العنوان مكونات الفكر الإداري الإسلامي
الكاتب عبد الحافظ الصاوي
تاريخ النشر الجمعة 09-يوليو-2004
مشاهدات 70
نشر في العدد 1608
نشر في الصفحة 44
الجمعة 09-يوليو-2004
المؤتمر العربي الرابع لـ «التنمية الإدارية» يدعو الى تأصيل الدراسات والبحوث العربية والإسلامية ويضمن التوظيف المعاصر لممارساتها ضمن إطار التراث الإسلامي
غياب الوقف وعدم تفعيل الزكاة ورث الخلل في الخدمات المقدمة بمجالات التعليم والصحة ومساعدة الفقراء وهي بنود تستنزف موارد الإنفاق العام للدولة
القيم والأخلاق مكون رئيس في المشروع الحضاري الإسلامي، فهي العماد الثاني بعد توحيد الله عز وجل، وتأصيل معاني القيم والأخلاق، وهو السند الرئيس للقيام بدور الخلافة الذي شرف الله به الإنسان، وقد حاول البعض التهوين من شأن القيم والأخلاق متصورًا أن التقدم العلمي والأداء الصحيح يمكن أن يتحقق بدونهما، فالإسلام يدعونا إلى التقدم العلمي متحصنين برسالته التي تقوم على القيم والأخلاق والأخوة الإنسانية. ويثبت لنا الزمن صحة ما ذهب إليه المنهج الإسلامي، فقد أشار تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في اكتوبر ٢٠٠٣ إلى أن السبب الرئيس لفشل خطط التنمية في إفريقيا يرجع إلى سوء التربية الأخلاقية والدينية للقائمين على إدارة عملية التنمية بها. فالإسلام قد عالج جميع قضايا الإنسان. ووضع الحلول الحاسمة لجميع مشكلاته وأزماته وكان من أهم ما عني به القضايا السياسية والإدارية العامة لأنها ترتبط بحياة المسلمين، ومصيرهم، فوضع لها القواعد والأسس العامة ولم يتعرض للتفاصيل الشكلية.
وتعد هذه ميزة متفردة للإسلام، فقد ثبت أن ما عدا الأسس والمبادئ من تفصيلات امر خاضع للاجتهاد والرأي والتبديل والتغيير كلما اقتضت الضرورة ذلك. وبهذا تكون الإدارة في الإسلام قابلة لأن تأخذ أشكالًا كثيرة تبعًا لاختلاف الأحوال وتبدل الأطوار الاجتماعية المتعاقبة. وفي محاولة لتأصيل البحوث الإدارية من منظور الفكر الإداري العربي الإسلامي والوقوف على الأسس والأساليب التنظيمية التي تكفل التوظيف المعاصر للتراث الإداري العربي الإسلامي، عقد مؤخرًا بالقاهرة المؤتمر العربي الرابع للمنظمة العربية للتنمية الإدارية.
وقال د. محمد التويجري المدير العام للمنظمة بأن فكرة انعقاد هذا المؤتمر تنطلق من فهم وإدراك أن بناء المجتمع العربي الحديث يتطلب الالتفات إلى جانبين أساسيين هما: القيم والمفاهيم والخبرة المتمثلة في التراث الحي من جهة والأفكار الحديثة من جهة أخرى، فالفكر الإداري العربي الإسلامي يمكن أن يكون مصدرًا أساسيًا لوضع مفاهيم ونظريات في الإدارة تستوعب واقع المجتمع العربي والإسلامي وتستشرف آماله مع ما يحمله هذا من إمكانية أن يسهم ذلك في إغناء الفكر العالمي بمبادئ ونماذج إدارية جديدة.
الإدارة العامة في الفكر الإسلامي
الإدارة العامة هي تلك المعنية بإدارة شؤون الدولة، ويرى د. أحمد سلمان في ورقته التي قدم فيها مقارنة بين الفكر الغربي والفكر الإسلامي في الإدارة العامة، أن الإدارة العامة الإسلامية محورها الأساسي العقيدة والإيمان وبهما يتجاوز الفرد المسلم المنافع الشخصية والدنيوية إلى سعة التكليف الرباني الذي جعل الحياة كلها لله، وأن غاية خلق الإنسان هي العبادة والخلافة في الأرض تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ* مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ (الذاريات:56-57). أما الفكر الغربي فإنه يعالج المشكلة الإدارية في إطار نظريات ذات نظرة تعتمد على المنافع الشخصية أو الجماعية أو المنافع المشتركة في إطار العلاقات بين الدول دون أدنى نظرة للدين أو العقائد ومن خلال المقارنات نجد أن الإدارة العامة الإسلامية تتميز عن نظيرتها المعاصرة بثلاث خصال هي:
1-الإدارة العامة الإسلامية تسعى بصفة أساسية لخدمة الأهداف المشروعة من خلال أنشطتها الخدمية والسلعية المباحة ويحكمها في ذلك الإيمان والعقيدة الربانية.
٢. يؤدي المكلف بالعمل في الإدارة الإسلامية واجبه على أساس أنه قيمة إيمانية يسعى من خلالها للعبادة.
3-التعامل في الإدارة الإسلامية يتم على أساس الأخوة الإسلامية والمساواة واحترام إنسانية العامل ونوع العمل الذي يؤديه.
المنهج الإسلامي لإدارة الإنفاق العام
إدارة الإنفاق العام تمثل واحدة من القضايا التي لها انعكاسات متعددة، فهي صورة حية لدور الدولة الاقتصادي والاجتماعي، ومدى كفاءة تخصيص الموارد المتاحة للمجتمع. كما أن إدارة الإنفاق العام تحدد اتجاه الدولة نحو فرض الضرائب وطريقة إنفاقها ونحن نلاحظ أن الواقع يعكس وجود مشكلة بجميع البلدان العربية والإسلامية في قضية إدارة الإنفاق العام، فالعجز هو السمة الغالبة في موازنات هذه البلدان ومع ذلك تعاني هذه البلدان من مشكلات اقتصادية. ويرجع ذلك بالأساس إلى غياب المنهج الإسلامي واستخدام الأدوات الإسلامية في إدارة الإنفاق العام، فغياب نظام الوقف وعدم تفعيل الزكاة كأداتين ماليتين ورث خللًا في الخدمات المقدمة في مجال التعليم والصحة ومساعدة الفقراء وهي بنود تستنزف موارد الإنفاق العام للدولة بشكل عام.
وقدم د. شوقي دنيا في ورقته السمات اللازمة لنجاح إدارة الإنفاق العام وفق المنهج الإسلامي وهي:
١. قيادة سياسية قوية وأمينة، فمن المعروف أن تخصيص الإنفاق العام وإعادة النظر في هيكله يثير العديد من الفئات ذات المصلحة، وقد يدفعها ذلك إلى الوقوف أمام إنجاز هذا العمل، وبالتالي فإن الأمر يستدعي وجود حكومة قوية تواجه مثل تلك التحديات، لذلك كان الفاروق عمر يقول: «أربع من الإسلام لست مضيعهن ولا تاركهن لشيء أبدًا : القوة في مال الله وجمعه حتى إذا جمعناه وضعناه حيث أمر الله».
2-التطبيق الجاد لمبدأ الشورى والمشاركة الفعالة في الرأي حيث إن ترشيد الإنفاق العام وكذلك وجود سياسات اقتصادية رشيدة هو رهين وجود حكومات وقادة لديهم القدرة على السماع والاقتناع واحترام ما يقال من أفكار ورؤى، كما أنه رهين وجود شعب قوي يجهر بالحق وينصح للحاكم بدلًا من منافقته ومداهنته.
٣. توفير الأجهزة الإدارية الجيدة إن توافر الإرادة السياسية والمشاركة الفعالة في غيبة وجود جهاز إداري كفء يتولى الإشراف والقيام على مختلف المرافق والهيئات العامة الاقتصادية وغيرها لا يحقق ما هو مرتجى من ترشيد للإنفاق العام، وقد أكد الفكر الإداري العربي الإسلامي على توافر ووجود القوة والأمانة معًا في كل من يتولى عملًا من هذا القبيل.
4- توافر نظم محاسبية ورقابية فعالة، إذ إن وجود النظم والالتزام الصريح من الدولة بنشر نتائجها هو التحدي الأكبر أمام جدية الحكومات فيما تزعم القيام به، ويقدر نجاح الدولة في ذلك نطمئن على نجاحها في ترشيد الإنفاق العام. وقد شدد الإسلام على توافر هذا الأمر ويتضح ذلك من قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من أراد أن يسأل عن المال فليأتيني فإن الله جعلني له خازنًا وقاسمًا» ثم أعلن مسؤوليته أمام الشعب عن تنفيذ ما أعلنه بقوله: « ولكم علي أيها الناس خصال فخذوني بها : لكم على ألا اجتبي خراجكم ولا فيئكم شيئًا إلا من وجهه، ولكم على إذا وقع في يدي ألا يخرج منها إلا في حقه».
مركزية التربية لا مركزية الإدارة
اللواء د. مسعود مصطفى طرح ورقته حول اللامركزية الإدارية في الصدر الأول للإسلام، وذهب إلى أن فكر المستشرقين في دراستهم للجوانب الإدارية للمرحلة الأولى العصر الإسلام أي فترة وجود الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين قد شابه القصور لأنهم وصفوا هذه الفترة بالمركزية، بينما الناظر المدقق لهذه الفترة لابد أن يفرق بين أمرين الأول مستوى العقيدة والدين والثاني مستوى العمل والتطبيق في الدنيا، وقد حرص الرسول الكريم -صلي الله عليه وسلم- منذ البداية على بلورة أسس العقيدة والدين في عقل وسلوك الناس، وهذا الجانب هو الذي خيل للبعض أنه يوحي بالمركزية في كل شيء، والحقيقة أن مستوى العقيدة والدين لا يمكن وصفه بمركزية ولا مرکزية على السواء، إذ إنه وحي من الله والوحي الإلهي لا يخضع للتوصيفات والأحكام البشرية فهو خارج دائرة أحكام البشر، وإنما الوصف بالمركزية واللامركزية إنما ينصرف إلى ما يصدر من البشر ولكننا نجد أن الرسول صلي الله عليه وسلم في أمور الدنيا قد قال: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم، وهذا التفويض ينصرف إلى الشؤون الدنيوية التطبيقية التي يكون المعول فيها على الكفاءة البشرية ورصيد الخبرة وحجم التجربة، إنما قد أتى بعد ترسيخ الأسس الأخلاقية الدينية، أو قيم السلوك القويم. وبذلك يكون الرسول الكريم قد أسس مبدأ اللامركزية الإدارية في أمور الدنيا على مبدأ الأخلاق الدينية، فضمن بذلك لا مركزية إدارية قويمة مأمونة لا يحيد القائمون عليها عن الجادة والصواب والسداد وتحقيق الصالح العام، وإذا ما انتقلنا إلى نموذج آخر وهو الفاروق عمر بن الخطاب نجد أنه فوض بعض أمرائه في التصرف في أمور ولايته سنة كاملة لا يرجع فيها إلى الفاروق يجمع خراجها ويتصرف فيه لصالح أمور ولايته ولا يرجع الأمير المؤمنين عمر ثم يقره عمر على فعله.
ويخلص د. مصطفى إلى أن الإسلام أخذ بتربية الناس أولًا تربية مركزية ثم أحالهم مطمئنًا إلى لامركزية إدارية لا خوف فيها ولا انحراف أو فساد أو انصراف عن المصلحة العامة، فبعد التربية الدينية القويمة أصبح كل فرد في المجتمع الإسلامي يعمل بقوله صلي الله عليه وسلم : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».
مطلوب... نموذج إداري إسلامي
وانتهت أعمال المؤتمر إلى مجموعة من التوصيات التي تدعو إلى مواصلة منهج التأصيل للعلوم الحديثة وفق المنهج العربي الإسلامي ودراسة التراث بما يكشف أصالة الهوية الإسلامية التي ساهمت في مسيرة الحضارة المعاصرة وكان أهم هذه التوصيات ما يلي:
1-دعوة المنظمة العربية للتنمية الإدارية لتشجيع الدراسات والبحوث في الإدارة العربية الإسلامية، بما يعزز تأصيلها ويضمن التوظيف المعاصر لممارساتها ضمن إطار ومظلة التراث العربي الإسلامي الأصيل ومنجزاته.
2-دعوة الباحثين العرب إلى بذل مزيد من الجهد الخلاق للخروج بنموذج للإدارة العربية الإسلامية يصلح للممارسة والتطبيق مع المحافظة على هوية المنجزات الإدارية الإسلامية وأهدافها النبيلة للانطلاق لمواجهة مشكلات العصر بنظريات ومفاهيم تستوعب واقع المجتمع العربي الإسلامي ويستشرف آماله ويسهم في إثراء الفكر العالمي.
3- دعوة المنظمة العربية للتنمية الإدارية إلى تشكيل فريق عمل لعدد من المتخصصين والخبراء في ميادين الإدارة المختلفة في إطار إسلامي عربي لبلورة وإعداد نماذج إدارية تطبيقية تسهم في تجسيد التأصيل الإسلامي وتطوير المؤسسات والإدارات المختلفة في ضوء ذلك.
4- إعادة النظر في دراسة كثير من جوانب الإدارة العربية الإسلامية بصورة تبتعد عن السرد التاريخي لتتوافق مع مناهج البحث العلمي الرصين بكل أدواته وتقنياته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل