العنوان ملحمة البوسنة والهرسك في شعر الدكتور عدنان النحوي
الكاتب د. محمد عادل الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1996
مشاهدات 85
نشر في العدد 1210
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 30-يوليو-1996
إن من مبادئ الأدب الإسلامي تنبيه البشرية للانحراف الخطير عن طريق الرشاد والهدى في حياتها، ودعوة أبناء الأمة المسلمة لاستعادة دورهم الريادي الذي أناطه الله بهم في الحياة، وفي سبيل ذلك يخوض هذا الأدب ملاحم العصر، وما أعنفها من ملاحم، وما أجدرها بالتسجيل!، لقد توفر من الأدباء الإسلاميين على صنع هذه الملاحم التي يخوضها المسلمون ضد أعدائهم شاعر معاصر أصفى هذه المواقع من الجهاد المبارك فكره ووجدانه وفنه وجنانه.
إن شاعر الملاحم الإسلامية المعاصرة د. عدنان علِي رضا النحوي، قد غطى- كما يبدو من أسماء ملاحمه الآتية جُلّ أحداث العصر: ملحمة القسطنطينية- ملحمة الإسلام في الهند- ملحمة فلسطين- ملحمة الأقصى- ملحمة الجهاد الأفغاني- وأخيرًا وليس آخرًا: ملحمة البوسنة والهرسك، وهي موضوع الساعة والمقال، الذي أحال مشاعره المتدفقة فيها إلى ملحمة شعرية يفتتحها بهذه الصورة السوداء للمأساة شاهدًا على وحشية دعاة المدنية في ديار الغرب..
أغارت وحوش الأرض! يا لزحوفها * * * ويالهلاك بين ذئب وأرقم
تدافع أرتال الجحيم تدكها * * * جنون لهيب قاصف ومدمدم
تطايرُ أشلاء وتلقَى جماجم * * * وتطلق أنهار تدفق بالدم
لقد سجل التاريخ في البوسنة عراقة أحفاد الرومان في الوحشية والإجرام، بعد أن دوَّن بحروف من خزي وعار ما ارتكبه الصرب في حق البشرية من حرائم تعاف منها وحوش الغابات.
وطفل يكاد الهول يطلق صوته * * * أغيثوا بني الإسلام عرضي ومحرمي
تلفت كي يلقى أباه مضرجا * * * تهاوي على سيل الرصاص المدمدم
وأما يداها مدتا كي تضمه * * * فعاجلها قصف اللهيب المضرم
قضت ويداها لم تزالا كأنها * * * دعاء إلى مولى أبر وأرحم
وغاب نداء الطفل بين زمازم * * * تدوي وموج زاحف متقدم
والأدهى من ذلك ما أقدم عليه الصرب من استباحة أعراض نساء البوسنة المسلمات في وحشية وإجرام، لم يسبقهم إليه سكان الكهوف فأين مروءات المسلمين؟
وكم كاعب ردت على الطهر خدرها * * * تناش بوحش مجرم الطبع مرغم
تلفَّتُ للآفاق علَّ حماتها * * * يطلون من أفق هنالك مظلم
تلفَّتُ! أين المسلمون وأين ما * * * دعوا من شعارات الوفاء المرجم؟!
فردت على الذل المروع طرفها * * * وطوت على الأحناء غصة أيم
وأهوت على وحل! وأطبق فوقها * * * ذئاب! ودارت قصة لم تتمم
نعم، لقد أخرج الصرب، أمام بصر العالم المتمدين، شعبًا من أرضه لا ذنب له إلا أن يقول ربي الله، ويصور الشاعر هذا الموكب الحزين من مشردي البوسنة البؤساء..
تدفق منها كل يوم قوافل *** تشق دروبًا بالأسى والتظلم
يميلون بالطرف الذليل لعلهم * * * يرون وراء الأفق طلقة مسلم
قوافل تمضي بين أفواج رضع * * * وأحزان ثكلى أو تباريح أيم
وبين صبايا! يا لَذُل دموعها * * * وأفواج أطفال وأمواج يتم
لقد خلفوا التاريخ يدمَى وخلفوا * * * أبا في ميادين الجهاد المضرم
يفرقهم كيد شديد مدبر * * * ومكر شياطين وعدوان مجرم
ولا تقف جريمة الصرب عند هذا، إنها مؤامرة بعيدة المدى، تستهدف إلغاء شعب بقتله وتشريده، ومسح هويته بتنصير أطفاله وتهجيره..
تكاد عيون الطفل تسأل من أنا؟ * * * إلى أين أمضي؟ يا فيافي تكلمي!
وأين أبي والأهل، ويحي، وإخوتي؟! * * * ولهفة ساحات وطلعة أنجم
ويسأل: من هذي الوجوه تحوطني * * * تبيع وتشري بي ولم تتأثم
كأني إذن أصبحت سلعة تاجر * * * لئيم يواري كيده بالتكرم
أتحملني دور النصارى وبيعة * * * وساحات شرك أو منازل شوم؟!
لتنزع مني فطرة وطهارة * * * ويغرس بي شرك وفتنة مأثم
ويستهوي الشاعر صمود «سراييفو» عاصمة البوسنة وسط هذه الأعاصير، إنها تقف كالطود تروي وقفة الشعب البوسني الأبِيِّ الذي ضرب المثل في الصمود العتيِّ إزاء الجيوش المدججة والعتاد الكثيف.. إن صمودها ليخلد جهاد شعب مؤمن لم يبخل بسائر التضحيات فداء عقيدته وأرضه..
أطلِّي «سراييفو» علينا بدفقة * * * من النور أو دفق من العطر والدم
طلعت على الدنيا ووجهك مشرق * * * وعهدك ميثاق الكميّ المصمم
رماك عدو الله فانتفضت له * * * عزائم خطار ووثبة ضيغم
فأرضك ميلاد الحياة تفتحت * * * ورودًا تروى من كبود وعندم
لقد استهدف الصرب الحاقدون- ومن ورائهم حلفاؤهم البارزون والمستترون استئصال شعب البوسنة المسلمة وتدمير دور عبادته، فدكوا- في إجرام لا نظير له مساجد البوسنة الخالدة التي تروي قصة الإسلام الحية في هذا البلد.
ودكت بيوت الله! يا ويل كافر * * * إذا ما تولاه سواء جهنم
تموج على أطلالها ذكرياتها * * * وتبحث عن محرابها المتهدم
لقد فجؤوهم سُجدًا في صلاتهم * * * ليحصدهم دفق الرصاص المحرم
فما التفتوا إلا لإشراق جنة * * * أطلت ببشرى فوزهم وبمغنم
وخلوا جنود المجرمين بغيِّهم * * * سكارى على هول وخسر ومغرم
وفي لمسة موحية يصلنا الشاعر بآفاق عليًّا فيصور لنا موكب الشهداء في تلك البقاع من البوسنة يتلالأ بنور الشهادة العطر، وأصداء الربا والبطاح تتجاوب بالأذان الربانِي ساعة الفجر في خشوع وهيبة.
وسالت دماء! فالتقى النور عندها * * * وعطر وأنداء وطلعة مسلم
ليبزغ منها الفجر ينشر من هدى * * * ويجلو ميدان الشباب المعلم
ودوى مع الفجر الأذان وأوبت * * * هضاب وعادت بالدعا والترحم
وقد خشعت كل البطاح ورجعت * * * صداه الربا يا للنداء المعظم
ودوت به: الله أكبر! رددي * * * إذن يا روابي من هداه وعلمي
لقد ارتكب الصرب جهارًا نهارًا جرائم لطخت حبين أوروبا بالعار، وبدأ العالم الأوروبي في سكوته ورضاه عن هذه الجرائم وقد انحدرت المشاعر البشرية لديه إلى هاوية الانحطاط
هنا يسحق الإنسان! تهوي شوامخ * * * من الخير أطلال البناء المهدم
وقالوا «نظام عالمي» يصونها * * * وقد كذبوا والله! يا هول مأثم
لقد كان بالأمس القريب مدويًّا * * * عنيدًا بمكر ظاهر الكيد محلم
فما باله أضحى هنا أبكما وعن * * * جرائم أهل «الصرب» لاه بها عم
تمحص في هذا البلاد حضارة * * * ليكشف زيف من شعار ومزعم
ويهول الشاعر هذه المفارقات الحادة بين ما يرتكبه حملة الحضارة الأوروبية من وحشية في هجماتهم الاستعمارية وبين ما يخدعون به الناس من شعارات براقة كاذبة، فيعتلج به الحنين نحو عهد الفتوحات الإسلامية حيث رفلت البلدان المفتوحة في سماحة الإسلام وعدله، ونعمت بالأمن والحرية والكرامة والنور، ففتحت بذلك القلوب قبل أن تفتح البلدان.
حننت إلى عهد الفتوح وعزة * * * أطلت على الدنيا وزهوة مقدم
تعيد إلى الإنسان فطرته هدى * * * وتحطم غلًّا من رقاب ومعصم
تبلغ دين الله للناس أية * * * ونهجًا على حق من الله محكم
فتفتح بالحق المبين قلوبهم * * * ليمضوا على عهد من الله ملزم
كأن قلوب الناس نور وبهجة * * * ترى فرحة البشرى على كل مبسم
فهذا هو الإسلام أمن لخائف * * * وحق لمظلوم وعزة مسلم
وبعد أن يعرض الشاعر- في ملحمته هذه لأزمة شعب البوسنة المسلم وسط التآمر العالمي.. يعرفنا بتاريخ البوسنة المجيد.. فما دولة البوسنة والهرسك؟ وكيف دخلت التاريخ؟
حنانيك يا «إسلامبول» يا درة على * * * لآلئ عقد بالفتوح منظم
أمهدت «للبوسنا» دروبًا فأطلقي * * * كتائب إيمان إليها ويممي
وهب بنو «البوسنا وهرسك» كلهم * * * إلى الحق في دين أبر وأقوم
وهبوا لأشواق الجهاد وأقلبوا * * * على الساح في شوق إلى الله أعظم
وأسلم أقوام إلى الله خشع * * * ومن يعتصم بالله يا قوم يعصم
ليُخرج دين الله للناس أمة * * * إلى أطيب الأنساب تعلو وتنتمي
ليجمع أعراق الشعوب على هدى * * * فمن عربي عز فيه وأعجمي
فتخرج في إحسانها خير أمة * * * إلى الناس في هديٍ من الله أكرم
وأسهمت البوسنة والهرسك منذ ذلك التاريخ، بكل طاقاتها في أعباء الخلافة الإسلامية:
حنانيك يا «بوسنا» ويا دار «هرسك» * * * فأرضك ماجت بالدم المتضرم
بذلت وأغنيت الحياة فهذه * * * سبيل التُّقى فارقي لها وترسمي
بنيت بيوت الله حتى كأنها * * * لآلئ ماجت فوق ثوب مرقم
مآذن شقت في السماء مسالكًا * * * ورجعت الكبير في كل معلم
بنيت بيوت العلم نورًا فشيدي * * * قلاعك، صوني من حياضك واسلمي
ثم يؤوب الشاعر من هذه اللفتة التاريخية التي تجلو دور البوسنة والهرسك المضيء في بناء الخلافة الإسلامية فيناجيها في حب ونصرة وود، ويعرض إلى ما انصب عليها من الحقد والتعصب بسبب دورها البنَّاء الرائد في خدمة الإسلام وأهله.. لقد كان حقدًا وحشيًّا سافرًا باغيًا يحارب الله ورسوله، لذا يتنبأ الشاعر بأن يأخذ هؤلاء الكفرة الباغين- بعد استدراجهم- أخذ عزيز مقتدر:
حنانيك يا «بوسنا» ويا دار «هرسك» * * * حنانيك من شر حواليك مقدم
صببت دماء من عروقك حرة * * * كأنك في بحر هناك مغمم
صبرت وأشهدت البرايا فطأطأت * * * لصبرك إجلالًا شهود التلوم
ففي كل يوم من دمائك دفقة * * * ونفحة مسك من جهادك مفعم
وفي كل يوم شعلة من حرائق * * * تضيء بليل في سمائك معتم
غزوها وجاسوا في الديار وهدموا * * * معاقلها، يا ويل باغ مهدم
لقد حاربوا الله العلي وأسرفوا * * * بغيهم والله يملي إليهم
سيأخذهم! لا يفلتون وإن وهت * * * شعوب وأغفت في هوى وتنعم
وأخيرًا ينحي الشاعر بالملائمة على دول العالم الإسلامي وأبنائه الذين قعدوا عن الجهاد لنصرة البوسنة والهرسك قائلًا:
فواعجبا للمسلمين! ديارهم * * * تناش وأعراض تباح لمجرم
وفي كل ساح رجفة من زلازل * * * تمور بها! يا للنذير المعلم!
وما استيقظ الغافلون من سكراتهم * * * ولا وثبوا للحق وثبة أحزم
فهل سدت الآذان؟ هل سكرت إذن * * * بصائرنا؟ هل من مجيب ومسهم
ويا ويل من يلهو ويترك أمة * * * تباد ويغفو في هواه ويرتمي
وليس بناج من يغط بنومه * * * وليس بمجد بعد حسرة لوم
ستمضي عليهم سنة الله آية * * * فتلقيه في ليل من الشر أشأم
إن ملحمة الشاعر وهي تروي عدوان الحضارة الغربية على شعب مسلم، فتبدو على حقيقتها دون زيف حضارة أنانية عدوانية، لتدعو أبناء الإسلام لتبوء دورهم الحضاري الرائد من جديد، كما تفصح للعالم عن خلود مبادئ الإسلام الذي عاش في ظل حضارته بنو الإنسان رِدحًا في كرامة وأمان.. كما تعلن عن إفلاس الحضارة الغربية من المبادئ الإنسانية في الوقت الذي تتلامح للعالم مبادئ الإسلام بوصفها البديل القادم لحضارة الإنسان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل