; مقومات الحضارة الإسلامية - المقالة الثانية - الجزء الأول | مجلة المجتمع

العنوان مقومات الحضارة الإسلامية - المقالة الثانية - الجزء الأول

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1979

مشاهدات 56

نشر في العدد 431

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 06-فبراير-1979

بعدما تبين- في المقالة السابقة حول النظرة الجديدة الأصيلة للحضارة الإسلامية، دراسة وفهمًا- أنه لا بد من منهجية مستقلة تتناول الدراسات الإسلامية عمومًا والحضارة الإسلامية خصوصًا، يتقرر أهمية هذا التناول المنهجي واتسامه بسعة النظرة ودقتها وعمق إدراكها بحيث يتولى وضع الحضارة الإسلامية في إطارها الحقيقي وجوها الذي نبتت فيه. 

يقوم على دراسة طبيعتها وتفهمها بشمولها وآفاقها، متابعة أسلوبها مدركة نموها وحقيقة روحها وأبعادها وحساسيتها وارتباطها، عارفين مقاصدها آملين بحيويتها وحركتها المتجددة وكذلك عاملين على تجديد عطائها بشروطها وظروفها ومسبباتها، وهو زيادة في هذا الاتجاه حين يقبل عليه يبرز ثمرة طبيعية.

إن الحضارة الإسلامية حضارة تقوى وإيمان ورقابة لله- تعالى- تمتد في كل الظروف والأحوال, وحين ذلك نكون قد وضعنا أنفسنا، دارسين مؤهلين وقارئين وناظرين ومجددين ، محاولين، بل عاملين على تناولها من أسسها، متدرجين لباقيها أن نتبين نتيجة اطلاعنا وملاحظتنا وأساسنا, وحين ذاك ستبدو أمامنا شجرة مكتملة باسقة يانعة لا تأخذ بالاتجاه القاصر على تناول جوانب من العلوم وأنواع من الإعلام في بعض من ميادين الحضارة الإسلامية معتبرة إياها كل الحضارة الإسلامية، بل تقوم على تركينها جزءًا ضمن هذه النظرة, في حين أن هذا الجزء أو غيره ليس هو كل الحضارة الإسلامية, ولا أهم ما فيها ولا يقدم صورة مكتملة أو واضحة ولا معبرة, بل إنه في بعض العلوم أمكن تجريدها من صيغها الإسلامية وصبغتها الربانية.

وللحضارة الإسلامية مقومات تخصها وتتميز بها وتمتاز عن غيرها، تجعلها متفردة سامية طاهرة ظاهرة الصفات بصبغتها الربانية وعلى میزان فرید مستقل لا يختل ولا يجامل ولا يعرف إلا الحق طريقًا وهدفًا يسعى؛ لتحقيقه حين النظر إلى أي اعتبار، وذلك من معاني نصرة الإسلام والعمل على انتصار شريعته وتعميم منهجه. وهذه أمور أساسية لم تلتزم بها حضارة في الماضي أو الحاضر، بل تجردت منها جميعًا وتخلت عنها مفارقة مثل هذه المعاني فغدت خاوية, وأن الحضارة الحديثة على ذلك صورة مكبرة لهذا الاتجاه البعيد عما يتصل بتلك المعاني التي ابتنت عليها الحضارة الإسلامية وتفردت بها؛ فكانت مشرقة، وعرفتها الإنسانية عن هذا الطريق وحده. ولقد ارتفع الإسلام بالإنسان إلى درجة عالية استصغرت الضرورات وتعالت على المصالح والنفعية وارتقت فوق كل الضغوط وهزأت بكل المبررات والتصورات الهابطة التي تعيشها حضارة الإنسان اليوم، مثل سلفها بالأمس؛ فجرت إليها الإنسان وأخضعته وأدارته في أسرها وشغلته بها، ولكنه بدأ يلاحظ ما أصابه من خواء وفقر وضمور في إنسانيته، التي أرادها الله- تعالى- له تكريمًا وميزه عن سائر خلقه وأنزل له شرعه، رغم البهرج الخلاب والبريق الأخاذ والضياء المصطنع الوهاج؛ فتنادى من هذه الحضارة الحديثة الصماء بعض أهلها ينذرون قومهم بظلمة ما هم فيه وخطورة المستقبل والدمار المنتظر، وتعددت النداءات وتلونت التعبيرات وتباينت الوسائل, كان بعضه نداء وتحذيرًا وآخر كان انحرافًا وتعبيرًا في سلوك عملي غريب وتصرفات شاذة. 

وفي الوقت الذي تحمل أوضاعها على الاستنكار فهي تدعو إلى الرثاء والإشفاق وإلى المسارعة بالعمل على الخلاص، ولكن لا خلاص إلا أن تتولى قيادة الإنسان تلك الأيدي المتوضئة والنفوس المتطهرة والعصبة المؤمنة تأخذ باليد إلى طريق الله وهو الطريق الوحيد منذ كان وحتى يرث الله الأرض وما عليها, وعندها ستجد الإنسانية هدايتها بعد تيه وارتواءها بعد ظمأ واستقرارها بعد شرود؛ لتحيا في حماها آمنة مطمئنة وتهنأ في ظله الكريم. 

إنه سفينة نوح في هذا الطوفان الغامر ولا عاصم من أمر الله إلا بالإيواء إلى هذه السفينة الربانية تمخر عباب الماء بأشرعتها البيضاء المفتوحة وأقلعتها القوية المرفوعة تجدف بالخير تعلو أمواجه مقوده بشرع الله خاضعة لأمره سائرة بشرعه تبتغي مرضاته متجهة إلى هدفها الذي هدى إليه رب العزة لا تحيد ولا تميد؛ لتسير إلى الله في طريق سديد هادئة مطمئنة لا تخشى رياحًا ولا تخيفها الأمواج تسير بقوة ومدد من الله لا ينفذ.

وللحضارة الإسلامية مقومات أقامتها وابتنت عليها وارتفعت بها شواهق عاليات وأعلامًا ساميات ورايات خفاقات. وبإمكان الدارس أن يستبين العديد منها لكن الحديث هنا سيدور حول مقومين منهما.

ومهما تعددت المقومات فإن المقوم الأول هو الأساس لغيرها والقاعدة لما عداها والأصل الذي انبعثت منه بقيته, وهذان المقومان هما الإيمان بالله- تعالى- وتوحيده, ثم الأخلاق.

۱- الإيمان بالله- تعالى- وتوحيده: 

الحضارة الإسلامية حضارة إيمان بالله- تعالى- الواحد الأحد ربًا كريمًا وخالقًا رحيمًا ومشرعًا حكيمًا وهو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. والإنسان يرتبط بهذا الإيمان ومتطلباته ومترتباته ألا وهي الإيمان بالرسل- عليهم الصلاة والسلام- وبرسالة محمد- صلى الله عليه وسلم- شريعة ومنهجًا وطريقًا لا يقبل الله غيره, والإيمان بالكتب والملائكة واليوم الآخر والحساب والجنة والنار وكل ذلك حق وصدق يغمر الإيمان به المسلم وينطلق في ضوئه بكل أعماله في هذا الأساس. وأهل الأرض جميعًا مطالبون بذلك وواجب التبليغ مكلف به المسلم.

والمسلم لذلك؛ يندفع في هذا الإيمان بالحياة في كل تصرفاته ملتزمًا بشرع الله ويعمل به في كونه العريض «اتق الله حيثما كنت» وبهذا يختلف المسلم والمجتمع المسلم والحضارة الإسلامية عن غيرهما، وإذا ما ذكر الإيمان فذلك هو المقصود, وهذا الإيمان يملأ النفس الإنسانية ويفيض عليها وينطلق بالإنسان في الحياة مؤمنًا، يفصح بذلك مسلكه قبل منطقه ويوضحه حاله قبل لسانه. 

وهو أمر ظاهر في كل تصرفاته متميز بهذا الإيمان والالتزام بشرع الله- تعالى- كما يبينه القرآن الكريم كلام الله العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الصف: 2-3) وبينته وشرحته سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فـ «الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل» وهو ظاهر على الإنسان في كل حاله وماله؛ لأن «الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان» كما في حديث الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- أو بمعناه.

وأثر هذا الإيمان واضح عمليًا في حياة المسلمين، على كل إطار ومستوى، وامتلاك الإيمان نفسًا لإنسان ما قائدة إياه لا محالة إلى تحرره الكامل من ألوان العبودية لنفسه أو لغيره؛ لأنه عبد نفسه لله رب العالمين، فغدا حرًا حقيقيًا يعلو على كل ضرورة ويسمو فوق كل اعتبار آخر، لا تشكله المخاوف ولا تحوله المطامع ولا تلونه المصالح ولا تؤخره الشهوات، وسار في سلم السمو والارتفاع؛ فإن العبودية لله- تعالى- هي الحرية الحقة التي تمحو كل عبودية لغير الله- تعالى- ومن يأبى الانضواء إلى سلطانها ويشرد في تيه الضلالة بالخروج منها ويهرب من أمنها استعبد نفسه لكل شيء هينًا رخيصًا هزيلًا ولكل ما عاش خارج دائرة الإيمان، كذلك يهون ويصير ضامرًا وإن كبر قصيرًا وإن علا متهافتًا وإن امتلك. 

والحضارة الإسلامية في تاريخها الطويل غنية بكل تلك المعاني الرفيعة أبية، استضاءت بالعزة وتجملت بالحق وازدهرت بالخير الوفير«ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، وإن هذا الغنى في الحضارة الإسلامية لم يكن على شكل أمثلة متناثرة، بل هي عمل اليوم والليلة في حياة المسلمين في كل الأمور والشؤون كبيرها وصغيرها وليس يرى ذلك فيها شيئًا خارجيًا، أو ظروفًا معينة أو طارئة أو حاجة أو منفعة، بل هو أمر طبيعي وخلق أصيل ذاتي مرتبط بالله- تعالى- وقائمًا على شرعه حتى غدت عند المسلمين طبيعة لا انفصام فيها.

وهذه النوعية ظاهرة على كل إطاره وبشكل جماعي فذاك أمر طبيعي نلحظه بوضوح في كل الأحداث والفتوحات والتحركات الاجتماعية التي قدم فيها المسلمون أنفسهم في سبيل الله رخيصة: والجود بالنفس أقصى غاية الجود, بل لو كانت لكل مسلم نفوس كثيرة لكان سروره بالتضحية بها واستشهادها جميعًا أكثر فرحًا وأشد حرصًا وأعلى فخرًا, ولقد ورد في معنى حديث لرسول الله- عليه وسلم- أنه حين سئل عن الشهيد ماذا يتمنى فكانت أمنيته أن يعود إلى الدنيا؛ ليستشهد علمًا أن الشهيد الحق ذلك الذي يضحي بنفسه في سبيل الله إذ قد عمل جنديًا في دعوته وباع نفسه لله- تعالى-؛ فاستشهد في سبيله- تعالى-. 

ويشار إلى أمثلة معروفة متكاثرة تزدحم بها كتب المسلمين وتفيض صفحات مؤلفاتهم وتطفح بها تضاعيف مصنفاتهم يوم كان هناك مجتمع مسلم في كل نواحي حياته وأحواله وجنبات مجتمعه. ولذلك؛ فمنه تضرب الأمثلة بصورة رئيسية حيث لا يتوفر اليوم مثل هذا المجتمع وإن بقيت منه تراثًا وأنقاضًا وبعض الوارثين تفاوتوا في الأخذ بذلك والحرص عليه والدعوة إليه والعمل به وهؤلاء الذين اعتصموا بالإسلام في الوقت الحاضر نجد فيهم الأمثلة التي رأيناها خلال الحضارة الإسلامية في مختلف العصور منذ الدعوة الإسلامية الأولى أيام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام- رضوان الله عليهم- والصحابة وهذه الأمثلة تبدي هذا اللون الأصيل في بناء المجتمع المسلم يظهر في شكل جماعي لا يشذ فيه أحد عن هذا الاتجاه ولا يهبط عن هذا المستوى في أحرج المواقف وأشدها وأقساها, وهي ظاهرة فريدة في الحضارة الإسلامية في نوعها وكمها وعمقها وأصالتها وشمولها وأحكامها بمتانة وعمق وأصالة تنفرد بها الحضارة الإسلامية؛ فبجانب توفر هذه المثل بروعتها وامتيازها وقوتها إلا أن هذه المثل لم تكن متناثرة في المجتمع، بل متكاثرة وغامرة شاملة وفي أحداث كان الجيل الإسلامي كله يرتفع إلى تلك الآفاق ويتجه لذلك الهدف ويرتبط بذلك القصد رغم وجود التفاوت لا في النوع، ولكن في الدرجة، وان كانت درجة أقلهم تعتبر عالية سامية صافية. وهذا ما يمكن أن نسميه بالأمثلة الجماعية من ذلك: الهجرة والمؤاخاة التي جمعت بين المهاجرين والأنصار في مجتمع مثالي عاش في هذه الأرض ولم يكن برقًا خاطفًا ولا حلمًا ذاهبًا ولا نظرة أو حركة عابرة, كما يشار إلى بيعة الرضوان والفتوحات الإسلامية والأحداث والمواقف الأخرى الجماعية بما فيها من بطولات واستعلاء وإقبال وتضحية وحب في الاستشهاد في سبيل الله- تعالى- والإيثار واعتبار نصرة الإسلام هو كل الهدف. ونرى ذلك أيضًا في كل الأحداث الأخرى في الحرب والسلم التي تقتضي البذل بأنواعه والجهد بكمياته وكان المسلمون جميعًا رجالًا ونساء شيبًا وشبانًا واطفالًا يتدافعون؛ لتقديم ما عندهم في كل ظرف وحال وأمر كان فيها، وأقل منها يتأثر به الإنسان في غير هذا الدين وتبرد طاقته أو تذوب ويلتصق بالأرض ويجمد في موضعه لا يتحرك لكن التقدم لذلك لا يعرف الإحجام عند المسلم سمة مألوفة مشهودة واضحة؛ لأنه في سبيل الله وتربي المسلم فردًا ومجتمعًا في طاعة الله وتغذي على مائدته الكريمة النقية السليمة وليس لها من بديل وذلك طبيعي وواضح بداهة بكل قوة وإشراق وبكل عمق وأصالة وبكل سمو وارتقاء. وهو في كل ذلك لا يرفع ولا يرمم أو يصبغ ولا يؤخذ من الظاهر أو بدوافع طارئة، بل بأصالة وشمول في أي ناحية من نواحي الحياة، بصدقها ودوافعها ومتطلباتها الرفيعة القويمة الخيرة. 

والمسلم يفعل ذلك عبادة لله إذ هو في عبادة الله باستمرار مثلما يعبد الله بالصلاة فهو يعبده في ميدان الحياة, والله- تعالى- لا يقبل غير الإسلام من أحد فهو مسلم في السر, والعلن, والمظهر, والمخبر, والعسر، واليسر، والمنشط، والمكره, وبهذا أقام المسلم مجتمعه فلا يكون مسلمًا في الصلاة وغير مسلم في شؤون الحياة ودروبها المتعددة فإن الله- تعالى- يصف هؤلاء بقوله:﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: 85) وذلك حين تركوا كتاب الله وأمره في أي جانب منه أو قضية فيه أو أمر من أوامره فالمسلم مستسلم لله- تعالى- وخاضع وطائع في كل أحواله فردًا وأسرة وجماعة وهيئة ومجتمعًا ودولة في السلم والحرب وحيثما كان الإنسان في أي مكان وزمان وحال وبشمول وأصالة وإصرار لا تحول فيها ولا مساومة ولا اعتبار لأي شيء غير شرع الله- تعالى-؛ فهو وحده الميزان الدائم القائم، يصدر عنه ويسير في ضوئه ويحقق شرع الله- تعالى- في أمره وما كان غير ذلك فيما بعد فهو مجافاة للإسلام بأي مقدار وهبوط عن سلمه العالي ومستواه الفذ ولا يحسب عليه ولا يدخل في دائرته ولا ينبت في بستانه؛ فالله- تعالى- لا يقبل من الأعمال إلا ما وافق شرعه وتابع أمره وخلص لوجهه الكريم- جلت قدرته- وتعالى ذكره وتمجدت أسماؤه.

۲- الأخلاق: ومع أنه من الواضح أن كل مقومات الحضارة الإسلامية تنبع من المقوم السابق وتقوم عليه وترتبط به لكن يستحسن إفراد الأخلاق هنا بالبيان مقومًا, لما له من أهمية يتميز بارتباط السلوك به. وهو مسألة تتجاوز العادة والألفة أو التصرف الهامشي أو الجزئي؛ لأنه يحسب الحياة ويعرفها بكل جوانبها وننظر فيه أثر العقيدة الإسلامية، مرآة نرى فيها العمل والتطبيق.

وهنا نعني أيضًا الأخلاق بالمعنى الواسع الذي يشمل كل نواحي الحياة الفردي منها والجماعي للحاكم والمحكوم وفي أي موقع من المجتمع، يشمل كل فرد وجماعة ودولة في كل حالة وتصرف ومستوى في التعامل داخل المجتمع المسلم بين المسلمين أو مع غيرهم من المعسكرات الأخرى, ولقد امتدح الله- تعالى- في القرآن الكريم رسوله- صلى الله عليه وسلم-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4) وحين سئلت عائشة- رضي الله عنها- عن خلق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قالت: «كان خلقه القرآن»، وكل هذا ليس بأي دافع من دوافع الدنيا من النفعية والمصلحية والسمعة، بل بدافع الإيمان بالله- تعالى- والالتزام بشرعه والحرص على تنفيذ أمره. 

ففي الحضارة الإسلامية ترتقي الأخلاق مكانة عالية ونعني بها الأخلاق الإسلامية كما بينها الله- تعالى- ووضحها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بقوله وفعله.

وليس هذا خاضعًا لأي تصور بشري، بل لا بد أن تكون كما رسمها الإسلام أولًا وآخرًا وجعل كل شيء في فلكها يدور ولها يخضع ولو فوت مصلحة أو أخر منفعة أو جلب الأذى فليس لهذه الأمور في ميزانها ثقل أو وزن فالهدف الحفاظ على الإسلام- فليس لهذه الأمور في ميزانها ثقل أو وزن؛ فالهدف الحفاظ على الإسلام وشرعه بالتطبيق، ونصر الإسلام وشريعته هو كل قصد المسلم وهذا البيان ضروري في تصور الحضارة الإسلامية والتعرف على المجتمع الذي أقامه وألوان النشاط الذي جرت فيه يعرض للدراسة والاطلاع ولمعرفة ذلك الإنجاز الفريد والبناء الرائع الذي أقامه وتحققت فيه كرامة الإنسان كما أرادها الله؛ فكان ذلك الإنتاج الضخم الرائع الرباني الذي فيه وحده شعر الإنسان بإنسانيته وكرامته. وهذا يجعل الحضارة الإسلامية فخرًا لكل إنسان حتى غير المسلم إذ إن فيها تحققت هذه المعاني التي يفخر بها الإنسان لارتقائه إلى هذا المستوى مما لا يجده في غيره، وهو أمر لا ننتظر غيره في كلا الطرفين, كما أن هذا العرض ضروري للإنسان المعاصر إذ يرى من خلاله بابًا وحيدًا يطرقه يأوي إلى داره ويحيا في إطاره ويبني في ظله الحضارة الإنسانية التي لا طريق غيرها أمامه وكأنه لا اختيار له.

فإن لم يرتض هذا التوجيه وقتًا ما سيعود إليه مضطرًا بعد أن يجرب بنفسه ويذوق وبال أمره يحمل أوزاره ثقيلة كاسرة, وهذا البيان إذًا فيه تمهيد لدخول دار الأمان وسلوك طريق الاطمئنان والعيش في منهج الله- تعالى- الواحد الدياني وهذا الأسلوب في العرض إذًا هو دعوة إلى المسلمين وغيرهم؛ لإقامة المجتمع الإسلامي الذي ينقذهم من الدمار وويلات البوار ومهاوي العار وهو بنفس الوقت دعوة إلى الإنقاذ واستجابة لأمر الله وإقامة لشرعة في هذه الأرض؛ فيتحقق بذلك جدارته في خلافة الله في أرضه، وهكذا تقوم حضارة الإسلام في مستقبلها إن شاء الله- تعالى- كما كانت في ماضيها.

فتكون في هذه الدراسة حية متحركة لا تتناول تلك الحضارة الإسلامية تراثًا غابرًا، بل ضياء مشرقًا يمثل وجه الأمل من العرض السليم ومعرفة إطارها الكريم وحيويتها بالأمثلة الإنسانية السامية الداعية إلى خير حضارة عرفها الإنسان؛ لتبدأ من جديد عطاء وكرامة وسعادة في الدارين.

أما الحضارات الأخرى والحضارة الحالية كذلك بكل اتجاهاتها وفلسفتها فقد تقدمت بالدليل بكل بيان على أنها عاشت تهدف إلى المصلحة الذاتية تستمد منها تصرفاتها وترتبط بها هدفًا وتخضع لمقتضياتها، بل في إطارها وآفات انحرافها تصوغ الأخلاق وتديرها؛ فلها هي أخلاق تناسبها تجربها في هذا الإطار وإن لبست أي أثواب وتزينت بشتى الأزياء. 

ومن هنا فإن الحضارة الحديثة فلسفت أيضًا هذه الخلقية وبررت هذا السلوك لنظريات ابتدعتها وآراء تحدثت بها وهي لا تعني عنها شيئًا؛ فزادت إلى تهافتها تهافتًا وانحطت أكثر إلى دركات عملت على تحسين الخطأ وترويج الانحراف وإنكار الاعتراف بالتدني، بل به افتخرت وعنه دافعت وإليه دعت؛ فكانت ظلمة فوق ظلمة وظلمات بعضها فوق بعض وجاهلية فوق أخرى زادت الركام ركامًا. 

وهكذا إذا بعد الإنسان عن نور الله وتجنب شرعه وأخذ بغير منهجه فلا يرجع إلا بالخسران في الدارين ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (مريم: 98). وبذلك أدانت هذه الحضارة نفسها، فإلى متى تتخلى عن طريق الحق؟ وليس من السهولة أن تجلو بنفسها، بل إن منها من ينازل الحق ويقارعه وينازعه ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (العنكبوت: 2) ولكن الحق لا بد أن يخوض الغمار، وطريقه ليس ورودًا ورياحين؛ فالباطل لا يزهقه إلا الحق والمؤمنون بعون الله- تعالى- وفضله ونصره قادمون؛ ليرفعوا راية الإسلام وهم يتلون قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81) وذلك يوم الفرح والسعادة والنشوة﴿لله الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم: 5)

الرابط المختصر :