العنوان مقال الأسبوع- حول ظاهرة التكفير
الكاتب عبدالله محمد الجوعي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1992
مشاهدات 65
نشر في العدد 1012
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 18-أغسطس-1992
· تضافرت النصوص وأقوال السلف على أن الشخص لا يكفر حتى تتحقق فيه شروط الكفر وتنتفي عنه موانعه.
· يجب أن يتورع المسلم عن إطلاق الكفر على طوائف وجماعات تنسب للإسلام لمجرد أعمال أو شائعات لا تصح عند السبر.
ضوابط التكفير في الإسلام
تضافرت النصوص وأقوال السلف على أن الشخص لا يكفر حتى تتحقق فيه شروطالكفر وتنتفي عنه موانعه. يجب أن يتورع المسلم عن إطلاق الكفر على طوائف وجماعات
تنسب للإسلام لمجرد أعمال أو شائعات لا تصح عند السبر.
خطورة التكفير وأسبابه
يمر العالم الإسلامي بمرحلة عزوف عن العلم الشرعي، وبخاصة في مجال ربط
النصوص الشرعية بالواقع وتنزيلها عليه؛ مما ينجم عنه خلل في التصور يؤدي بدوره
-حتمًا- إلى خلل في الحكم وخلل في التعامل مع مستجدات الحياة.
ولعل قضية «التكفير» مما شاع وراجت سوقه في الآونة الأخيرة لدى فئات
من أهل الخير الذين لا ينقصهم حماس لدينهم بقدر ما ينقصهم رسوخ في نصوصه ومفاهيمه،
فقد وصل الأمر ببعض أولئك إلى تكفير وتفسيق من نتقرب إلى الله -تعالى- بحبهم من
العلماء والدعاة المخلصين، فليت شعري هل أراد أولئك النصح للإسلام؟ فقد طمسوا
بفعلهم هذا أصلًا من أصول عقيدة المسلم، وهو الولاء لأولياء الله -تعالى-،
وقد هدموا مقصدًا من مقاصد الدين الكبرى، وهو وحدة الصف ونبذ التفرق.
ولا شك أن موضوع التكفير شائك وخطير، ولا يجوز للمسلم أن يتجاهله، كيف
لا وقد زلت فيه أقدام ما كان لها أن تزل، وخاضت فيه ألسن بغير علم ولا برهان. ولوعورة
هذا البحث فسأقتصر على النقل والإحالة ما وجدت إلى ذلك سبيلًا.
التكفير بين أهل السنة والخوارج
لم يكن سلف هذه الأمة يكفرون صاحب الكبيرة غير المستحل لها، وقد سئل
شيخ الإسلام عن العبد يكفر بالمعصية أم لا؟ فقال: «لا يكفر بمجرد الذنب، فإنه ثبت
بالكتاب والسنة وإجماع السلف أن الزاني غير المحصن يجلد، والشارب يجلد، والقاذف
يجلد، ولو كانوا كفارًا لكانوا مرتدين، وأوجب قتلهم» أهـ.
ومعلوم أن الذين يكفرون صاحب الكبيرة هم الخوارج، وأن الذين لا يرون
للمعاصي تأثيرًا على الإيمان هم المرجئة، وكلتا الطائفتين ليستا على صواب. والحق
الذي عليه أهل السنة والجماعة أن المعاصي تنقص الإيمان، ولا تنقل عن الملة.
وأما تكفير شخص بعينه فقد تضافرت النصوص وأقوال السلف على أن الشخص
المعين لا يكفر حتى تتحقق فيه شروط الكفر، وتنتفي عنه موانعه كالجهل، والإكراه،
والتأول، وعدم القصد وغيرها.
قال شارح الطحاوية: «ولكنا نقف في الشخص المعين، فلا نشهد له بجنة ولا
نار، إلا عن علم؛ لأن الحقيقة باطنة، وما مات عليه لا نحيط به، لكن نرجو للمحسنين،
ونخاف على المسيئين» (ص 378).
وقال شيخ الإسلام: «وحقيقة الأمر في ذلك أن القول قد يكون كفرًا فيطلق
الأمر بتكفير صاحبه، ويقال من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا
يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة... قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة
الحق، وقد تكون غير ثابتة عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد تكون عرضت له شبهات
يعذره الله بها» أهـ (أحكام عصاة المؤمنين، ص 49).
أنواع الكفر والفسق
والشارع يطلق على بعض الذنوب لفظ (كفر) رغم كونها ذنوبًا لا تنقل عن
الملة، كقوله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الشيخان عن ابن مسعود -رضي الله
عنه-: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر». وكقوله فيما رواه الشيخان أيضًا: «ولا
ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض». وقوله فيما رواه مسلم: «اثنتان في الناس
هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت».
وحول قوله -تعالى- ﴿وَمَنْ لَمْ
يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة المائدة:144) قال الشنقيطي: «واعلم أن تحرير
المقام في هذا البحث أن الكفر والظلم والفسق كل واحد منها ربما أُريد به في الشرع
المعصية تارة، والكفر المخرج من الملة تارة أخرى». وقوله -تعالى- ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (سورة المائدة: 144) معارضة للرسل، وإبطالًا لأحكام
الله فظلمه وفسقه وكفره كلها كفر مخرج عن الملة. ومن لم يحكم بما أنزل الله
معتقدًا أنه مرتكب حرامًا، وفاعل قبيحًا فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة. أ.هـ
(أضواء البيان ج2، ص 104).
وقال ابن القيم: «والكفر نوعان كفر عمل، وكفر جحود». أ.هـ (كتاب
الصلاة، ص 25).
أما النفاق الاعتقادي فيدخل في كفر الجحود، وقد قسم شيخ الإسلام كفر
الجحود قسمين، فقال: «إن الكفر نوعان كفر ظاهر، وكفر نفاق، فإذا تكلم في أحكام
الآخرة كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في أحكام الدنيا فقد تجري على المنافق
أحكام المسلمين» أ.هـ (مجموع الفتاوى 2/375).
نصيحة للمسلمين في التعامل مع قضية
التكفير
وغير خاف ما للتكفير من أهمية وخطورة؛ ولذا يجب صون اللسان عنه إلا
لحاجة مع وجود دليل شرعي، وسند متين يكون برهانًا وسلطانًا: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (سورة النمل: 64).
- ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا
أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
(سورة يونس: 68).
- ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا
وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (سورة الأحزاب: 58).
وأي إهانة أكبر وأشنع من تكفير امرئ مسلم؟ جاء في الحديث المتفق عليه:
«إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»، ومع ذلك فلا نزال نسمع من يصدر
أحكام التكفير بالمجان على أشخاص وطوائف من غير سند ولا حجة، وكأن أعراض المسلمين
كلأ مباحًا لكل راتع. ولا شك أن أساس ذلك مرض القلب، وقلة العلم، وضعف التقوى.
قال المودودي -رحمه الله-: «يجب ملاحظة قضية تكفير المسلم والاحتياط
في هذه المسألة احتياطًا كاملًا، يتساوى مع الاحتياط في إصدار فتوى بقتل شخص ما،
وعلينا أن نلاحظ أن في قلب كل مسلم يؤمن بالتوحيد و(لا إله إلا الله) إيمانًا،
فإذا صدر عنه شائبة من شوائب الكفر فيجب أن نحسن الظن، ونعتبر هذا مجرد جهل منه،
وأنه لا يقصد بهذا التحول من الإيمان إلى الكفر؛ لأنه لا يجب أن تصدر ضده فتوى
بالكفر بمجرد أن نستمع إلى قوله، بل يجب علينا أن نفهمه، ونشرح له ما أشكل عليه،
ونبين له الخطأ من الصواب. وإذا أصر على ما هو عليه، ولم يقبل ما عُرض عليه، بعدها
نلجأ إلى كتاب الله، فنوضح له خطأ ما أصر عليه في ضوء كتاب الله، ونبين له النصوص
الصريحة التي تفرق بين الكفر والإيمان، فإذا أصر وخالف النص صراحة من غير وجود
شبهة؛ فيمكن حينئذ إصدار الحكم بالكفر أو الفسق، مع ملاحظة أنه لا يستوي الجرم
والمجرم في جميع الحالات، فيوجد بينهما فرق في الدرجات والمراتب، ويستلزم العدل أن
نلاحظ هذه الفروق حين نصدر حكمًا». أ.هـ (أبو الأعلى، فكره ودعوته، ص 274).
وقد كان سلف هذه الأمة يخافون من تكفير المسلم أشد الخوف، ويعلمون أن
من ثبت إسلامه بيقين، فإنه لا يزول بشك.
أسباب الجرأة على التكفير
ونحن حينما نذكر ذلك لا نطلب من المسلمين أن يكفوا عن تكفير
المشركين أو الكافرين، ولا أن يتورعوا عن وصفهم بذلك؛ لأننا نعلم أن الناقض الثالث
من نواقض الإسلام هو من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم؛ كفر بإجماع.
وإنما نطلب أن يتورع المسلم عن إطلاق الكفر على طوائف وجماعات تنسب
للإسلام، أو على أشخاص مسلمين لمجرد أعمال تحتمل وجوهًا من التفسير، أو
لمجرد شائعات لا تصح عند السبر. وإني أُعزو تلك الجرأة على الحكم بالتكفير والخوض
في أعراض المسلمين إلى جملة من الأدواء القلبية نوجزها فيما يلي:
1.
التعميم:
فلا
يصح تعميم الحكم في قضية ما على جماعة، أو أهل بلد دون الإحاطة بحال من يندرج تحت
هذا التعميم؛ فقد يكون التعميم ناتجًا من نظرة جزئية، كما ذكر في بعض الروايات
الرمزية أن أربعة من العميان أُدخلوا على الفيل، فوضع أحدهم يده على ذيله، ووضعها
الآخر على رجله، والثالث على خرطومه، والرابع على أذنه، ثم تذاكروا في شأنه
فقالوا: أهذا هو الفيل الذي نسمع به؟ ثم قال أحدهم: إنه كسارية المسجد، وقال
الآخر: لا بل كخرطوم المطافئ، فقال الثالث: بل هو حبل مبروم، فاختلفوا. فوجدهم رجل
كذلك، فأدخلهم على الفيل، وأمسكهم بجميع أعضائه حتى أحاطوا به، وبعد ذلك استطاعوا
أن يصفوه على حقيقته. ومن المعلوم -عقلًا- أنك إذا واجهت رجلًا بخيلًا في بلد مرو
فلا يجوز لك أن تقول إن كل مروي بخيل، وإذا رأيت رجلًا يوافق الشيعة في مسألة ما
فلا يجوز أن تقول إنه شيعي إلا بتقييد.
2.
قلة
الإنصاف: قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (سورة المائدة:
8)، وقال: ﴿قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (سورة الأنعام:
6)، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ (سورة النحل: 90)، وقال
-صلى الله عليه وسلم- عن ملك الحبشة: «إن بالحبشة ملكًا عادلًا لا يظلم عنده أحد»،
رغم كونه حينذاك كافرًا. قال الشاعر:
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة *** بين الأنام ولو كانوا ذوي رحم.
3.
عدم
التثبت: لا يجوز للمسلم أن يسارع في الحكم على شخص أو طائفة بمجرد سماع
الشائعات، فإن الله -تعالى- يقول: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (سورة الحجرات: 6)، بل يجب عليه أن يستوثق من
الخبر، فربما كانت الشائعة بسبب سوء فهم من الناقل أو سوء تأويل، فيلزم القائل بما
لا يلزمه.
4.
الجهل:
ولا
يدرك مغبة الجهل إلا العلماء؛ قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة الزمر: 9) وهو استفهام بمعنى النفي. وأشد
الجهل ما كان مركبًا، وهو أن يظن الجاهل أنه عالم، وتلك المصيبة العظمى.
قال حمار الحكيم (توما) *** لو أنصف الدهر كنت أركبُ
فإنني جاهل بسيط *** وصاحبي جاهل مركب
5.
الهوى:
قال
الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى
فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (سورة
ص: 26).
وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ
رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (سورة النازعات:40-41)، ونعى على من اتبع هواه في
آيات كثيرة كقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ
بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾
(سورة الأعراف: 176).
وكل أمر بُني على الهوى، فالشر محدق به؛ لأن من الناس من اتخذ الهوى
إلهًا يعبد من دون الله قال -تعالى-: ﴿أَرَأَيْتَ
مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ (سورة الفرقان: 43)، كما أن الهوى يطمس البصيرة،
ويعمي عن اتباع الحق، قال -تعالى-: ﴿أَفَرَأَيْتَ
مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى
سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ (سورة الجاثية: 23).
6.
التعصب:
وهو من
أشد ما بليت به الأمة الإسلامية سواء كان للطوائف، أم للشعارات، أم لآراء الرجال،
ففي الحقبة القريبة المنصرمة من تاريخ الإسلام كان بعض الحنفية يفتي بعدم جواز
نكاح الحنفي بالشافعية إلا على تنزيله منزلة النكاح بالكتابيات. واليوم ينطمس ولاء
بعض المسلمين على أساس الكتاب والسنة، ويبدو ولاؤهم على أساس الشعار
والجماعة.
خاتمة
وختامًا فإن مسألة التكفير أصل في إفساد ذات البين، وسبب رئيسي في
تفرقة المسلمين وتحزيبهم، وإحداث شرخ في وحدتهم؛ قال -صلى الله عليه وسلم-
فيما رواه الترمذي عن أبي الدرداء: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة
والصدقة، قالوا: بلى، قال: صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة»، وفي
رواية: «ولا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين». قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح ج4 ص
643.
ولذا فيجدر بكل مسلم أن يطهر لسانه وقلبه من غلواء العقد وغوائل
السخيمة، وأن يبرئ ساحته من الخوض في أعراض المسلمين، ولا سيما العلماء؛
فإن لحومهم سم زعاف.
والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
أهم المراجع:
- شرح
العقيدة الطحاوية لابن أبي العز.
- مجموع
الفتاوى لشيخ الإسلام.
- التنكيل
للمعلمي.
- الولاء
والبراء لمحمد القحطاني.
- أضواء
البيان للشنقيطي.
- أحكام
عصاة المؤمنين لشيخ الإسلام.
- المودودي
حياته.
حياته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل