العنوان مقال.. ما العمل؟
الكاتب عبد السلام الهراس
تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1998
مشاهدات 72
نشر في العدد 1295
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 07-أبريل-1998
المحن والشدائد والأهوال التي تتوالى على العالم الإسلامي وعلى المسلمين حيثما كانوا لا تزداد إلا استفحالًا وتفاحشًا وقسوة وفظاعة، وقد شهدنا خلال عشرة أعوام فقط ما حل بالأفغان وبالمسلمين الهنود، وترينيداد، وكشمير وطاجيكستان وأذربيجان وفلسطين، والبوسنة والهرسك والشيشان، وجنوب لبنان، وكوسوفا، والجبل الأسود ومقدونيا، والصين التي اتفقت أخيرًا مع روسيا وتوابعها من بعض الدول الإسلامية المجاورة لتركستان الشرقية وأصبحت الصين بمقتضى ذلك أكثر حرية في تغيير المستعمرة المسلمة إلى أرض صينية بإكثار المستوطنات والعناصر الصينية بدل السكان المسلمين.
كما لا يخفى ما تقاسيه الأقليات الإسلامية الأخرى بأوروبا، وبورما، وسريلانكا، وبلغاريا، وما تواجهه السودان من أخطار ومؤامرات إضافة إلى ما يتفضل به الطواغيت الظلمة في بعض بلاد الإسلام على شعوبهم من إبادة واستئصال، وإفقار، وأفعال شنيعة، وهمجية.
فما العمل الآن؟ هل نظل مكتوفي الأيدي نتلقى الصفعة والطعن ونقعص في عقر ديارنا «أي نطعن بالرماح ونحن قعود وتهتك أعراضنا، وييتم أطفالنا، ونخرج من ديارنا، ونشرد في أرضنا وخارجها، وتمزق شعوبنا ودولنا» هل نحن الآن نعيد أحوال أولئك الجبناء إبان اجتياح التتر والمغول لبلادهم؟
أظن أن أول ما يجب على كل من يؤمن بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، ويعلم أنه مسؤول يوم القيامة عن نفسه وعن أمته وعن عزتها وكرامتها أن يبادر بالدفاع عن الإسلام بكل ما يملك ويستطيع: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ (النِّسَاء: 84)، وفي مقدمة الذود عن الإسلام والمسلمين:
1- التوبة إلى الله، وأهم ما يجب التوبة منه التنازع والاختلاف والتدابر والمعارك الداخلية التي استنزفت من المسلمين كثيرًا من الجهد والمال والوقت والفكر، وآذت المسلمين وأذتهم بإثارة الفتن والأحقاد وتبادل الاتهامات والقذف والبهتان فالمطلوب من المسلمين المسارعة إلى التآلف والتأن والتعاون على البر والتقوى وتوحيد الجهود وتنسيقها وتكتيلها والاعتصام بحبل الله أولًا لا بحبائل الشيطان.
2- تنظيم لقاءات وندوات وتجمعات محلية وقطرية وعالمية هدفها دراسة أنجع الوسائل وأقواها لمواجهة الدول والأنظمة والمنظمات التي تحارب المسلمين في كل مكان، وقد تكون من الوسائل الفعالة المقاطعة الاقتصادية بأن تصدر فتاوى جماعية بوجوب مقاطعة إنتاج وسلع الدول المتآمرة والمعتدية على المسلمين، وسحب أرصدتنا من مصارفهم، وعدم التعامل معهم والامتناع عن زيارة بلدهم إلا لضرورة شرعية.
ويستطيع المسلمون أن يلحقوا أكبر الضرر باقتصاد كل دولة معتدية إذا ما استعملوا حقهم السلبي في محاربتها، ولنجرب مثلًا أن يقاطع المسلمون بعض السلع الكمالية التي تكتسح أسواقنا خلال عام واحد فقط، وسنرى حسن النتائج، أما أن نحارب قولًا وحالًا وفعلًا وتكتفي نحن ببعض القول والزفرات والحوقلة فإن في ذلك تشجيعًا للعدوان علينا ومساندة للظلم والإرهاب العالمي الشرس المسلط على المسلمين.
3- القيام بدراسة من أجل وضع مخلط قابل للتنفيذ في مجال الإعلام الداخلي والخارجي يهدف إلى توعية الشعوب في العالم بما يحل بالمسلمين من ظلم، وما يعانونه من ويلات وكوارث على يد الكبار واتباعهم من العملاء الذين يحاربون الله ورسوله وأولياءهما، فالشعوب المتقدمة فيها خير كثير يحتاج فقط إلى من يوقظ ضمائرها ويبلغها حقيقة الأخبار، ويزيل عن بصائرها ووعيها غشاوة التضليل والتزييف.
4- مؤازرة كل شعب إسلامي يتعرض للمؤامرات والمناورات ولاسيما الشعب الذي تحاول القوى العالمية الغاشمة أن تحول بينه وبين تحريره لأرضه وتوحيد شعبه ودولته وتنمية اقتصاده.
5- القيام بحملة متواصلة الإصلاح ذات البين بين الجماعات الإسلامية المخلصة والحكام المسلمين الذين عرفوا بالخير ويتوسم فيهم الإخلاص كي نفوت على أعداء الإسلام استغلالهم لبعض المعارضين، كما يجب تشجيع الإصلاح بين الدول الإسلامية التي عرفت بمؤازرتها للدعوة الإسلامية ولقضايا المسلمين.
6- إنشاء قسم «الربائد» (الأرشيف) لتسجيل ما يحل بالمسلمين كتابة وصورة ووثائق حتى لا يضيع هذا الجانب المهم من تاريخنا كما ضاع الكثير من ذلك كفظائع محاكم التفتيش، والاستعمار الروسي، وقطائع الهند والفلبين.
7- توعية المسلمين بماسيهم وكوارثهم خلال التاريخ، وذلك بتنظيم ندوات وإصدار كتيبات ورسائل صغيرة، ومجموعات من الصور، وإنشاء جوائز لأحسن الأبحاث، وتقديم أحاديث عبر الإذاعة والتلفزة، والتشجيع على القيام بدراسات علمية جامعية، وتاريخنا غني بالمآسي والكوارث والقوارع كسقوط الأندلس ومحاكم التفتيش وحروب التتر والصليبيين والاستعمار الغربي.
ولقد نشر أخيرًا في ألمانيا بحث مهم كشف أن إسبانيا كانت تستعمل النابالم والغازات السامة في حربها مع جهاد الريف والجبل بالمغرب، كما نشرت أبحاث عن مآسي الموريسكيين على يد محاكم التفتيش ومنها كتاب مهم صدر في فرنسا مؤخرًا.
إن اليهود برعوا في استغلال أبسط الحوادث، بل إنهم بارعون في تزوير التاريخ من أجل أن يظلوا دائمًا هم المظلومين فتراهم يقيمون الذكريات والاحتفالات المهيبة لنظل الذاكرة حية، وأصبحوا يفرضون على الدول أن تشاركهم ذلك، وتعوضهم عما ارتكبه أسلافهم، وقد صرح كلاوس كينكل- وزير خارجية ألمانيا- بأن هذه الأخيرة أدت لليهود ٧٧ بليون دولار، وسيصل المبلغ إلى ۸۸ بليون دولار تعويضات عن جرائم النازية في حق اليهود، كما أن الشعوب الغربية لا تتوانى في إقامة ذكريات المآسي والكوارث التي حلت بها خلال التاريخ، بل إنهم يحتفلون بماسينا نحن عندما انتصروا علينا وينقدون في ذلك مثل معركة بواتييه سقوط بلنسية، وسقوط غرناطة التي احتفلت بها أوروبا كلها في إشبيلية منذ ثلاث سنوات، وأسهمت دول إسلامية وعربية في هذا الاحتفال بمناسبة خروج الأندلس من يد المسلمين إلى يد النصارى الكاثوليك، وإلى يومنا هذا ما زال الإسبان وكافة شعوب أمريكا اللاتينية يحتفلون بهذا الانتصار في عيدهم Christianos y Moros، ولفظ «مورو» هو موريسكي بصيغة التحقير- حيث تحضر حلويات سوداء بشكل رؤوس آدمية يلتهمونها التهامًا.
وهذا يذكرنا بتاريخ الحلوى الهلالية الشكل Croissant التي نتناولها في فطورنا، فقد هيئت بهذا الشكل أول مرة في النمسا ثم انتشرت في باقي أوروبا احتفالًا بانتصار الأوروبيين النصارى على العثمانيين المسلمين الذين كان الهلال شعار دولتهم والإسبان يهيئون بمساندة ومساعدة الوحدة الأوروبية للاحتفالات بذكرى احتلالهم مدينة مليلة المغربية منذ خمسة قرون وما احتفالات اليهود بالدولة الصهيونية إلا من هذا الصنف.
إن للمسلمين من وسائل المقاومة والمواجهة والدفاع عن النفس والدين والعرض الشيء الكثير، إنهم أقوياء ولكنه العجز والفشل الناشئان عن الهلع والتيه الناشئ عن نسيان الله، واليأس الناشئ عن ضعف الثقة بالله، والحيرة الناشئة عن الجهل والجهل الناشئ عن ترك الجهاد في سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العَنكَبُوت: 69).
يقول ابن القيم: «علق سبحانه الهداية بالجهاد، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادًا، وأفضل الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فإنه من الهدي بحسب ما عمل من الجهاد، ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر إلا من جاهد هذه الأعداء باطنًا، فمن نصر عليها نصر على عدوه، ومن نصرت عليه نصر عليه عدوه (الفوائد: ٥٩).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل