; الإشاعة.. الخطر والمواجهة | مجلة المجتمع

العنوان الإشاعة.. الخطر والمواجهة

الكاتب أ. د. زيد بن محمد الرماني

تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2012

مشاهدات 55

نشر في العدد 2010

نشر في الصفحة 49

السبت 07-يوليو-2012

الإشاعة ظاهرة موجودة منذ أن خلق الله الإنسان، جاء في القرآن الكريم من خلال قصص الأنبياء عليهم السلام، أن نوحاً عليه السلام أُشيع أنه ضال: ﴿ قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾(الأعراف:60)، وهذا موسى عليه السلم أشاعوا عنه أنه ساحر: ﴿ قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ.  يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ ۖ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾(الأعراف:109،110)، كذا رسولنا الكريم ﷺ وإشاعة الإفك المشهورة.

إنّ الإشاعة هي نشر أخبار مشكوك في صحتها تتعلق بكافة نواحي الحياة المختلفة، ولابد أن يكون لها موضوع ذو أهمية، وغموض لدى الأفراد القابلين لتصديقها والمتفاعلين معها حتى تنتشر في المجتمع.

فالإشاعة عبارة عن معلومة مغلوطة، أو خبر كاذب تنتشر عن طريق شخص، أو إحدى وسائل الإعلم لإحداث البلبلة وعدم ا الاستقرار في المجتمعات التي تعاني شعوبها من ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية سيئة، أو ضعف في وعيها السياسي والثقافي، أو فلتان أمني، وهي نوع من الحرب النفسية، وتعتبر من أخطر الآفات التي تهدد المجتمعات وتماسكها، لذلك فهي تهم دول العالم كله بشكل عام ومجتمعنا العربي بشكل خاص نظراً لصعوبة ظروفه المختلفة.

إنّ الشائعات التي تُنقل عن طريق الأفراد والصحف والمجلات والإذاعة والتلفاز أو عبر الإنترنت ووسائل التواصل الإلكترونية تكون سليمة تحمل آمالاً طيبة للمستقبل، وقد تكون مدمرة تحمل الكراهية، مستخدمة في ذلك أنسب الظروف لظهورها، والشائعة تمس أحداثاً كالحرب والكوارث وارتفاع الأسعار، أو علاقات سياسية أو اقتصادية وقد تمس أشخاصاً أو جماعات.

وهي ذات سمات وخصائص متعددة، وتتضمن عناصر معينة يتم من خلالها ترويجها ونقلها، لأسباب وأهداف يسعى إلى تحقيقها.

يقول الباحث محمد باجبار في رسالته للماجستير، والتي بعنوان «الإشاعة في القرآن الكريم وآثارها على المجتمع المسلم »: تعد الإشاعة من أسلحة الدعاية والإعلان، كما لها دور في نشر الفساد في المجتمع، وتؤثر على اضطرابه واستقراره وتماسك جبهته الداخلية ونشر الخوف والقلق بين أفراده.

فهي لا تشمل فرداً معيناً أو فئة معينة من الناس، بل تعرض لها الأنبياء والرسل والدعاة والمصلحون وغيرهم من فئات المجتمع وشرائحه المختلفة، وكما تؤثر الإشاعة في المجالات الدنيوية تؤثر أيضاً على المصادر الدينية لتشويهها.

وهي تمثل خطراً على الجانب السياسي، سواء على مستوى الدولة نفسها أو على علاقات الدول مع بعضها بعضاً، وعلى الجانب الاقتصادي الذي يمثل شريان الحياة، وعلى الجانب الأمني، فبها يتكدر الأمن العام وينتشر القلق عند الأفراد، ويسود المجتمع جو من الانفلات الأمني.

ولا يستقل خطر الإشاعة وأثرها على وقت السلم فقط، بل يتعدى ذلك إلى وقت الحروب، فيكون لها دور كبير في تحطيم الروح المعنوية للمقاتلين والنيل منها وإضعافها، الأمر الذي يؤدي إلى الهزيمة أو ترك القتال وعدم الاستمرار فيه مما يكون له تأثير على الجبهة الداخلية للمجتمع، وإدخال الشك في القدرات القتالية مما يكون له أثر في وقف الإمداد المادي والمعنوي للمقاتلين. 

ومن يقرأ تاريخ الإشاعات في بلادنا، فإنه يرى شواهد كثيرة متناثرة هنا وهناك، إذ تسري في بلادنا الإشاعات كالنار في الهشيم للظروف القلقة التي تعيشها على مدى عقود متواصلة من الخوف والحرمان والفقر.

إن الإشاعة من الظواهر التي تصدى لها الإسلم نظراً لخطورتها على الفرد والمجتمع، ا ولما تثيره من آثار تهدد الأمن الاجتماعي المتمثل في بث روح الحب والألفة بي أفراد ن المجتمع الواحد، ولهذا كان لزاماً على الدعاة إلى الله أن يتصدوا لها مبينين خطرها على أمة الإسلام.

فكم من أسر تفككت من جراء هذه الشائعات، وكم من بيوت هُدمت، وكم من أموال ضُيعت، وأطفال شرّدت كل ذلك من أجل إشاعة من منافق أو كذاب.

أخرج أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي حديث صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة »، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إصلاح ذات البين، فإن إفساد ذات البين هي الحالقة »، وفي بعض الروايات قال: «هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين».

لذا، يعد موضوع الإشاعة من أهم الموضوعات التي اهتم القرآن الكريم بها من خلال 108 آيات، فكشف دوافع مصدرها وأهدافه، وربط ذلك بطبيعة الصراع الذي يخوضه الإسم، كما شخصّ القرآن الكريم   نقاط الضعف في المجتمع الإسلمي، والتي ا تنتشر عن طريقها الشائعات، واعتمد القرآن منهجاً وقائياً محكماً من خل بناء الفرد بناء سليماً بعيداً عن كل المؤثرات الداخلية والخارجية.

ختاماً يمكن أن أتوجه إلى جميع أفراد المجتمع بالتوصيات الآتية:

-1 أن يهتم الباحثون والدارسون بالموضوعات التي لها علاقة وطيدة بالمجتمع، وربطها بالقرآن الكريم وتأصيلها.

-2 توعية النشء والشباب والطلاب توعية إسمية صحيحة، وزرع القيم والأخلاق والمبادئ الإسلامية في الجيل المسلم، وذلك عن طريق عقد اللقاءات والمحاضرات والندوات لهم.

-3 أن تحرص وسائل الإعلام المختلفة على نقل الأخبار والمعلومات الصحيحة كما وردت دون زيادة أو نقصان أو تحريف.

-4 إقامة الدورات والندوات والمحاضرات في مجالات الشائعات لكل فئات المجتمع، وتوضيح أبعادها ومخاطرها وأهدافها وأسبابها.

الرابط المختصر :