; مقاصد الشريعة في العمران المدني (٦) | مجلة المجتمع

العنوان مقاصد الشريعة في العمران المدني (٦)

الكاتب إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 21-فبراير-2009

مشاهدات 110

نشر في العدد 1840

نشر في الصفحة 66

السبت 21-فبراير-2009

تتحقق مقاصد الشريعة في مجتمع مدني، كما أكدنا في مقالنا السابق، وكان نموذجه الأول هو مجتمع المدينة المنورة على عهد الرسول ﷺ، وقد ظهرت من بعده عدة نماذج تاريخية كان من أهمها بناء المدن والأمصار الجامعة، من جهة، ومن جهة أخرى تطوير عدد من المؤسسات والنظم الاجتماعية الفرعية داخل المدينة أو المصر الجامع، مثل: نظم الحسبة، والأوقاف والطوائف الحرفية.

لنأخذ مثالًا واحدًا يوضح كيف أدرك المسلمون الأوائل علاقة المقاصد ببناء المدن وتأسيس الأمصار الجامعة؟ هذا المثال هو ما أورده أبو الحسن الماوردي في كتابه المعروف باسم «تسهيل النظر وتعجيل الظفر، في أخلاق الملك وسياسة الملك»، وذلك في معرض كلامه عن قواعد تأسيس السلطة الشرعية.

يرى الماوردي أيضا أن الذي يراعى في عمارة البلدان ستة أمور كلها تفضي إلى تحقيق مقاصد الشريعة في حفظ الدين والعقل والنفس والنسل والمال، وهي:

  1. سعة المياه المستعذبة.
  2. إمكان الميرة المستمدة.
  3. اعتدال المكان الموافق لصحة الهواء والتربة.
  4.  قربه مما تدعو الحاجة إليه من المراعي والأحطاب.
  5. تحصين منازله من الأعداء والزعار.
  6. أن يحيط به سواد يعين أهله بمواده.

ويشدد الماوردي على خصائص الأمصار التي تساعد على تحقيق مقاصد الشريعة، فأكد أن تلك الأمصار (المدن) هي أوطان جامعة، وأن المقصود بها خمسة أمور:

أحدها: أن يستوطنها أهلها طلبا للسكون والدعة.

والثاني: حفظ الأموال فيها من استهلاك وإضاعة.

والثالث: صيانة الحريم والحرم من انتهاك ومذلة.

والرابع: التماس ما تدعو إليه الحاجة من متاع وصناعة.

الخامس: التعرض للكسب وطلب المادة.

ويحدد الماوردي ملامح السياسة العامة التي يتعين على منشئ المصر، أو المدينة، أن يتبعها ليؤدي ما عليه من الواجبات نحو ساكني هذا المصر أو تلك المدينة، في الآتي:

  1. أن يسوق إليه ماء السارية إن بعدت أطرافه، إما في أنهار جارية، أو حياض سائلة، ليسهل الوقوف عليه من غير تعسف (لاحظ مشكلات المياه هذه الأيام، وكثرة الشكاوى من تلوثها، وانقطاعها عن بعض القرى، وبعض أحياء المدن).
  2. تقدير طرقه وشوارعه حتى تتناسب ولا تضيق بأهلها فيستضر المار بها (لاحظ ظاهرة العشوائيات ومشكلاتها المستفحلة في أغلب المدن والحواضر العربية، التي دخلت عصر الحداثة منذ أكثر من مائة سنة).
  3. أن يبني جامعًا للصلوات في وسطه ليقرب على جميع أهله ويعم شوارعه.
  4. أن يقدر أسواقه بحسب كفايته وفي مواضع حاجته.
  5. أن يميز خطط أهله وساكنيه، ولا يجمع بين أضداد متنافرين ولا بين أجناس مختلفين.
  6. إن أراد الملك أن يستوطنه سكن منه في أفسح أطرافه، وأطاف به جميع خواصه ومن يكفيه من أمر أجناده، وفرق باقيهم في بقية أطرافه ليكفوه من جميع جهاته، وخص أهله بالعدل، وجعل وسطه لعوام أهله. 
  7. أن يحوطهم بسور إن تاخموا عدوًا أو خافوا اغتيالًا (لاحظ زيادة معدلات الجريمة نتيجة اختلال الأمن في كثير من المدن والمراكز الحضرية في البلدان العربية المعاصرة).
  8. أن ينقل إليه من أعمال أهل العلوم والصنائع ما يحتاج أهله إليه حتى يكتفوا بهم، ويستغنوا عن غيرهم. (لاحظ مشكلة ارتفاع نسبة البطالة، وتدني الأجور، وتدهور مستوى المعيشة لدى قطاعات واسعة تدخل تحت خط الفقر، أو تقف بالكاد فوق هذا الخط).

ويرى الماوردي أنه إذا قام منشئ «المصر» -أو المدينة- بتلك المهمات الثماني فقد أدى حق مستوطنيه، وصار أكمل الأمصار وطنا وأعد لها سكنًا.

يقول: إن على الملك، أو ولي الأمر في حقوق الاسترعاء على الرعية عشرة أشياء يلزمه القيام بها، وهي:

١- تمكين الرعية من استيطان مساكنهم وادعين.

٢- التخلية بينهم وبين مساكنهم آمنين كف الأذى والأيدي الغالبة عنهم .

٤- استعمال العدل والنصفة معهم.

٥- فصل الخصام بين المتنازعين منهم.

٦- حملهم على موجب الشرع في عباداتهم ومعاملاتهم.

٧- إقامة حدود الله تعالى وحقوقه فيهم.

٨- أمن سبلهم ومسالكهم .

٩- القيام بمصالحهم في حفظ مياههم وقناطرهم.

۱۰- تقديرهم وترتيبهم على أقدارهم ومنازلهم في ما يتميزون به من دين وعمل وكسب وصيانة.

هذا نموذج تاريخي يوضح كيف أثرت المقاصد العامة للشريعة في العمران المدني وتأسيس الحضارة الإسلامية.

الرابط المختصر :