العنوان مقامات رمضانية.. صائم في مقام التوبة والمحاسبة
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 29-أغسطس-2009
مشاهدات 49
نشر في العدد 1867
نشر في الصفحة 36
السبت 29-أغسطس-2009
محطة لتوبة
الغافلين.. يقلعون فيها عن الذنوب والعادات السيئة التي اكتسبوها خلال العام.. من
هجر القرآن وترك الحجاب وقطع الأرحام وعقوق الوالدين.
الإصرار على
الذنب أقبح منه ولا كبيرة مع التوبة والاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار ومحقرات
الذنوب تجتمع على العبد وهو يستهين بشأنها حتى تهلكه.
من موجبات التوبة
الصحيحة.. انكسار يحصل للقلب لا يشبهه شيء ولا يكون ذلك لغير المذنب.
يحكي لي: أنه
تعود قبيل حلول شهر رمضان أن يتحدث إلى نفسه كثيرًا ما يقف أمام المرآة يرى صورة
ذاته ويجلدها.. يحملق فيها ليبعد عنها رداء الرياء وزخرف الريش يرى في عمق عينيه شرائط
الذكريات التي تحمل صور الذنوب التي اقترفها.. ولا يزال يكلم نفسه ويخاطبها
ويحاورها ويعاتبها ويخبرها أن الوقت حل للتغيير والتوبة. كيف تصوم وأنت عاص؟ ألم
يأن لك أن يخشع قلبك لذكر الله وما نزل من الحق؟
قلت له: وكيف
تقيس نفسك وتتمكن من محاسبتها؟
- سوء الظن
بنفسي؛ «لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش،
ويُلبس الأمر، فأرى المساوئ محاسن والعيوب كمالًا».
- ولعل ذلك لا
تستطيعه إلا إذا رزقت نورًا من الحكمة والعلم تُميّز به.
- نعم، «ولأميز
النعمة من الفتنة، فأفرق بين النعمة التي فيها الإحسان واللطف وتحصل بها السعادة
الأبدية، وبين النعمة التي بها الاستدراج، فكم من مستدرج بالنعم وهو لا يشعر مفتون
بثناء الجهال عليه مغرور بقضاء الله حوائجه وستره عليه».
رجعت من عنده..
أنظر في المرآة مثله وكأنما جاء الشهر لتحل معه بركات التوبة.
زوال الخوف
ولكني سألت نفسي
واتهمتها.. وهل لا يزال الخوف - بعد التوبة - مصاحبا لي؟ لا آمن من مكر الله طرفة
عين لا بد أن يستمر الخوف إلى أن يسمع التائب قول الرسل لقبض روحه ﴿... أَلَّا
تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ
تُوعَدُونَ﴾ (فصلت:30)، فهناك يزول الخوف.
هل انقطع قلبي
وتقطع ندمًا وخوفًا؟ وهذا تأويل ابن عيينة لقوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ
بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ
قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:110)، قال: تقطعها بالتوبة..
هذا من حقائق التوبة؛ لأنه يتقطع قلبه حسرة على ما فرط منه وخوفًا من سوء
عاقبته.
ويقول ابن القيم
في مدارج السالكين ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضًا: كسرة خاصة تحصل للقلب لا
يشبهها شيء، ولا تكون لغير المذنب لا تحصل بجوع أو ألم.. تكسر القلب بين يدي الرب
كسرة تامة قد أحاطت به من جميع جهاته، وألقته بين يدي ربه طريحًا ذليلًا خاشعًا.
قصة من الذاكرة
خشيت وأنا أفتقد
ذلك الذل ألا يتقبل مني أو يقبلني مكثت أنظر في المرآة ثم أرجع بصري مرة ومرة
أستعيد من ذاكرتي حكاية أعادت لنفسي الطمع في رحمة الله يحكى عن بعض العارفين:
«أنه رأى في بعض السكك بابًا قد فتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي وأمه خلفه تطرده
حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكرًا، فلم
يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه، ولا من يؤويه غير والدته، فرجع مكسور القلب
حزينا، فوجد الباب مرتجًا فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام، فخرجت أمه، فلما
رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت نفسها عليه، والتزمته تقبله وتبكي وتقول: يا
ولدي أين تذهب عني؟ ومن يؤويك سواي؟ ألم أقل لك: لا تخالفني، ولا تحملني بمعصيتك
لي على خلاف ما جُبِلْتُ عليه من الرحمة بك، والشفقة عليك، وإرادتي الخير لك؟ ثم
أخذته ودخلت».
شعرة في بحر
وقد يتألم
الإنسان وهو يقف أمام مرآة ذاته يفتش عن عمل قديم فيه حب وإحسان فلا يجد، أو يجد
ما لا ينفي عنه الرياء أو البدعة يتذكر أصحاب الغار الثلاثة وقد خرجوا من حبسهم
بإخلاصهم السابق يعفى للمحب وصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره، فموسى ألقى
الألواح التي فيها كلام الله فكسرها، وجرّ بلحية نبي مثله، ولطم عين ملك الموت ففقأها..
وربه يحبه ويكرمه؛ لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدو له وصدع
بأمره، فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر. وانظر إلى يونس بن متى؛ حيث لم يكن له
هذه المقامات غاضب ربه مرة فأخذه وسجنه في بطن الحوت ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ
مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ ﴿143﴾ ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
﴿144﴾ (الصافات)، وفرعون لم تكن له سابقة خير تشفع له وقال: ﴿آمَنتُ
أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ
الْمُسْلِمِينَ﴾ ﴿90﴾ ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ
الْمُفْسِدِينَ﴾ ﴿91﴾ (يونس)، قال
له جبريل: الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (يونس).
أجناس المحرمات ولا يستحق العبد اسم التائب حتى يتخلص من جميع أجناس
المحرمات، وهي اثنا عشر جنسا مذكورة في كتاب الله عز وجل الكفر والشرك والنفاق
والفسوق والعصيان والإثم والعدوان والفحشاء والمنكر والبغي والقول على الله بغير
علم، واتباع غير سبيل المؤمنين.
والإصرار على
الذنب أقبح منه، ولا كبيرة مع التوبة والاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار ومحقرات
الذنوب تجتمع على العبد وهو يستهين بشأنها حتى تهلكه، كما في الحديث عن عبدالله بن
مسعود: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وإن رسول الله
ضرب لهن مثلًا: كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء
بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارا وأنضجوا ما قذفوا
فيها» (صحيح الترغيب للألباني).
رمضان فرصة للتوبة،
وقد صفا القلب من أرضية الشهوات وسنحت الفرصة لسماع الآيات في التراويح أو قراءتها
في السحر، تلك الآيات التي تحث على التوبة وتعلن حب الله للتوابين، وتخبر عن ظلم
الذين لم يتوبوا، وتعطي الجائزة العظيمة حين يبدل الله لمن تاب سيئاته حسنات، وهو
فرصة للتعرض للنفحات الكبرى كما في الحديث: «أول شهر رمضان رحمة، ووسطه مغفرة،
وآخره عتق من النار» (ابن أبي الدنيا، وصححه السيوطي).
ومن بركات التوبة في رمضان أن صار الشهر محطة للغافلين مثلي ينتبهون فيها، ويتركون الذنوب والعادات السيئة التي اكتسبوها خلال العام، من هجر القرآن وخلع الحجاب، وقطع الأرحام، وعقوق الوالدين ويا لفرحة هؤلاء الذين تركوا المخدرات والتدخين والسهر على التلفاز والإنترنت بما لا يفيد.