العنوان معركة السَّموع
الكاتب سالم الفلاحات
تاريخ النشر السبت 04-ديسمبر-2010
مشاهدات 54
نشر في العدد 1929
نشر في الصفحة 24
السبت 04-ديسمبر-2010
لأول مرة سمعت بهذا الاسم كنت طالبًا في نهاية المرحلة المتوسطة في الصف الثاني الإعدادي في مدرسة ذيبان الإعدادية، حيث جاءت عائلة من خارج القرية وسكنوا بجوارنا وكانوا من خير الجيران.
قالوا: إنهم من السموع - الخليل، ولا أدري لم جاؤوا إلى هذه القرية؟
لم تكن هزيمة يونيو ١٩٦٧م ناجمة عن استفزاز مصري للجيش «الإسرائيلي»، وهي غير قادرة على ذلك وغير مستعدة لخوض تلك الحرب فأسلحتها قديمة ومنزوعة الدسم أو هكذا أريد لها من أجل قفزة أخرى جنوبًا وشرقًا وشمالاً لاستكمال احتلال فلسطين التاريخية كلها ، وأراض عربية أخرى في سورية ولبنان ومصر والأردن.
فقد كانت القوات الإسرائيلية تقوم باستفزازات متكررة للجيوش العربية في المناطق الحدودية، كما يقول الرائد غسان الهلسة الذي يحدثك بالعقيدة العسكرية العربية الصافية طهارة ونقاء وانتماء وغيرة وشجاعة.
لا أظنك تتمالك نفسك إن سمعت هذا الرجل الشريف يحدثك عن معركة السموع وما بعدها من أحداث في عام ١٩٦٧م، وبحمد الله، فالأرض لم تنضب من الأخيار، وإن بلدنا هذا لا يزال يضم قلوبا صادقة منتمية لأهلها وشعبها ووطنها ومقدساتها، ومنهم هذا الأردني الكركي المسيحي يستثمر مسيحيته وعلاقاته الشخصية برجال الكنيسة للمساعدة في إنجاح بعض العمليات العسكرية.
في فجر الأحد ۱۳ من نوفمبر عام ١٩٦٦م .. الخيل تصهل ترقب العدو وعلى أطراف السموع»، وبدلاً من أن يمتطيها فرسانها تمطرها القذائف الغادرة والرصاص الفاجر فطفق جنود الاحتلال مسحًا بالسوق والأعناق ذبحًا وتشويهًا، ولعل صهيلها - واستغاثتها كانت أسرع من مراقبة الجنود الذين كانوا يتوقعون هذا العدوان منذ ستة أشهر.
دبابات زادت على العشرين، مع ناقلات - جنود تعبر الحدود، ويعترضها بعددها جنود - الجيش العربي مشاة بلا سواتر ولا مجنزرات - إلا ببنادقهم وسلاحهم الخفيف، لا يأبهون - بمدافعها ورشاشاتها نسوا الموت وهم يرددون - الحداء والهتافات الرجولية، فما كان من غسان هذا الشاب الذكي إلا أن طلب من جنوده البواسل الصعود على ظهر الدبابات الصهيونية ليعرقلوا استخدام الرشاشات والمدافع، حتى أن أحدهم ألقى بنفسه بين جنزير دبابة وفجر قنبلة تحتها ثم استشهد، بينما غسان يبكي بحرقة ويتحدث برجولة ممزوجة بالألم عن جنود بلا دبابات ولا مدافع تذكر.. أعدادهم قليلة، والحدود طويلة وواسعة، والعدو مستفز في كل يوم، فهو يعد لأمر جلل، ويستدرج الجيش المعركة وشيكة، رجال لا يذكرهم إلا من عرفهم وكان من أهل الوفاء، كانت لهم بطولات فردية على أسوار القدس بخاصة وفلسطين بعامة.
يروي الرائد غسان الهلسة - شاهد عيان ومساعد لقائد جزء من معركة السموع - بلسان عربي أردني وطني غيور بعض أحداث المعركة سمعت طرفا منها في بيت شقيقه جميل هلسة قبل شهور.
كم تألمت وشعرت بالفخر في آن وهو يروي طرفا من أخبار تلك المعركة المشرفة.. يذكر قائد اللواء بهجت المحيسن يرحمه الله من الطفيلة الذي آثر أن يشارك جنوده المعركة بنفسه ليعوضهم عن نقص معداتهم، ويذكر قائد كتيبة عبد الله بن رواحة فهو مقبول الغبيين يرحمه الله، ويتحدث عن بطولة الرائد محمد ضيف الله الهباهبة من الشوبك قائد السرية الذي تصدى للقوات الصهيونية بنفسه، حيث نزل إلى المدفع الـ ١٠٦ مع اثنين من جنوده ووضع فيه قذيفة أطلقها على دبابة إسرائيلية، لكنهم ردوا عليه بقذيفة فأصيب بجراحات خطيرة، يقول الهلسة، وكان بإمكاني أن أخلصه من الجنود الإسرائيليين الذين نزلوا وأخذوه، لكني قلت ليس لدينا إسعافات لنسعفه وبكى، فلعلهم يعالجونه ثم يعيدونه لنا، لكنهم أعادوه شهيدا وادعوا أنهم لم يفلحوا في علاجه.
ويحدثك عن الطيارين الأردنيين حيث تمكنوا بالرغم من أن طائراتهم قديمة هوكر هنتر تمكنوا من إسقاط طائرتين إسرائيليتين، لكن الطيار البطل موفق السلطي سقطت طائرته ولقي الله شهيدًا، أما الطيار إحسان شرذم فقد نزل بالمظلة وسقطت طائرته.
كما استشهد ثلاثة عشر جنديًا أردنيًا أرى أن ذكر أسمائهم هو من بعض الوفاء وهم:
- حمدان عبد الرحمن الخليفات (جندي).
- سالم عليان سليمان العموش (جندي).
- راجي مقبول سالم الشموط (جندي).
- أحمد سعيد موسى العثامين (جندي).
- عبد القادر عبد الجواد الحروب (جندي).
- مفلح محمد سليمان الختاتلة (جندي).
- إبراهيم حسن يوسف مصلح (جندي).
- يونس حسين مسلم العريقات (جندي).
- عبد القادر شاكر محمد صدقة (جندي).
- عطا الله علي متروك العوران (جندي).
- أحمد عبد الكريم محمد السويطي (جندي).
- عبد الرحيم عبد الله مسلم محفوظ (جندي).
- محمد أحمد حمد دار عودة (جندي).
ثم تمكن الأبطال من قتل قائد لواء المظليين «الإسرائيلي» «يواف شاهام» وجرحوا عشرة من جنود العدو الصهيوني.
ستة أشهر فقط كانت هي الفترة الزمنية الفاصلة بين هذه المعركة التي بدأها العدو تمهيدًا واختبارًا لمدى جاهزية الجيش العربي وبين حرب يونيو عام ١٩٦٧م، فقد دمروا ما يزيد على مائة وعشرين منزلاً ، وعددًا من المنشآت الأخرى، لكنهم أجبروا على الاندحار رغم قواتهم الكبيرة على أيدي هؤلاء الرجال الذين يذكرهم «الهلسة» بأسمائهم واحدًا واحدًا وهو يحدثك كأنه يراهم اليوم.
إن أمة تملك أمثال هؤلاء الجديرة بأن تنتصر وتنفض عنها غبار الذل.
يا لهم من رجال لو كان لهم أصحاب وقيادات تملك إرادة سياسية وعقيدة وطنية نحو قضايا أمتها.
«السموع» كما الكرامة كانت صفحة بيضاء مشرقة أعادت الأمل للنفوس لكنها لم تسمع.
لقد أسمعت لو ناديت حيًا
ولكن لا حياة لمن تنادي
رحم الله الشهداء الشهود الأطهار، وأبقى دماءهم شاهدة على فترة من التاريخ المعاصر ستضاف إلى قراءات أخرى مؤلمة.