العنوان مقترحات اقتصادية لحل مشكلة سياسية.. مؤتمر المياه في إسطنبول
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1997
مشاهدات 59
نشر في العدد 1275
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 11-نوفمبر-1997
مناقشات المؤتمر تحمل دعوات صريحة الخصخصة قطاع المياه وإقامة بنوك لبيعه
سدود تركيا على دجلة والفرات تحرم سورية والعراق من ١٢ مليار م٣ من المياه
تقرير سري مصري: إسرائيل تسرق المياه الجوفية من سيناء.. وتركيا تسرق لها المياه من منطقة الثغور المتنازع عليها مع سورية
موجة بناء السدود على الأنهار ودعوات تسعير المياه لا يمكن النظر إليها من منظور اقتصادي بحت بل يجب تداولها في إطار أوسع وأشمل
كانت العاصمة التركية اسطنبول مقرًا لمؤتمر حول المياه نظمته صحيفة الهيرالدتريبيون نهاية الشهر الماضي، وحضره عدد من زعماء العالم منهم رئيس بنجلاديش، ورئيس وزراء باكستان، وولي العهد الأردني الأمير حسن بن طلال، ورئيس البنك الدولي جيمس ولفسون، وممثلو شركات التمويل الدولي، وقاطعت غالبية الدول العربية ذلك المؤتمر، الذي عقد تحت اسم مياه العالم: تمويل مشاريع المستقبل حيث رأت فيه حشداً للرأي العام الدولي إلى جانب تركيا في مشاريعها التي تفتات على الحقوق العراقية والسورية في مياه نهري دجلة والفرات.
وكانت كلًا الدولتين قد اتفقتا خلال اجتماع اللجنة المشتركة الخاصة بالمياه في فبراير من العام الماضي على مقاطعة الشركات التي تمول المشاريع المائية التركية، وأعيد التأكيد على هذا المبدأ خلال الاجتماع الأخير للجنة في منتصف أكتوبر الماضي.
وقد قوبل هذا المؤتمر بحساسية كبيرة على المستوى العربي تجسدت في مقاطعته ومرر ذلك:
1. يعقد المؤتمر في تركيا، صاحبة مشروع أنابيب السلام، ذلك المشروع الذي يلاقي الكثير من النقد على المستوى العربي، تشكيكا في النوايا التركية، التي تسعى إلى طرح الثروة المائية في بورصة للمياه لتحصل على التمويل الدولي لمشاريعها على نهري دجلة والفرات من خلال ما تروج له من صيغة تطلق عليها «المياه مقابل النفط».
2. في خلفية أي حديث عن تركيا، يبقى ماثلًا في الأذهان التحالف الاستراتيجي بينها وبين إسرائيل، التي تضع يدها على موارد المياه العربية في منابع نهر الأردن وفي مرتفعات الجولان وجنوب لبنان وتستولي على مياه نهر الحاصباني وتستنزف الآبار الجوفية للضفة الغربية وقطاع غزة، بل وتسرق ما دون ذلك حسبما أشار مؤخراً تقرير مصري أوضح أن إسرائيل تسرق المياه الجوفية من صحراء سيناء، من خلال عمليات الحفر على أعماق كبيرة، مما يجعل مياه الأرض في وادي عربة أكثر منها في صحراء سيناء، بل اتهم التقرير السري المصري والذي رفع إلى وزارة الخارجية في وقت يزامن تقريبًا انعقاد مؤتمر اسطنبول تركيا بأنها تقوم بتحويل المياه من منطقة الثغور المتنازع عليها مع سورية إلى الجانب الإسرائيلي.
3. نظم المؤتمر تحت رعاية الهيرالدتريبيون الأمريكية، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الدوافع الحقيقية لتواجد طرف أمريكي خلف المؤتمر، خاصة وأن الولايات المتحدة هي الراعية للتحالف الاستراتيجي التركي الإسرائيلي.
4. كما عقد المؤتمر في فترة تتسم بارتفاع درجة التوتر الذي يسم العلاقات بين كل من العراق وسورية من ناحية، وتركيا من ناحية ثانية، فمازالت الدولتان تريا أن أنقرة تنكر حقوقهما المائية ولا تلتزم حتى بتصريف الـ ٥٠٠ متر مكعب/ ثانية من المياه الذي تم الاتفاق عليها كحل مرحلي في اتفاق عام ۱۹۸۷م بين الدول الثلاث على الجانب الآخر، أعلنت تركيا مؤخراً أنها تزود البلدين الآن بحوالي ۱۲۰۰ متر مكعب/ ثانية من مياه نهر الفرات، أي ما يزيد على ضعف ما تم تحديده في ذلك الاتفاق، وتطالب تركيا بتطبيق نموذج نهر النيل على نهري دجلة والفرات، أي أن يكون توزيع المياه حسب الحاجة وحجم المشاريع التي تحتاجها بالأساس.
من ناحية ثانية تثير المشاريع المائية المزمع إقامتها على النهرين مشاكل مختلفة بين البلدان الثلاث، فمنذ أيام جدد العراق رفضه إنشاء سد أتاتورك على نهر الفرات «ويشمل المشروع إقامة ۲۱سدًا منها ٨ سدود على حوض نهر دجلة» ووصفه بأنه انتهاك لقواعد القانون الدولي والمعاهدة الموقعة بين البلدين عام ١٩٤٦م، وأنه يحرم كل من سورية والعراق من حوالي ۱۲ مليار متر مكعب من المياه سنويًا.
كذلك ستتضرر البلدان من جراء إقامة سد أزميت التركي والذي تشير التقديرات إلى احتمال الانتهاء منه في غضون عدة أشهر، ويتألف المشروع من قسمين الأول عبارة عن سد ارتفاعه ۱۰۸ أمتار وعرضه ۳۹۸ متراً، ويوفر ١٤٠ مليون متر مكعب من المياه، والقسم الثاني من المشروع هو محطة تصفية ومعالجة ضخمة تؤمن مياه الشرب لمليون ونصف مليون شخص ۲۹۰ ألف متر مكعب على امتداد ۷۰ ميلًا على شاطئ بحر مرمرة بين أزميت وإسطنبول عبر أنابيب تحت الأرض.
وعلى الجانب السوري، وفي موعد مزامن أيضًا لعقد المؤتمر «عقد في يومي ۲۹ و۳۰ من سبتمبر الماضي» تم افتتاح مشروع سد تشرین على نهر الفرات، وأعلنت مصادر سورية أنه تم تحويل مجرى نهر الفرات لدى دخوله إلى سورية إيذاناً باستكمال بناء السد الذي يعد ثاني أكبر سدود سورية، والذي تبلغ تكلفة إنشائه نحو ٥٠٠ مليون دولار، والجدير بالذكر أن تركيا لم تبلغ دمشق رسميًا بموافقتها على تنظيم تدفق الفرات رغم أن وفداً تركياً كان قد وافق بشكل مبدئي على المشروع في مباحثات مشتركة في مارس الماضي.
وقد حمل هذا المؤتمر عددًا من الدعوات والأفكار التي تستحق الوقوف لديها ومناقشتها؛ من هذه الدعوات:
خصخصة المياه
حملت مناقشات المؤتمر دعوة واضحة الخصخصة قطاع المياه في دول المنطقة كخطوة نحو تحسين نظم إدارة المياه المتردية، وقد ذكر دکلان دف -المدير بهيئة التمويل الدولية- أنه في الوقت الذي تفتقر فيه الكثير من الحكومات إلى القدرة المالية والإدارية للقيام باستثمارات ضخمة فإنها تحجم عن البدء في الخصخصة الواسعة النطاق المشروعات المياه التي ستنقل عبء السعر الذي سيحدده السوق إلى كاهل المستهلك.
ورغم أن هذه ليست المرة الأولى التي يندد فيها الخبراء الغربيين بالأسلوب الحالي لإدارة المياه، إلا أن المؤتمر الأخير كان أكثر تحديدًا، وصراحة في فتح هذا الباب بشكل جدي، متحدياً الاعتبارات الثقافية السائدة والتي تنظر للمياه كمنحة ربانية أكثر من مجرد كونها سلعة تباع وتشترى، ومن الطبيعي أن تستغل هذه الدعوة الاتجاهات المحمومة نحو الخصخصة في المنطقة والتي تتم في إطار برامج الإصلاح الاقتصادي التي يفرضها البنك والصندوق الدوليين، كذلك من المنتظر أن تجد هذه الدعوات صدى في منطقة تعاني أساساً من أزمة ندرة في المياه.
وقد تم التأكيد على ذات الفكرة في تقرير صدر مؤخرًا عن البنك الدولي موضوعه المياه في الشرق الأوسط، إذ يقول التقرير إنه يتمثل أساس الإدارة المتكاملة للموارد المائية في تبني إطار شامل للسياسات ومعاملة المياه على أنها سلعة اقتصادية، وذلك بالاقتران مع إزالة مركزية هياكل الإدارة وتقديم الخدمات. وخلق وحدات إدارية مستقلة ولا مركزية.
والواقع أنه رغم وجاهة الحجج التي يقدمها مؤيدو الفكرة إلا أن الأمر يعد جد خطير حين النظر إليه على خلفية طبيعة المجتمعات العربية التي جبلت على مركزية الدولة، كما أن مسألة الخصخصة في هذا القطاع تطرح علامات استفهام عديدة حول ترشيد استخدام هذا المورد الاستراتيجي واحتمال تعرضه لتدخلات خارجية تحت أغطية مختلفة.
تسعير المياه
وهي فكرة طرحها المؤتمر بقوة، وكذلك البنك الدولي في تقريره المشار إليه أنفاً، ومجموعة الخبراء الدوليين ذاتهم، والذين يرون أن السياسات السعرية الحالية غير مواتية، إذ إنها تتسم بالانخفاض الكبير لسعر المياه، خاصة بالنسبة للقطاع الزراعي ذو القيمة المنخفضة نسبيًا، مما يفتح الباب لاستهلاك كميات كبيرة من المياه والإسراف في استخدامها، ويقترح في هذا الصدد تعديل أسعار المياه بما يراعي استرداد التكلفة الخاصة بالمعالجة والصيانة، بالإضافة إلى جزء من تكلفة الاستثمار، ويقدر هؤلاء أنه بالنسبة لمصر مثلا فإن تسعير المتر المكعب من المياه بثلاث سنتات أمريكية سيمكن الحكومة من تمويل خططها المائية والتقليل من فاقد استهلاك المياه بشكل ملحوظ لكن التقاليد والعادات هيأت للمزارع المصري أن ينظر للمياه على أنها حقه الشرعي الطبيعي، ومن ثم يدعو هؤلاء إلى تغيير هذا الموروث الثقافي لتحقيق النتائج المرجوة.
وقضية التسعير لها عدة جوانب مهمة
1. ترتبط فكرة تسعير المياه بشكل عام بمشاريع طرحت ولازالت تطرح في المنطقة مثل مشروع أنابيب السلام، وفكرة إنشاء بنوك لبيع المياه «والتي رفضها مؤخراً وزراء الزراعة والمياه العرب في اجتماعهم بالقاهرة في أبريل الماضي» ويكاد يكون المؤتمر أحد ملامح حملة تقودها عدة دول ومنظمات دولية بالفعل على رأسها تركيا، وإسرائيل، والبنك الدولي، ومنظمة الفاو، لترويج هذه الفكرة في المنطقة.
وسبق لتركيا أن تعرضت بشكل غير مباشر لهذا الموضوع، إذ تحدث المسؤولون الأتراك عن مقايضة البترول العربي بالمياه التركية «تشير الدراسات العالمية إلى أن إجمالي الموارد المائية المتاحة لتركيا تقدر بنحو ١٩٥ مليار متر كعب سنوياً، تحتاج منه ١٥,٦ مليار فقط سوف ترتفع إلى ١٩.٥ مليار متر مكعب سنة ٢٠٠٠م، ويصب في البحر المتوسط حوالي ١٦,١ مليون متر مكعب يوميًا من نهري سيحان وجيحان، ومن ثم فتركيا تسعى دائمًا لاستغلال هذا الفائض الكبير كورقة رابحة سياسياً واقتصاديًا أيضًا»، كما تحدثت تركيا أيضًا عن فكرة حقائب المياه «وهي عبارة عن ناقلات ضخمة تشبه إلى حد كبير ناقلات البترول إلا أنها تختلف عنها في أنها تصنع من البولي إثيلين السميك وتطفو على سطح المياه المالحة لاختلاف كثافتها عن كثافة المياه العذبة».
كما تتمسك إسرائيل بالمياه العربية التي سرقتها خلال الاحتلال وتصر على بيعها إن أراد العرب، فهي تصر على أن لها حقا مكتسباً في المياه التي تسرقها وتسحبها من نهري اليرموك والأردن إلى جانب المياه الجوفية التي تزيد على ۸۰۰ مليون متر مكعب سنويًا.
ويشير البعض إلى أن المبلغ الذي سوف تتحمله موازين مدفوعات بعض الدول العربية في حالة الإقدام على تطبيق اقتراح تسعير المياه وبالتالي بيع المياه الدولية يقدر بنحو ٧٣ مليار دولار، تتحمل منها مصر«۲۷ مليار دولار سنويًا» ثم العراق «۲۱ مليار دولار» والسودان «11.8 مليار دولار»، وسورية «11.05 مليارًا» وأخيرًا موريتانيا ٥٠٠ مليون دولار.
2. من ناحية أخرى فإن طرح التسعير على المستوى الداخلي يثير عدة قضايا على رأسها المسألة الثقافية، فلاشك أن أفكار التسعير أو التسليح بشكل عام تحتل مكانة جوهرية في الفكر الرأسمالي المتمحور حول المنفعة الفردية، ويأتي طرح هذه المفاهيم في مجال المياه في المنطقة كجزء من النهج العام الذي الت دولها على نفسها اتباعه النهج الرأسمالي، والمطلع على الحجج التي يقدمها الخبراء في هذا الشأن، وخاصة في تقرير البنك الدولي الأخير سيجد أن انسحاب هذه المفاهيم على قطاع المياه بات أمراً ضرورياً داخل هذا المنظور. ولكن هل من الممكن التساؤل حول كيفية إنفاذ هذه المفاهيم الغربية في الموروث الثقافي العربي، لاسيما في المجتمعات الزراعية الصرفة مثل المجتمع المصري أو السوري أو السوداني، إن تأد خبراء المياه الدائم على ضرورة تغيير الموروث الثقافي للوصول إلى نظرة «اقتصادية» للمياه، يفتح ملفاً للنقاش حول قضية يمكن تسميتها المياه والثقافة وهو ملف يظل مفتوحًا، وفي حاجة إلى دراسات عربية جادة.
وبشكل عام فإنه تعليق على هذه الدعوات وغيرها، يمكن القول:
إن مشكلة المياه في المنطقة تتميز باختلاطها الكبير والمعقد بالمشكلات السياسية والأمنية الكبرى، ومن ثم لا يمكن النظر إلى دعوات على هذه الشاكلة من منظور اقتصادي محض، بل يجب تداولها في إطار أوسع يشمل الاعتبارات الاستراتيجية والسياسية والثقافية في منطقة ساخنة كمنطقة الشرق الأوسط، فنحن لا نستطيع أن ننظر إلى ما أعلنته إسرائيل مؤخراً من اعتزامها بناء سد على نهر اليرموك، بمعزل عن الاعتبارات السياسية التي على رأسها رغبة إسرائيل في دق أسفين بين الأردن وسورية، خاصة وأن السد كان أصلا مشروعًا مشتركًا بين البلدين العربيين.
بل إن آخر التقارير تشير إلى ارتباط قضية المياه بالمسألة النووية، وبيان ذلك أن إسرائيل تستخدم المياه العربية التي تضع يدها عليها أو تسرقها في مفاعلاتها النووية في عمليات التبريد. وحينما قل منسوب المياه الجوفية بصحراء سيناء حدث تسرب إشعاعات نووية من ديمونة بسبب قلة المياه في حوض التبريد في وادي عربة الذي تزيد مياهه سرقة من مصر كما تمت الإشارة آنفًا.
ويشير البعض إلى أن المشروع الأردني الإسرائيلي لتحويل مجرى مياه نهر الأردن، قد توقف لأنه كان سيتيح للجانب الأردني الكشف عن مقدار تشغيل المفاعلات النووية الإسرائيلية من خلال كمية المياه التي يتيحها الاتفاق لإسرائيل وقد عملت إسرائيل على أن يكون استهلاكها اليومي للمياه سرياً؛ حيث إنه لو طرحنا مقدار احتياج المستوطنات والمصانع والمزارعين من المياه الأمكن معرفة قوة عمل وتشغيل المفاعلات النووية الإسرائيلية من خلال الكمية المتبقية والتي تستخدم في عملية تبريد المفاعلات.
من ناحية أخرى يجب الأخذ في الاعتبار اختلاف حجم وطبيعة مشكلة المياه بين الدول العربية، فالمشكلة ليست واحدة، ومن ثم لا يمكن أن تكون الحلول واحدة، والواقع أن صندوق النقد والبنك الدوليان يتبعان في هذا الصدد نهجهما المعتاد في تقديم روشته موحدة لجميع أمراض العالم الثالث الاقتصادية.
والواقع يشير إلى اختلاف البلدان العربية من حيث طبيعة النشاط الاقتصادي، وموارد المياه، ومن ثم من حيث طبيعة المشكلة، وعلى سبيل المثال فإننا لا يمكن أن نضع مصر مع اليمن مع السعودية مع فلسطين في سلة واحدة حينما نطرح حلا لمشكلة المياه، فلكل مجتمع مع هذه المجتمعات ظروفه الخاصة، من حيث طبيعة النشاط الاقتصادي، والإمكانات المتاحة، ومن حيث طبيعة النظام السياسي القائم. وحتى إن اكتسبت فكرة التسعير وجاهة في بعض المجتمعات لأنها ستجبر الأفراد على ترشيد استهلاك المياه، فلن تكون مناسبة للجميع، وعندما رفضت مصر فكرة تسعير المياه للمستهلك في الداخل، كان أحد أسبابها الرئيسية أن أسلوب الري في غالبية الأراضي الزراعية «نحو ۸۰%» هو الري بالرفع وليس بالراحة، وبالتالي يتكبد المزارع تكاليف الرفع التي تضاف إلى قيمة المياه، ومن ثم فهو هنا يدفع بشكل غير مباشر مقابل المياه، كما أن قياس كمية مياه الري عمليًا غير ممكن؛ حيث يستدعي تركيب ملايين العدادات عند رأس كل مزرعة ثم توظيف جيش من قارني العدادات لتسجيل الاستهلاك دوريًا، مما يتسبب في تكاليف إضافية كبيرة.
إن أطروحات من هذا القبيل تقدم وكأن المنطقة في وضع يسمح بمشروعات كبيرة للتعاون الاقتصادي وإقامة المشاريع المشتركة، ومن ثم فهي تتجاهل حقيقة مهمة، تتمثل في كم الخلافات المائية المستندة إلى أصل سياسي في المنطقة، فإن افترضنا أن فلسطين أو سورية أو العراق تعانيان ندرة مياه، فهذا ليس مرده فقط سياسة مائية غير رشيدة، الواقع يقول إن الاعتداءات الخارجية على الحقوق المائية لهذه الدول العربية، من دول تحسب ضمن إطار منطقة الشرق الأوسط، تحديداً تركيا وإسرائيل، تعد بلا شك سببًا رئيسيًا لمشكلة الندرة تلك.
يجب التنبه أيضاً إلى طريقة طرح أزمة المياه على أنها مصدر للحروب والنزاعات القادمة في المنطقة، فملف المياه في ذاته لا يعدو أن يكون ملفاً تابعاً لقضايا أخرى أصيلة، بحلها لن تأخذ مشكلة المياه هذه الأبعاد التي تأخذها الآن، وهذا ليس نفياً أو إنكاراً للمشكلة، ولكن مجرد تنبيه إلى كيفية صوغ المشكلة ضمن أجندة الأولويات العربية بحيث لا يكون تفجير مشكلة ما. حتى مع كونها حقيقية وهامة - تعتيم على قضية أخرى قد تسبقها من حيث الأهمية، وأخيراً، ففيما يتعلق بمفهوم الندرة، ينبغي الإشارة إلى ما يلي:
- تبلغ الموارد المحلية التي توجد حاليًا في المنطقة العربية من أمطار ومياه جوفية وانهار محلية، حوالي ۱۳۲ كم مكعب، وتصل كمية المياه التي تأتي من تركيا أو المنابع الإفريقية أو هضبة الجولان إلى نحو ١٦٢ كم مكعب، وبذلك يكون الإجمالي حوالي ٢٩٤ مليار متر مكعب وتبلغ الاحتياجات العربية الفعلية ٢١٥ مليار كم مكعب أي أنه من الناحية النظرية لدى الدول العربية فائض قدره ۷۹ مليار كم مكعب من المياه.
إذن فعلى المستوى النظري لا توجد مشكلة ندرة، ولكن العجز قائم بالفعل، وهذا ما لا يمكن إنكاره ومرد ذلك في فاقد المياه الكبير، وكذلك في سوء السياسات المائية المتبعة، ومن هنا فحل المشكلة ليس بالمستحيل إذا تم تنفيذ مشاريع معدة بدقة لإنقاذ الفاقد من المياه مثل: مشروع قناة جونجلي أو بحر الغزال، ومن ناحية أخرى فإنه من منظور اقتصادي بحت يمكن اتباع التقنيات الحديثة في تحلية مياه البحار والمحيطات التي تقع عليها معظم الدول العربية، ولأستراليا تجربة في هذا المجال حيث إنها وصلت إلى أدنى سعر للمياه« المتر المكعب يكلف ٤٠ سنتًا» وإذا طبقنا ذلك على مستوى الوطن العربي، نجد أن احتياجات كل من الأردن وإسرائيل وفلسطين على سبيل المثال حتى عام ٢٠٠٧ تعادل ٢ مليار متر مكعب زيادة على المتوفر حالياً، ويبلغ سعر هذه الكمية من المياه لو تم تحليتها من مياه البحر بالتكنولوجيا التي استخدمتها استراليا نحو ۸۰۰ مليون أي أقل من ثمن 3 طائرات تشتريها المنطقة.
وعلى حدِّ تعبير أحد الباحثين العرب البارزين هل سيفشل الإنسان الذي اخترق الفضاء، ووصل إلى أعماق البحار وباطن الأرض، في تحلية مياه البحار والمحيطات إذا وصل الأمر بالفعل لأزمة خانقة في المياه العذبة؟
إن هذا يدعونا بالفعل للقول: إن للقضية أبعاداً أخرى تسهم في تضخيمها بهذه الطريقة غير ما يتعلق بالمتوفر والمطلوب.
مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية