; مقتدى الصدر وجيش المهدي تناقض بين الإعلان وفعل الميدان | مجلة المجتمع

العنوان مقتدى الصدر وجيش المهدي تناقض بين الإعلان وفعل الميدان

الكاتب د. أكرم المشهداني

تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2008

مشاهدات 61

نشر في العدد 1797

نشر في الصفحة 30

السبت 12-أبريل-2008

  • «جيش المهدي» كان أداة بيد غيره.. وبعد انتهاء الحاجة إليه كان لا بد من تصفيته

  • من كان ضد الاحتلال لا يقتل أبناء شعبه ولا يهجرهم ولا يدمر مساجدهم ولا يطعن مقاومتهم من الخلف

من يسمع كلام وتصريحات مقتدى الصدر: زعيم ما يسمى بـ«التيار الصدري»، والقائد الأعلى لما يُدعى «جيش المهدي» تأخذه الحيرة والعجب، فهو ما انفك يعلن أنه «مقاوم» للاحتلال، ويطالب بإخراج المحتلين، وكثيرون صدقوا هذا عندما كان الكلام يقترن بالأفعال في ساحة الميدان، ويوجه «المهديون» بنادقهم تجاه الغزاة في بغداد والنجف والديوانية والبصرة..

ولكن.. فجأة قرر «الصدر» التنازل عن السلاح، وتحويل جيشه إلى ما أسماه «منظمة مدنية» (!)، وأمر أتباعه ببيع قطع سلاحهم للحكومة والقوات الأمريكية لقاء مبالغ نقدية، وشاهد العالم كله عبر الفضائيات الآلاف من أفراد جيش المهدي وهم يسلمون أسلحتهم مقابل المال.

جرائم طائفية: ولم يمر عام، وتحديدًا بعد تفجير قبة الإمامين العسكريين في «سامراء» في فبراير 2006م، حتى تحول «جيش المهدي» إلى عصابات ومليشيات إجرامية وفرق موت تفتك بالمواطنين وترتكب الجرائم الفظيعة بحق المدنيين وتحرق أو تهدم أو تنتهك حرمة مساجدهم.. وشاهد العالم عبر الفضائيات وأفلام الفيديو ما ارتكبته قطعان الدهماء من جرائم بحق الناس الآمنين وتهجيرهم من مناطقهم في حملة تطهير مذهبي شملت تهجير ملايين الناس فشهد العراق أكبر عملية تهجير وفرز طائفي، كان نتيجتها تهجير مليوني عراقي في الداخل وأربعة ملايين إلى الخارج، هربًا من فرق الموت التي كان جيش المهدي عمودها الأساس.

 التأثير الإيراني: وعمومًا، كانت أطروحات مقتدى الصدر تحمل التناقض السياسي والفكري، فهو يعلن أنه ضد الاحتلال، لكنه شارك بقوة في دعم العملية السياسية في ظل الاحتلال، وأشرك وزراءه في حكومات الاحتلال المتعاقبة، كما أن أتباعه لهم مقاعدهم، وتأثيرهم في ما يسمى بـ«البرلمان» وكان له الفضل في دعم رئيس الحكومة السابق «إبراهيم الجعفري» ومن بعده «نوري المالكي».. وما فتئ مقتدى يعلن إعلاميًّا أنه مع المقاومة، ولكن ميدانيًّا كانت جرائم أتباعه من «جيش المهدي» وبالًا على المقاومة العراقية، وكانت توجه طعنات من الخلف للمقاومة العراقية الحقيقية.

ولم يكن التأثير الإيراني في توجيه مقتدى وأتباعه خفيًّا، وإن كان يحمل الكثير من التناقض والازدواجية، وفي كل مرة كانت «إيران» هي الملاذ لمقتدى، ومنها كانت تتطلق التوجيهات!! فبعد معارك «النجف» عام 2004م ذهب مقتدى إلى إيران أو أجبر على الذهاب بتأثير من «آية الله علي السيستاني» الذي كان يريد أن يوقف عمليات المهديين ضد الاحتلال، وفعلًا توقفت العمليات، وبقي مقتدى أشهرًا هناك، حتى جاءت أحداث ما بعد تفجيرات «سامراء» لتشعل فتنة طائفية جديدة كان بطلها «جيش المهدي» في الواجهة و«فيلق بدر» في الخفاء وأدت إلى ما أدت إليه من كارثة ودماء وضحايا وتهجير ما زال العراقيون يعيشون أهواله حتى اليوم..

وحين وضعت قوات الاحتلال خطة للقبض على رؤوس الفتنة من عصابات فرق الموت التابعة له، كانت إيران في الملاذ له ولأتباعه من كبار قادة فرق الموت المعروفين جيدًا للعراقيين وللأمريكان، وما زالوا تحت الحماية داخل إيران، وبعدها جاء قرار مقتدى بإيقاف عمليات جيش المهدي لمدة ستة أشهر، ثم بعدها جاء قراره الانعزال والتفرغ لغرض الدراسة الدينية (!!) والحصول على لقب «آية الله» من مدينة «قم» بالرغم من أن «النجف» هي المؤهلة أصلًا لتدريس العلوم ومنع المرتبة المذكورة!

أداة بيد غيره!

وها هي المعارك تندلع في البصرة لتطهير المدينة من آثام «جيش المهدي» وباقي العصابات التي كانت تعيث فسادًا وتقتل النساء بذريعة الإصلاح، وتفتك بأساتذة الجامعة بتهمة الردة، وغيرها من الجرائم التي عرفها القاصي والداني، فضلًا عن سرقة النفط والمشتقات البترولية وتهريبها والاستفادة من أموالها في تسليح وتمويل جيش المهدي..

 كل تلك كانت أسبابًا لاضطرار المالكي إلى أن يستجيب للضغط الأمريكي ليقوم بالعملية التي أسماها «صولة الفرسان» لتطهير البصرة من عصابات الجريمة؛ أي من جيش المهدي.. وها هو ذا مقتدى بعد أن ضاقت به وبأتباعه السبل، وأعلن مرارًا أنه غير قادر على السيطرة على الكثيرين من أتباعه، ليكون في حل من جرائمهم، ها هو يعود ليرتدي ثوب «المقاوم» للاحتلال، ليمضي في مسيرة التناقض والتهور واللعب على الحبال!!

إن ما آل إليه جيش مقتدى يرتبط بمقدمات تشكيله عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م؛ إذ تشكل من رعاع الناس وسقطة المجتمع (كما يعرف ذلك العراقيون). وأضاف ضعف خبرة قائده «مقتدى الصدر» وخضوعه للتأثير الإيراني، مرورًا بالتقلبات السياسية، كل ذلك كان يشير إلى عدم استمرار هذا التيار ومحافظته على ما اعتبره «نجاحًا سياسيًّا» فقد ثبت أن «جيش المهدي» كان أداة بيد غيره، حتى ما إذا انتهت الحاجة إليه كان لا بد من تصفيته، وبكل وضوح نقول: إن جيش المهدي هذا قد دفع إلى ممارسة تلك الجرائم الطائفية ليحقق أهداف الاحتلالين (الإيراني والأمريكي)، ومن الواضح أن الاحتلال الإيراني قد جنى من وراء ذلك الكثير، فقد عمق الهوة الطائفية بين الشعب العراقي للوصول إلى فيدرالية الجنوب الذي سيكون بلا ريب تابعًا له بواسطة «المجلس الأعلى»، ولذلك كان العديد من الجرائم الطائفية تشترك فيها قوات «فيلق بدر» التابعة للمجلس الأعلى؛ بل كانت هي المخطط والمحرك لها، وما كان جيش المهدي إلا أداة تنفيذ.

انتقام رباني

أما الاحتلال الأمريكي فيكفيه أنه تمكن من إقناع مناطق السنة أن المليشيات الطائفية أخطر من الاحتلال الأمريكي، ولذلك جاءت «الصحوات» عن قناعة تامة للكثير من المغرر بهم من أبناء المحافظات السنية، فانقلبوا إلى «حماة» للمحتل الأمريكي وكفوه مهمة مطاردة تنظيم «القاعدة»، وهذه الأخيرة استطاع أيضًا الأمريكان والإيرانيون أن يخترقوها، وهم الذين استباحوا بجرائمهم دماء الناس الأبرياء، وكانوا جزءًا من المخطط الذي جعل كثيرًا من الناس تمقت المقاومة واسم الجهاد!

إن ما يجري لعصابات جيش المهدي ما هو إلا جزء من «الانتقام الرباني» من تلك العصابات لما اقترفته بحق المساجد وبحق الأبرياء من جرائم وحشية يندى لها الجبين، وأما ادعاءات مقتدى أنه مقاوم وضد الاحتلال، فمن كان ضد الاحتلال لا يقتل أبناء شعبه، ولا يهجرهم ولا يدمر مساجدهم، ولا يطعن مقاومتهم من الخلف.

الرابط المختصر :