; العنف السياسي في الوطن العربي قضايا وتساؤلات | مجلة المجتمع

العنوان العنف السياسي في الوطن العربي قضايا وتساؤلات

الكاتب حسنين توفيق

تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1993

مشاهدات 121

نشر في العدد 1080

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 21-ديسمبر-1993

في أسباب ظاهرة العنف السياسي:

هناك العديد من الأسباب المتداخلة التي تؤدي إلى ظاهرة العنف السياسي تختلف من دولة إلى أخرى ومن فترة إلى أخرى في ذات الدولة، وعادة ما يتم تقسيم هذه الأسباب إلى أسباب اقتصادية "البطالة، التضخم، التبعية الاقتصادية، تدهور مستوى المعيشة". وأسباب اجتماعية "اتساع الفجوة بين الطبقات، وزيادة التهميش الاجتماعي، اختلال نظام القيم في المجتمع، والتغيير الاجتماعي السريع". وأسباب سياسية "التفرد والاستبداد بالسلطة، الفساد السياسي والإداري، وعجز أجهزة الدولة، والفشل في المجال الخارجي".

وبإيجاز فإن العنف السياسي محصلة لجملة من التناقضات والاختلالات الكامنة في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع. وجدير بالذكر أنه لا توجد علاقة ميكانيكية بين توافر العوامل السابقة أو بعضها وحدوث العنف السياسي؛ فالعوامل السابقة تمثل بيئة ملائمة للعنف السياسي، لكن العنف لا يحدث إلا في حالة فشل النظام في تقديم حلول فعالة لهذه المشاكل، ووجود بعض القوى السياسية والاجتماعية التي تعي بأن هذه العوامل أو بعضها يشكل ضررًا على مصالحها الفئوية أو ضررًا على الصالح العام أولًا، وتدرك بأن النظام السياسي هو الذي يتحمل المسؤولية في خلق هذه الأوضاع واستمرارها ثانيًا، وتسعى لإعلان الرفض من خلال ممارسة العنف ضد النظام وسياساته ثالثًا، وكلما تزايدت القدرات التنظيمية والتعبوية للقوى التي تمارس العنف ازدادت فاعليتها في تحدي النظام.

وتأسيسًا على ما سبق، يمكن إثارة العديد من القضايا والملاحظات المرتبطة بتحليل أسباب ظاهرة العنف السياسي:

  • أولاها: إن العنف السياسي السلوكي الذي تمارسه بعض القوى والفئات في المجتمع يعتبر محصلة لعنف أكبر يعرف بالعنف الهيكلي أو البنياني، ويتمثل في جملة الاختلالات والتشوهات التي تعاني منها البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في المجتمع، ولا شك في أن النظام السياسي بأجهزته ومؤسساته وسياساته وطبيعة أدائه يتحمل القدر الأكبر من المسؤولية في استمرار أشكال العنف البنياني وتجذرها.
  • وثانيها: إنه من الأهمية بمكان التمييز بين الأسباب التي تفجر أسباب العنف، أي التي تعتبر الشرارة التي تؤدي إلى اندلاع الأحداث، والعوامل الكامنة التي تقف خلف هذه الأسباب. فالأسباب التي تمثل مجرد المناسبة لانفجار الأحداث قد لا تكون هي الأهم عند تفسير الظاهرة.
  • وثالثها: أن تأثير العوامل المختلفة المسببة للعنف على القوى السياسية والاجتماعية ليس واحدًا، وهنا لا بد من التمييز بين نوعين من المطالب التي ترفعها القوى السياسية والاجتماعية التي تمارس العنف. فهناك مطالب فئوية خاصة أي تهم فئة معينة دون غيرها كالعمال أو الطلبة أو الفلاحين، وهناك مطالب عامة تهم مختلف فئات المجتمع.
  • ورابعها: طبيعة العلاقة بين العوامل الخارجية والعنف الداخلي. فالنظم العربية التي تواجه عنفًا داخليًّا عادة ما تلقي بالتبعية على أطراف خارجية عربية أو غير عربية، وتتهمها بأنها هي التي تحرك القوى التي تمارس العنف الداخلي وتساندها بالمال والسلاح. وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى عدة نقاط:

1.    إن تدخل الدول في الشؤون الداخلية لبعضها البعض ليس بالأمر الجديد، بل هو آلية معروفة لإدارة العلاقات والصراعات بين الدول. ولا تمثل الدول العربية استثناء في هذا المجال بل إن تدخلها في الشؤون الداخلية لبعضها البعض يمثل ملمحًا أساسيًّا لأزمة العلاقات العربية.

2.    إن العوامل الخارجية لا تخلق أحداث العنف الداخلي، لأن العنف وليد عوامل داخلية بالأساس، ولكنها تساعد على إطالة الفترة الزمنية لأحداث العنف من ناحية، وزيادة درجة شدتها من ناحية ثانية. فلا شك في أن حصول القوى التي تمارس العنف ضد هذا النظام أو ذاك على دعم خارجي يساهم في زيادة فاعليتها في تحدي النظام. ويستطيع المرء أن يسوق العديد من الأمثلة على ذلك.

3.    إن العوامل الخارجية لا يمكن أن تؤتي تأثيراتها إلا من خلال قوى وأطراف داخلية تكون مستعدة لتلقي الدعم الخارجي لتصعيد عملياتها ضد النظام.

4.    إن العوامل الخارجية لا تمثل دعمًا للقوى المعارضة أو المناوئة للنظام، بل قد تمثل دعمًا للنظام في مواجهة القوى التي تشكل تحديًّا له. وفي هذه الحالة تتجه المساعدات الخارجية للنظام الحاكم لتمكينه من القضاء على القوى المعارضة. وفي حالات ثالثة تتدخل أطراف خارجية لصالح النظام، بينما تتدخل أطراف خارجية لصالح القوى المناوئة له، وبذلك تصبح الدولة المعنية ساحة للصراع بين أطراف خارجية ومجالًا لتصفية الحسابات بين هذه الأطراف.

في أساليب التعامل مع ظاهرة العنف السياسي غير الرسمي

يتبلور تصور النظم الحاكمة في الوطن العربي لظاهرة العنف السياسي حول عدد من النقاط أهمها ما يلي:

1.    إن العنف السياسي ظاهرة إجرامية، يجب أن تترك مهمة مواجهتها لرجال الأمن وبذلك يتم تجاهل السمة المجتمعية للظاهرة.

2.    إن العنف تمارسه جماعات منحرفة ومضللة ومأجورة وتعمل لحساب جهات خارجية. وتروج النخبة الحاكمة في كل بلد عربي على أن العنف ظاهرة دخيلة وغريبة على مجتمعها، وهو مصدّر له من خارج الحدود، أي تروج لنظرية المؤامرة الخارجية في تفسير العنف.

3.    الخلط بين أعمال الاحتجاج الجماعي السلمية والعنف السياسي. وفي أحيان كثيرة أدى تدخل أجهزة النظام لفض أعمال الاحتجاج السلمية إلى تحويلها لأعمال عنف.

4.    عدم التمييز بين الأسباب المباشرة التي تفجر أحداث العنف والأسباب الكامنة التي تقف خلفه والتركيز على معالجة الأسباب المباشرة فقط.

وتأسيسًا على ما سبق، فإن النظم العربية تعتمد -بدرجات متفاوتة- على توليفة من الأساليب للتعامل مع ظاهرة العنف غير الرسمي:

  • أولها: الأسلوب الأمني- المباحثي

 حيث تترك مهمة مواجهة أعمال العنف لأجهزة الأمن. ومن هنا تولي النظم العربية الأجهزة الأمنية والقمعية اهتمامًا خاصًّا من حيث التنظيم والتسليح والامتيازات وفي بعض الحالات تمثل قوة الأمن قوة موازية للجيش. وربما لا يوجد مجال تهتم النظم العربية أن تنسق فيما بينها بشأنه مثل المجال الأمني. ومع التسليم بأهمية المواجهة الأمنية لظاهرة العنف السياسي غير الرسمي في الأجل القصير فقد ثبت بالدليل القاطع أن المواجهة الأمنية لا تكفي، فالظاهرة ليست أمنية فحسب، بل لها أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومن ثم لا يمكن التعامل معها بفاعلية إلا من منظور استراتيجية شاملة يكون العنصر الأمني أحد مكوناتها، مع مراعاة وضع ممارساته في إطار ضوابط قانونية ومؤسسية واضحة ومحددة. أما الاعتماد على الأسلوب الأمني فقط فقد يؤدي في الأجلين: المتوسط، والطويل إلى آثار عكسية.

  • وثانيها: الأسلوب القانوني– التشريعي

 وفحواه إصدار التشريعات والقوانين التي من شأنها تغليظ العقوبات على القوى والعناصر التي تمارس العنف أو تحرض عليه. وعادة ما يتم التوسع وتفسير هذه القوانين في الممارسة الواقعية. وعمومًا فإن هذا المسلك يمثل الغطاء القانوني للمسلك الأول.

  • وثالثها: الأسلوب السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي وهو الذي يركز على البحث في الجذور والأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي تقف خلف ممارسة أعمال العنف والتوتر في المجتمع، مع تقدير بعض السياسات التي من شأنها معالجة هذه الأسباب. وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب هو الأكثر فاعلية في التصدي للظاهرة، إلا أن أغلب النظم العربية عادة ما تفضل اللجوء إلى الأسلوبين: الأول، والثاني، نظرًا لسهولة اللجوء إليهما من ناحية، ونظرًا لعجز هذه النظم عن تقديم حلول فعالة للمشكلات الهيكلية التي تمثل بيئة ملائمة لتنامي أحداث العنف من ناحية ثانية، والتحدي هنا هو إلى أي مدى سوف تظل قادرة على دفع الثمن الذي يتطلبه استمرار الانخراط في ممارسة هذين الأسلوبين؟

مستقبل ظاهرة العنف السياسي في الوطن العربي

من المؤكد أن أغلب البلاد العربية تعرف في الوقت الراهن العديد من المشكلات والقضايا التي تشكل بيئة حاضنة وملائمة لتنامي أحداث العنف السياسي، بل والعنف الاجتماعي بمعناه العام، وبلغة أخرى يمكن القول بأن العديد من المجتمعات العربية تعيش حالة من الاحتقان السياسي والاجتماعي.

إن أغلب النظم العربية تعاني -بدرجات متفاوتة وبأشكال مختلفة- من تآكل لمصادر شرعيتها. ومن ثم يتعين على هذه النظم البحث عن مصادر بديلة للشرعية أو تجديد مصادر شرعيتها، ولن يتم هذا إلا من خلال إنجاز الإصلاح السياسي المستند إلى توفير ضمانات احترام حقوق الإنسان، وتعميق مظاهر الشرعية الدستورية القانونية، وتدعيم قنوات المشاركة السياسية، وإعلان الحرب على الفساد السياسي بمختلف صوره وأشكاله وكفالة حقوق الأقليات، فضلًا عن إعطاء دفعة قوية لخطط وبرامج الإصلاح الاقتصادي، بالشكل الذي يؤدي إلى محاصرة المشكلات الملحة التي تعاني منها العديد من البلدان العربية وبخاصة مشكلة البطالة، وعدم التوازن التنموي وعدم العدالة في توزيع أعباء التنمية وعوائدها.

وبالإضافة إلى الإصلاح الاقتصادي يتعين على هذه النظم تحقيق إنجازات ملموسة فيما يتعلق بمجالين هامين وهما: تدعيم الأصالة الثقافية والحضارية للمجتمعات العربية، وصيانة الاستقلال الوطني للدول العربية إزاء كافة مخططات الهيمنة الخارجية. وهكذا فإن مسارات تعميق شرعية النظم العربية تتمثل في اتخاذها خطوات جادة على صعيد تحقيق عدد من الأهداف والطموحات الكبرى التي تتمثل في الديمقراطية في مواجهة الاستبداد، والتنمية الواعية في مواجهة التخلف والتنمية المشوهة، والأصالة الثقافية في مواجهة الاستلاب الثقافي والحضاري، وصيانة الاستقلال الوطني في مواجهة التبعية والانكسار إزاء الخارج.

ولن يكون بمقدور النظم العربية أن تنجز هذه الأهداف دون أن تطور من قناعاتها السياسية والأيديولوجية وخاصة في ضوء التحولات الراهنة التي يشهدها عالم اليوم، ومن أن تطور من قدراتها ومؤسساتها وسياساتها بالشكل الذي يجعلها أكثر فاعلية وأكثر قدرة على التكيف، فضلًا عن تدعيم مجالات التعاون والتنسيق بين الدول العربية على أسس ثابتة ومستقرة وبدون ذلك فإن جل المجتمعات العربية ستظل حبلى بمقومات التوتر والعنف في المستقبل وما يمكن أن يترتب على ذلك من تأثيرات سلبية يمكن أن تصل إلى حد التفتت الداخلي لبعض الدول.

إذا كانت هناك بيئة ملائمة لحدوث العنف السياسي في العديد من الدول العربية فإن هناك قوى سياسية واجتماعية مؤهلة ومرشحة للانخراط في أعمال العنف، وإذا لم تبادر النظم بالتغيير على النحو الذي سبق ذكره فقد يفرض عليها التغيير بالقوة. ومن ثم فإن من مصلحة هذه النظم أن تبادر بالتغيير وتستجيب لدواعيه بالشكل الذي يسمح لها بتدعيم مصادر شرعيتها. فهذه النظم لن تستطيع أن تعتمد على أعمال القهر والقمع إلى ما لا نهاية لضمان الاستمرار في السلطة.

إن البدائل السياسية التي تطرحها بعض القوى السياسية الاجتماعية للنظم القائمة ليست واضحة المعالم تمامًا. وهذا الأمر يعكس أزمة الحكم وأزمة المعارضة في الوطن العربي، ولذلك فإن الإطاحة بهذا النظام أو ذاك عن طريق عمل عنيف لا يعني بالضرورة أن البديل السياسي سوف يكون أفضل، بل إن التغيير العنيف في بعض الحالات قد يفتح الباب أمام المجهول، وهنا تبدو أهمية رصد وتحليل البرامج والمشروعات التي تطرحها قوى المعارضة، وإلى أي مدى تمثل بديلًا فعالًا للنظم القائمة.

ترى هل سترتفع النظم العربية إلى مستوى التحديات الكبرى وتجنب المجتمعات العربية شرور الفتنة والعنف، وذلك من خلال قيام كل نظام بصياغة عقد اجتماعي جديد مع مواطنيه؟ هذا هو التحدي الأكبر!!

 

الرابط المختصر :