العنوان سقوط أوراق وزير
الكاتب عيسي ماجد الشاهين
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1998
مشاهدات 75
نشر في العدد 1290
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 03-مارس-1998
- مذكرة وزارة الإعلام بشأن الكتب الممنوعة تنم عن شجاعة أدبية لكن الجريمة أكبر من أن تعالج بالاعتراف!
الورقة الأولى: الظروف الأمنية: طالب المدافعون عن وزير الإعلام، بحماس بالغ طوال الأسابيع العديدة الماضية بتأجيل الاستجواب تقديرًا للظروف التي تمر بها البلاد والتهديدات العراقية والتحركات العسكرية في المنطقة وتوهموا أن هذا الأمر كفيل بتأجيل الاستجواب أو على الأقل إضعافه.
وكان الرد على ذلك الادعاء هو أن الكويت دولة مؤسسات يقوم كل منها بواجباته وأن هناك ترتيبات دولية شأن الكويت فيها لا يشغلها إلى القدر الكبير، والكويتيون فخورون بأن استعداداتهم الأمنية تتم جنبًا إلى جنب مع قيامهم بمسؤولياتهم الدينية والدستورية.
وقد كانت الظروف هي ورقة الوزير الأساسية والتي بني عليها أمالًا عريضة للإجهاز على الاستجواب قبل أن يأخذ مداه الإعلامي والتربوي والسياسي ولم يكن يدور في أذهان مستشاريه في البداية التداعيات الدستورية المحتملة للاستجواب لتوهمهم بأن ورقة الظروف ستجهز عليه مبكرًا.
وفي جلسة مجلس الأمة يوم الثلاثاء 17\2\1998م تم حرق هذه الورقة بصورة كاملة بيد الحكومة ويد الوزير المعني.
قال سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء في بداية هذه الجلسة «إنه بقدر ما يسعد النواب مناقشة المواضيع، وعلى سبيل المثال القضية الإسكانية والقضايا الأمنية التي تهم المواطنين وأعضاء الحكومة نريد مناقشة الكثير من المواضيع.... قد نختلف ولكن القضايا تقتضي مصلحة المواطنين».
لقد ضرب سموه.. مثلًا رائعًا في كيفية إدارة المؤسسات التي لا تعيقها مواجهة أي أزمة عن القيام بواجباتها الأخرى، ووجه درسًا عمليًا لمن يستغل الأزمة الوطنية لتأجيل الاستجواب أو الإجهاز على حق الممارسة الدستورية.
وقال سموه أيضًا: «نحن مستعدون أن نجلس كل يوم ما عدا يوم الأحد والجمعة»، فأقحم من يردد الأقاويل بضرورة تأجيل الواجبات وترحيلها إلى وقت آخر بعد الأزمة.
وجاء دور الوزير وأعلن أنه جاهز وجاهز وجاهز، وتساءل المستمعون كيف يكون جاهزًا ومحاموه يدعون انشغاله بمواجهة الأزمة إعلاميًا، وأن الاستجواب يبعده عن هذه المواجهة لقد كذبوا وادعوا بهتانًا بينًا.
وواصل الوزير المعني حرق ما تبقى من ورقته الأولى عندما قال: «أستطيع أن أطلب «التأجيل» حتى آخر الفصل «التشريعي».
ولكنه لم يطلب ذلك ليؤكد مدى مصداقية ألته الدعائية في ادعائها بضرورة التأجيل بداعي الظروف! وهو بهذا يعلن أن أولى أوراقه قد تم حرقها كلية وإلى الأبد.
وتبقى المشكلة في حضن من تم تحفيظه الدرس وفاته أن هذه الورقة لم يبق منها سوى شيء من رماد تذروه الرياح، ولكنه مازال متعلقًا بما بقي من رمادها.
الورقة الثانية: الصراع بين الحكومة والمجلس
كشفت جلسة مجلس الأمة يوم الثلاثاء 17\2\1998 م ورقة أخرى من أوراق معسكر الوزير وهي محاولة نقل الصراع من دائرة الوزير والمستجوبين إلى دائرة مجلس الوزراء ومجلس الأمة، وكادت هذه الورقة أن تحدث أزمة دستورية وأن تزيد من حدة التوتر بين السلطتين لولا أن تصدى النواب ومن ضمنهم من قد لا يؤيدون موضوع الاستجواب لهذا التوجه الخطر الذي لم يراع مصلحة الأمة ولا مسيرة الديمقراطية ولا قواعد اللائحة ولا نصوص الدستور، ولو نجحت هذه المحاولة، لا قدر الله، لأحدثت خللًا كبيرًا في الإجراءات الدستورية ولأدخلت مجلس الأمة في نفق مظلم لا يعرف أحد نهايته ولأفرغت مجلس الأمة من كافة مهامه وواجباته.
وأتت هذه المحاولة الفاشلة في الوقت الذي يدعو فيه سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء إلى التعاون المثمر بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وإلى فتح صفحة جديدة من العمل البرلماني الفعال، وبالمقارنة تبين للنواب وللشعب مدى أولوية تأجيل الاستجواب لدى البعض وإن كانت هذه الأولوية على حساب جوهر الديمقراطية والمشاركة الشعبية.
إن الاستهجان الشعبي العارم، ومن قبل كافة التوجهات السياسية لطرح هذه الورقة قد كشف ضعف أرضية هذه الورقة ومساوئ مراميها، وقد قاد طرح هذه الورقة المحامون الثلاثة عن قضية الوزير في المجلس، وقد سماهم الوزير اسمًا اسمًا، مما يؤكد أن هذه الورقة هي وليدة خطة مواجهة الاستجواب وترتيب مسبق للمدافعين عن الوزير، وهدفها تأجيل الاستجواب تحت ذريعة التقدير والاحترام لأعضاء اللجنة التعليمية، وتحت مبرر التطبيق الصحيح للائحة ودون أي اعتبار لأي تداعيات محتملة لائحيه ودستورية.
أضافت هذه الورقة دعمًا لموقف النواب المستجوبين انطلاقًا من التداعي إلى الحفاظ على حق الممارسة الدستورية وعلى القواعد اللائحيه للمجلس وجوهرها ودفاعًا عن اللائحة الداخلية للمجلس ومنعًا للعبث بها وتشويهها بغية تحقيق مصالح أنية ضيقة.
ووحدت هذه الورقة مواقف القوى السياسية حول ضرورة الحفاظ على اللائحة وعلى القواعد الدستورية من الاستغلال المنفعي الخاص واشاعت شيئًا من الأمل بعودة التنسيق والتعاون فيما بينها على أسس واضحة بعد أن تبين للجميع مدى تهاون بعض الأطراف في القضايا والحقوق الدستورية من أجل تحقيق المآرب الشخصية، إن التنافس السياسي بين القوى قد وضع جانبًا لمواجهة الخطر المتربص بالدستور ومجلس الأمة والديمقراطية برمتها.
وأضعفت هذه الورقة موقف المؤيدين للوزير تبعًا لمعارضة بعضهم لمحاولة تحريف اللائحة من أجل تأجيل الاستجواب وقوى من هذه المعارضة محاولة الوزير التملص من هذه الورقة وتصريحه بأن هذا الطرح قد جاء من النواب الثلاثة وليس منه.
إن الوعي السياسي والدستوري لدى الأغلبية في مجلس الامة والصف الشعبي قد أسقط ورقة أخرى من أوراق وزير تحت الاستجواب، إذ جاءت جلسة مجلس الأمة في يوم السبت21\2\1998 لتؤكد فشل المراهنة على تحويل الصراع إلى ساحة مجلس الأمة ومجلس الوزراء بدلًا من مبارزة سياسية شريفة طبقًا للأصول الدستورية بين نواب ووزير.
الورقة الثالثة: تقرير اللجنة التعليمية
بنى المحامون عن الوزير أحلامًا عظيمة على تقرير اللجنة التعليمية، وتهيؤوا نفسيًا وإلى درجة كبيرة لإحداث اختراق واسع لصفوف مؤيدي الاستجواب والمدافعين عن الحق والفضيلة من خلال هذا التقرير واعتقدوا بصورة لا تتزعزع بأن التقرير سيقلب الموازين لصالح الوزير ووزارة الإعلام وسيغير الكثير من القناعات، وقد بشر المحامون عن الوزير بهذا التقرير قبل أن يستكمل من قبل اللجنة وروجوا له كثيرًا وأسسوا استراتيجية تحركاتهم على فرضية صدور التقرير في الوقت المناسب من أجل الاحتفال به إعلاميًا وفي الصورة المناسبة لكي يقيم الحجة على النواب المستجوبين ومؤيديهم فجاء التقرير في غير الوقت المناسب وعلى غير الصورة المناسبة فبقدر ما كانت الآمال العظام كانت النتائج الهزيلة، فأحدث التقرير صدمة إحباط شديدة في نفوس المدافعين عن الحرية المنفلتة وعن الكتب المنحرفة خاصة بعدما سقطت أوراق عديدة راهنوا عليها.
إن المحاولات الحثيثة للمدافعين عن وزير الإعلام لتأجيل الاستجواب تارة تحت ذريعة الظروف والأمن الوطني التي بينا فشلها وسقوطها وأجهز عليها الأمين العام للأمم المتحدة، وتارة ثانية بحجة تقدير واحترام أعضاء اللجنة التعليمية، وتارة ثالثة تحت مبرر ضرورة عدم القفز على اللجان، وأخيرًا في المحاولة الخطرة لتحريف اللائحة الداخلية وتفريغ المجلس من أدواته الدستورية وقوته الرقابية والدعوة إلى التفسير الخاطئ للمادة ٨٠ من اللائحة، هذه المحاولة الفاشلة كان هدفها التهيئة لصدور تقرير اللجنة التعليمية وإعطاء مؤيدي الوزير الوقت الكافي لإخراجه بالصورة المرجوة.
كيف تحقق انهيار الآمال العظام وأصبح التقرير من دون أثر فعال يخدم وزارة الإعلام؟
1- الانكشاف المبكر للنواب الثلاثة المؤيدين للوزير واتخاذهم مواقف مسبقة ومعلنة خدش وجرح حياد وتوازن موقف اللجنة المتوقع مما أفقد التقرير -وقبل صدوره- أهميته وجدواه.
وقد أكد هذا الانحياز وعدم التوازن علاقة أحد أعضاء اللجنة انتخابيًا بأبرز مسؤول في المجلس الوطني للثقافة والآداب والفنون الذي أدار حملته الانتخابية الماضية، إضافة إلى علاقة انتخابية حساسة ومباشرة أخرى كان لها الأثر في وقوفه «فازعًا» للوزير والوزارة .....
۲ - رفض أعضاء مجلس الرقابة في وزارة الإعلام تلبية دعوة اللجنة التعليمية أسقط من التقرير حقائق ومعلومات على قدر كبير من الأهمية وما كان للجنة ولا للمجلس السكوت على هذا الموقف السلبي للجنة الرقابة التابعة لوزارة الإعلام والذي يعتبر سابقة خطيرة تضعف من قيام لجان المجلس بواجباته ومهامها إذا ما تكررت.
3- حاولت الأغلبية «ثلاثة أصوات» بالإضافة إلى جهات خارج اللجنة التعليمية حرمان الأقلية «صوتين» من إدراج رأيها في التقرير بالرغم من أن هذا الحق مقرر للأقلية في نص لائحة المجلس ولكنها فشلت في ذلك وتحقق للنائبين تضمين التقرير رأيهما وهذا ما أفشل وأحبط سعي وزارة الإعلام لإصدار تقرير يمثل رأيًا أحاديًا يدعمها ويؤيدها.
٤ - تأكيد تقرير اللجنة التعليمية في صفحاته ٧٠ و ٧١ و ٧٤ على المسؤولية السياسية للوزير عن الخطيئة الفادحة بحق الذات الإلهية، والرسول الكريم، ودين الدولة وأخلاق وقيم المجتمع، وإن كانت نتائج تقرير اللجنة في حالة اعتمادها من قبل مجلس الأمة ستكون غير ملزمة للإدارة الحكومية من الناحية الدستورية إذ إن هذا شأن داخلي للسلطة التنفيذية، إلا أن ما تم الموافقة عليه بالإجماع وكذلك ما يملك المجلس فيه قرار هو الموقف السياسي الدستوري من الوزير المعني وهو مسؤوليته السياسية.
هذه بعض الأسباب التي جعلت من تقرير اللجنة التعليمية غير محقق لآمال المدافعين عن الوزير وهكذا تسقط ورقة ثالثة من أوراق وزير.
الورقة الرابعة: الاعتراف بالجريمة يسقطها
لا بد من الإشادة بمذكرة وزارة الإعلام المؤرخة 22\12\1997م والمقدمة إلى مجلس الأمة بشأن الكتب الممنوعة فهي تنم عن شجاعة أدبية وجرأة بالاعتراف.
ولكن الجريمة أكبر من أن تحل بمجرد الاعتراف وأعقد من أن تنسى بالتعهد بعدم التكرار، ومرة ثانية توهم مستشار وزير الإعلام بأن هذه المذكرة ستسدل ستارًا على القضية وعلى تداعياتها وستنتهي بها في أدراج النسيان ومما أثبتته الوقائع أن هذه المذكرة عندما تؤخذ في إطار واحد مع الأحداث التي سبقتها وتلتها تقيم الحجة الأقوى على فداحة الجريمة وعلى سوء معالجتها وتداركها من قبل المسؤولين، وبدلًا من أن تكون هذه المذكرة أداة لذر الرماد في العيون وتكميم الأفواه كما خطط المدافعون عن الوزير، أصبحت أداة الإدانة الأقوى بيد المدافعين عن دين الدولة وقيم وأخلاق المجتمع وسلاحًا قويًا يضيف قوة على قوة موقف النواب المستجوبين.
كيف تحولت مذكرة وزارة الإعلام من أداة دفاع عن الوزير إلى أداة هجوم عليه؟
1 - الاعتراف هو سيد الدلائل والأحكام خاصة إذا أتى برغبة ذاتية وتطوعية دونما أي ضغط أو دفع أو طلب.
٢ - أكدت المذكرة دون أدنى ريب وشك وقوع الجريمة وهذا ما وفر على مجلس الأمة الحاجة إلى تشكيل لجنة للتحقيق وأعطى المستجوبين خطوة متقدمة وقاعدة انطلاق أقوى من استجوابهم وحسم الجدل البرلماني والشعبي حول إثبات وتأكيد الجريمة.
3- حاول محامو الوزير استغلال هذه المذكرة في إقامة قاعدة قانونيه جديدة لم يأت أحد بمثلها من السابقين والأولين وهي أن الاعتراف يؤدي إلى البراءة، وقد أبدع الدكتور عبد الرزاق الشايجي -حفظه الله- في تصوير هذا التخريف القانوني عندما دعا ساخرًا إلى إقامة حائط مبكى تقود إليه السلطات المجرمين والمخالفين للقوانين ليذرفوا بضع قطرات من الدمع ويقروا ويعترفوا بجرائمهم ثم يطلق سراحهم بعد ذلك مباشرة، هذه القاعدة القانونية الجديدة أثارت الضحك لفترة وجيزة في الأوساط الخاصة والعامة ولم يتقبلها أحد وأحدثت ثغرة واسعة في حائط الدفاع عن الوزير.
4- أوجدت هذه المذكرة أرضية قوية تنطلق منها أي لجنة تحقيق عادلة ومحايدة والتي لا يمكن أن تغفلها أو أن تتجاوزها أي محاولة تحقيق نزيهة ومنصفة ومن جهة أخرى سيكون أسلوب تضمين هذه المذكرة في أي صحيفة تحقيق دلالة قوية على مدى هذه النزاهة والإنصاف.
5 - هذه المذكرة الرسمية أفرغت الحملة الدفاعية عن الوزير وستفرغ مرافعته يوم الاستجواب من أعمدتها الأساسية وقيدته فيما طرحته من حقائق ووقائع لا يستطيع أن يخرج من إطارها.
٦ - كبل الوزير نفسه بإقراره بالمسؤولية عما حدث ووضع نفسه والمستجوبين في دائرة لا يمكن الخروج منها أو تجاوزها بإيجاد حلول توفيقية أو وسطية.
وهكذا تسقط ورقة رابعة من أوراق الدفاع عن الوزير.