العنوان مكاسب الاقتصاد الإسرائيلي من وراء اتفاق «غزة - أريحا»:
الكاتب محمد جميل أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1993
مشاهدات 50
نشر في العدد 1070
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 12-أكتوبر-1993
بدأ الكيان الصهيوني حربًا دبلوماسية لإلغاء
المقاطعة الاقتصادية العربية التي تعد المخرج الرئيسي للمشاكل الاقتصادية التي
تواجه الاقتصاد الصهيوني؛ حيث من المقدر أن يستفيد الكيان اليهودي حوالي (45)
مليار دولار، منها (20) مليار دولار قيمة صادرات متوقعة، و(25) مليار دولار قيمة
استثمارات أجنبية حالت المقاطعة دون استثمارها مع إسرائيل. ويحتاج اقتصاد الكيان
اليهودي إلى دعم بالانفتاح على العالم العربي بعد ما عانى من معوقات ومشاكل
اقتصادية عديدة، ومن قبل كنا لا نهتم بمعالم هذا الاقتصاد، واليوم نتعرض لهذا
الاقتصاد لنتعرف على ملامحه لكي نصل إلى أن الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي جاء
لإنقاذ الاقتصاد الصهيوني من هوة كاد أن يقع فيها لولا الإنقاذ الذي جاء بالاتفاق.
السكان اليهود في فلسطين المحتلة
بلغ عدد السكان اليهود في فلسطين المحتلة نحو
(4,203) مليون نسمة، ينحدر أصل حوالي (77,7%) (3,236 مليون يهودي) من آسيا وأوروبا
وأمريكا، بينما ينتمي إلى أرض فلسطين (22,3%) من عدد السكان. ويبلغ عدد اليهود
الذين ولدوا خارج فلسطين نحو (1,601) مليون نسمة بما يوازي نحو (38,1%) من عدد
السكان اليهود في فلسطين.
وقد تفادى اليهود تحول أرض فلسطين إلى دولة
ثنائية القومية نظرًا للنمو السكاني الكبير للفلسطينيين، وذلك بتعزيز موجات هجرة
يهود الشتات التي تدفقت ومازالت تتدفق على فلسطين من جمهوريات الاتحاد السوفيتي
السابق، والذي يبلغ عدد اليهود فيها بالإضافة إلى أوروبا الشرقية (2,237) مليون
نسمة بما يوازي (16,3%) من إجمالي يهود العالم البالغ عددهم (14,334) مليون يهودي،
يتركز (29,3%) منهم في أرض فلسطين.
وقد احتل تهجير هؤلاء اليهود قمة أولويات
السياسة الإسرائيلية حيث يتمتع هؤلاء اليهود بمهارات فنية نظرًا لارتفاع المستوى التعليمي
مما يدعم الكيان الصهيوني، ويضمن استمرار تفوق اليهود عدديًا على الشعب الفلسطيني
في الأراضي الفلسطينية؛ حيث يشير تقرير صادر عن الوكالة اليهودية إلى أن نصف يهود
العالم سيقيمون في إسرائيل خلال الأربعين سنة القادمة، ويقتضي استيعاب الأعداد
الكبيرة من المهاجرين أموالاً طائلة رصد لها الكيان الصهيوني ميزانية خاصة بلغت
(10,8) مليار شيكل (5,3 مليار دولار) ارتفعت إلى نحو (17,2) مليار شيكل عام 1991م.
إفرازات الهجرة
وقد أفرزت موجات الهجرة المتدفقة على الكيان
الصهيوني -والتي بلغت (170) ألف مهاجر عام 1991م، وحوالي (270) ألف مهاجر عام
1990م- صعوبات اقتصادية كبيرة تمثلت في انخفاض مستوى المعيشة وتزايد الحاجة لرؤوس
الأموال، كما تزايدت معدلات البطالة، وتزايد العجز التجاري ومعدل التضخم، وقد أدت
الضغوط المتعددة إلى تخفيض سعر صرف الشيكل.
وتشير الإحصاءات إلى انخفاض نصيب الفرد من
الدخل عام 1990م والبالغ (10,835) دولار للفرد سنويًا بنسبة (10%) عام 1991م، وهو
أول تراجع للدخل منذ عام 1982م التي اتسمت بموجة ركود عالمية تأثرت إسرائيل بها.
كما بلغ معدل التضخم في الكيان الصهيوني (17,6%) عام 1990م مقارنة بـ(20,7%) عام
1989م، وارتفع إلى (21%) عام 1991م.
وتفاقمت مشكلة البطالة في الكيان الصهيوني منذ
عام 1989م بوصول (370) ألف مهاجر إلى الكيان الصهيوني في عامي 90، 1991م؛ حيث سجلت
معدلات البطالة في أعوام 1988م، 1989م، 1990م (6,4%، 8,9%، 9,6%) على الترتيب، وفي
عام 1991م تسارعت معدلات البطالة لتصل إلى نحو (11,1%) من قوة العمل الإسرائيلية،
ومن المتوقع أن تصل إلى (12,3%) عام 1993م. كما توقعت جريدة همشمار الإسرائيلية في
25 أكتوبر 1991م أن تواصل الأجور الحقيقية للعمالة في الكيان الصهيوني تدهورها
بنسبة (2%) عام 1991م، وهناك توقعات حول ارتفاع معدل البطالة في إسرائيل إلى ما
بين (14-15%) أو أكثر.
إجراءات لتشجيع الاستثمار
وفي إطار تشجيع الاستثمارات الجديدة في الكيان
الصهيوني -التي أصيبت بالشلل التام خلال حرب الخليج- عملت السلطات اليهودية على
تخفيض سعر الإقراض وإنعاش الاستثمارات، وتحقيق استقرار نسبي في أسعار الصرف، وشكلت
لجنة مشتركة مع الولايات المتحدة الأمريكية لنشر المعلومات بين رجال الأعمال
الراغبين في الاستثمار بفلسطين.
ومن ناحية أخرى تفاوضت إسرائيل مع الولايات
المتحدة لتعديل اتفاقية التجارة الحرة بينهما لتشمل خدمات البنوك والتأمين
والسياحة، كما تفاوضت على إلغاء الجمارك بين الدولتين؛ وذلك بهدف تقليص عجز ميزان
المدفوعات اليهودي والبالغ (3528) مليون دولار عام 1990م، والذي زاد في النصف
الأول من عام 1991م بنحو (2,5) مليار دولار بنسبة زيادة قدرها (64%) عن العجز
التجاري المتحقق في نفس الفترة من عام 1990م.
وتخطط إسرائيل لزيادة صادراتها إلى الأسواق
الكبيرة في الشرق الأقصى واليابان وهونج كونج وسنغافورة وكوريا الجنوبية، وتسعى حثيثًا
نحو اختراق السوق الصينية الضخمة، بالإضافة إلى تنمية علاقتها التجارية مع شريكتها
الأولى وهي الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث يمثل السوق الأمريكي أهم سوق مستقبلية
للصادرات الصهيونية والذي يستوعب (28,8%) من إجمالي صادرات الكيان الصهيوني.
المساعدات الخارجية للكيان الصهيوني
بلغت المساعدات الصافية التي حصلت عليها
إسرائيل عام 1991م أكثر من (6) مليارات دولار، وكان صافي التحويلات التي تلقتها
إسرائيل قد بلغ في أعوام 1988، 1989، 1990 بالترتيب (4514، 4863، 5790) مليون
دولار. وتأتي الولايات المتحدة الأمريكية على رأس قائمة الدول التي تحول مساعدات
لإسرائيل؛ حيث حصلت إسرائيل على حوالي (3) مليارات دولار كمنح لا ترد خلال عام
1991م، فضلاً عن (400) مليون دولار تلقتها إسرائيل من الحكومة الأمريكية كمساهمة
في تمويل استيعاب المهاجرين.
وقد تلقت إسرائيل قروضًا بريطانية قيمتها
(100) مليون دولار بضمان من الحكومة البريطانية، كذلك تلقت إسرائيل ما يزيد على
(630) مليون دولار كتعويضات ألمانية للأشخاص، وبلغ مجموع هذه المساعدات (4120)
مليون دولار، ويجب أن يضاف إلى هذه المساعدات ما يصل إلى إسرائيل من التبرعات
اليهودية، والتي من المتوقع أن تكون قد تلقت ما يزيد على مليار دولار في عام
1991م؛ حيث قامت الوكالة اليهودية بحملة لجمع التبرعات لإسرائيل للمساهمة في
استيعاب المهاجرين واضعة رقم (1228) مليون دولار كهدف. وكانت التبرعات اليهودية
لإسرائيل قد بلغت (735) مليون دولار عام 1989م، كما ينبغي إضافة حصيلة بيع سندات الاستقلال
التي من المرجح أن تكون قد زادت عن 800 مليون دولار عام 1989م.
وتجدر الإشارة إلى أن مشكلة الديون الخارجية
الإسرائيلية قد تراجعت أو تلاشت تقريبًا منذ أن بدأت الولايات المتحدة في تقديم
المساعدات لإسرائيل كمنح لا ترد منذ عام 1985م، بحيث إن المطلوبات الخارجية من
إسرائيل بلغت (32,5) مليار دولار عام 1990م تتكون بالأساس من الأصول المتوطنة في
إسرائيل، والتي بلغت قيمتها في نفس العام (16,9) مليار دولار بما يوازي (52%) من
إجمالي المطلوبات الخارجية في إسرائيل، في حين تبلغ قيمة سندات الاستقلال التي
يحملها الأجانب (10,2) مليار دولار عام 1990م بما يوازي (31,4%) من إجمالي
المطلوبات الخارجية من إسرائيل من نفس العام، وبهذا لا يمكن الحديث عن أزمة ديون
إسرائيلية.
دعم الاقتصاد الإسرائيلي باتفاق «غزة- أريحا»
وبعد أن استعرضنا حالة الاقتصاد اليهودي
المتردية المتمثلة بارتفاع معدلات البطالة والتضخم، وانخفاض معدلات النمو، ونقص
حجم الاستثمارات المتدفقة على الاقتصاد الإسرائيلي نظرًا لارتفاع حجم المخاطرة في
المنطقة، فقد دخلت إسرائيل المفاوضات وهي تعلم أن أهم الإنجازات التي يجب أن
تجتنيها من عملية السلام هي إخراج الاقتصاد الإسرائيلي من أزمته الحالية. ومما
يؤكد السياسة اليهودية ما عبر عنه «إبراهام شوحاط» عند تقديم الميزانية في مطلع
هذا العام بقوله: "إن الشرط الوحيد لتحقيق انتعاش اقتصادي في إسرائيل هو
استمرار المحادثات السلمية، وأن أي تقدم سياسي سيكون مدرجًا على الصعيد
الاقتصادي".
وقد نجحت إسرائيل في تحقيق هدفها الاقتصادي،
وخرجت بالاتفاق مستفيدة أكبر استفادة في الصفقة التي تمت في غزة أريحا؛ فهي تخطط
لأن تكون غزة أريحا هي هونج كونج الشرق الأوسط بعمالة رخيصة «فلسطينية» واستثمارات
عربية، والنفاذ إلى الأسواق العربية عبر الضفة وغزة والأردن، وفي ذات الوقت تكون
قد تخلصت من العبء الاقتصادي والسياسي للضفة وغزة.
كما جاء الاتفاق غامضًا في مسائل عديدة لم
يوضحها؛ فلا حديث عن عملة فلسطينية أو عن بنك مركزي فلسطيني؛ وذلك لأن العملة تعني
السيادة، ولم يتحدث الاتفاق عن جواز سفر فلسطيني، ولا حديث عن حرية التنقل وكيفية
السفر، كما منع الاتفاق الحكومة الانتقالية من التعامل بالعملات الأجنبية، أو تلقي
القروض، أو ممارسة أية أعمال اقتصادية أو تجارية مع الفلسطينيين خارج مناطق الحكم
الذاتي.
كما تعهدت الحكومة الذاتية الفلسطينية بالعمل
على مساعدة إسرائيل في الحصول على مشاريع تجارية واقتصادية في الدول العربية، كما
تروج الحكومة الذاتية البضائع الإسرائيلية والصناعات اليهودية. وهو هدف طالما طمحت
إسرائيل لتحقيقه، ووصلت إليه بأقل التكاليف بالمقياس الاقتصادي، وهو توقيع اتفاق
غزة أريحا الذي يعني الخسارة للفلسطينيين، والمكسب كل المكسب لليهود والكيان
الصهيوني.