتحدة، ونحن نسعى أن يكون الإنسان -مسلمًا كان أو غير ذلك- حرًّا في كل شيء ما عدا العدوان على الآخرين ومعتقداتهم، ومشاعرهم، هدفنا أن يكون المسلم حرًّا في المسجد وخارج المسجد، هم يحاصروننا بالصحف ومحطات التلفزة التي تمول من الخارج، هناك «موزاييك» سياسي وعقائدي وقومي في البوسنة والهرسك، وتدخل أجنبي لا مثيل له في العالم، وفي هذه الأجواء نعمل.

  • إلى أين سيقود هذا السجال؟

  • التدافع سنة من سنن الله في هذا الكون، نحن الآن نواصل الجهد الذي توقف منذ ٥٠٠ عام من أجل أن يبقى أبناؤنا مسلمين، ليس أمامنا إلا المقاومة والنتائج بيد الله، أعتقد أن الأمر لن يصل إلى ما وصل إليه في تركيا أو في بلاد عربية، ولكن الأعداء سيضاعفون من جهدهم لإبعاد المسلمين عن سياقهم الحضاري النابع من عقيدتهم التوحيدية، هنا سوق والسوق الثقافية مثل الأسواق الأخرى تحتاج إلى عرض وتسويق وجودة وزبائن ودخول في تنافس مع أصحاب المعروضات الأخرى، ولكن هناك بضائع ثقافية هي بمثابة الإيدز الثقافي الذي يهدد جهاز المناعة العقائدي، وهذا ليس أمامنا إلا محاربته بكل الوسائل.

  • هل المسجد من الوسائل، خاصة وقد أقمتم مسجدًا كبيرًا في وسط مدينة توزلا؟

  • كان أول عمل قام به النبي صلى الله عليه وسلم، وأول بناء شیده کركيزة من ركائز الدولة هو المسجد، ففيه كانت تقام الصلاة وتُناقَش فيه قضايا المسلمين، مثل برلمانات اليوم، ومنه انطلقت جيوش الفتح، وفيه تربت الأجيال، والمسجد الذي بنيناه يمثل نقطة تحول في توزلا، ومَعلمًا من معالمها البارزة، وننتظر أن يكون له دور في الدعوة وتربية النشء، وتعزيز هوية توزلا الإسلامية؛ حيث ٩٣% من السكان مسلمين و7% صرب وكروات، إضافة لـ ۷۰۰ ألف مهجر مسلم، منهم ١٤٤ ألفًا داخل المدينة، كما تعد توزلا أكبر محافظة في البوسنة والهرسك «۷۰۰ ألف كيلو متر مربع».

  • ما تقويمكم لحصاد الدعوة في توزلا؟

  • الإسلام عريق في هذه الديار، مرت علينا حقب صعبة، وبقينا مسلمين، كثير من الناس لا يذهبون للمسجد، ولكن في أعماقهم مسلمون، فقد تألموا لهدم المساجد على يد الصرب والكروات، وساهموا كمتطوعين في إعادة بنائها، واليوم هناك شباب يؤم المساجد ويزداد العدد كل يوم، وأصبح الحجاب ظاهرة في توزلا، ونعمل على جعله حالة عامة بعد أن توقف التاريخ مائة سنة أو تنقص قليلًا، حيث إن الحجاب كان لباس المرأة المسلمة في البوسنة على العهد العثماني، قبل أن تعمل الشيوعية عملها، واليوم أصبح الناس يعرفون دينهم بشكل أفضل.

  • في توزلا مدرسة إسلامية، ما وضع المدرسة الآن بعد مرور ٣٥٠ سنة على تأسيسها؟

  • نعم مر على المدرسة الإسلامية مدرسة بهرام بك في توزلا ٣٥٠ سنة، مرت فيها المدرسة بظروف صعبة للغاية، وتوقفت فيها الدراسة من سنة ١٩٤٩م إلى سنة ١٩٩٣م، فقد عمل النظام الشيوعي على تحطيم قيمتها التاريخية فدمرها كما دمر ۲۰ مدرسة إسلامية كانت قائمة ولم يبق إلا مدرسة الغازي خسرو بك في سراييفو، والآن لدينا ٦ مدارس إسلامية والحمد لله منها مدرسة توزلا هذه، وعدد الطلبة فيها ٣٥٠ طالبًا وطالبة موزعين على أربعة صفوف يشرف على تربيتهم 30 أستاذًا من خريجي الجامعات الإسلامية «الأزهر، المدينة، الرياض، إسلام أباد، إلخ»، ومدة الدراسة أربع سنوات، وللمدرسة دور كبير في المساهمة في تكوين من يحفظون لشعبنا دينه ويعلمونه إياه من خلال دراسة ۲۸ مادة علمية، كما يمكن لطلبة المدرسة الالتحاق بمختلف الكليات: دراسات إسلامية، أو طب، أو هندسة، أو غير ذلك.

  • الأوضاع السياسيةوالاجتماعية في البوسنة والهرسك مرشحة لتقلبات وسيناريوهات متعددة، هل أعددتم لذلك عدته؟

  • نحن لسنا متشائمين، أنا شخصيًّا أعتقد أن الأفضل سيكون في المستقبل، في الآتي، وكل آت قريب، ولكن دعني أخبرك أولًا أن مستوى طلبتنا هو الأفضل، والأول على مستوى المحافظة، وجهات كثيرة تطلب منا استقبال طلبة جدد، ولكن إمكاناتنا لا تسمح، بالكاد نسعى لتأمين سكن للطلبة وإكمال المسجد الذي يسع ٥٠٠ مصلٍّ. ونسعى لتكوين مكتبة مركزية كبيرة توفر مراجع للطلبة والأساتذة، وأعود لما تقصده من سؤالك، وهو تكوين وقف. نحن نعمل على إيجاد وقف للمدرسة وقطعنا في ذلك مراحل من أجل مستقبلأفضل للمدرسة، يضمن لها الاستمرار والاستقرار، نحن نبني محلات تجارية لتكون وقفًا للمدرسة ولدينا أراضي وقف مساحتها ۳۰۰۰ متر مربع، ونعمل على بناء سكن للمدرسين، ولدينا أفكار كثيرة لمواجهة المستجدات المختلفة.

  • لا مستقبل بدون تعليم، ولا تعليم يحقق المستقبل المأمول بدون مناهج قادرة على ذلك، فماذا عن المنهج المُعد للمدرسة؟

  • طرق التعليم مختلفة، والوسائل «البيداغوجية» كذلك، بالنسبة لنا يهمنا أمران، إتقان الطالب للغة العربية ليتواصل مع جذور عقيدته في أصول اللغة التي نزل بها كتابه المقدس، وإتقان اللغة الإنجليزية لتساعده على مخاطبة العالم ومساعدته في فهم المواد العلمية التي تدرس بالإنجليزية، لأن مراجعها كذلك مثل الطب والهندسة والفيزياء والأحياء وغير ذلك. في هذه المدرسة يدرس طلبتنا كل شيء، الفلسفة وعلم الاجتماع إلى جانب المواد العلمية المذكورة، والفقه، والتفسير، وعلوم القرآن، والحديث، وأصول الفقه، ومصطلح الحديث، يدرس الطلبة سنة كاملة المصطلح، والفتاوى، والاجتهادات المعاصرة.

  • ما الدور الذي يمكن أن تؤديه المدرسة في خضم الموزاييك الثقافي السائد؟

  • المدرسة هي حجر الأساس لأي عمل دعوي، فلا يمكن القيام بتعليم الناس دون زاد، ففاقد الشيء لا يعطيه، والمدرسة لا يمكن أن نطمئن على مستقبلها بدون وقف، المسلمون في البوسنة يتطلعون للعالم الإسلامي، وكلما أحسوا بالخطر توقعوا النجدة من العالم الإسلامي، أثناء الحرب تداعت لجراحنا الهيئات الإسلامية، وأدى ذلك التداعي دورًا إغاثيًّا وسيكولوجيًّا لا يُستهان به، الناس اليوم ينتظرون من العالم الإسلامي دعمًا آخر، في المعترك الثقافي والتعليمي.

  • تعد توزلا من المراكز الصناعية في البوسنة والهرسك، ألم تقف البوسنة على قدميها بعد وتسد حاجاتها بنفسها ومن اقتصادها؟

  • الحكومة أعادت تشغيل مصنع الصودا ومصنع الأحماض بالتعاون مع شركة سويسرية، وكذلك أعادت الحياة لمصنع الأسمنت، ومصنع الكيمياويات يعمل بكامل طاقته الإنتاجية، ومع ذلك يوجد في الإقليم ٥٥ ألف عاطل عن العمل، إضافة لرواتب الجيش والشرطة، والمؤسسات التعليمية في مختلف المراحل، وقد تحققت نتائج جيدة في التعليم العالي، فقد كان هناك نقص قدره ألف أستاذ، وقد سد النقص والحمد لله. الحكومة تهتم بالدراسات الإعلامية والهندسية، وتقيم علاقات جيدة في هذا الميدان مع اليابان وإيطاليا والمجر، وقد أقيم مطار دولي، وكانت أول رحلة بين توزلا وسراييفو، وأول رحلة دولية بين توزلا وإسطنبول، والحجاج يمكنهم الآن أن يذهبوا للبقاع المقدسة انطلاقًا من مطار توزلا.

الرابط المختصر :