العنوان ملحمة التاريخ المؤرخ (1)
الكاتب عبدالرحمن الحجي
تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2010
مشاهدات 75
نشر في العدد 1898
نشر في الصفحة 46
السبت 17-أبريل-2010
تاريخ
يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (227)﴾ (الشعراء: 224-227).
وقال عز وجل: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139)﴾(آل عِمْرَان: 137-139).
وقال رسول الله: «إنَّ من البيان لسحْرًا وان من الشعر لحكمة» (رواه البخاري والترمذي وأبو داود).
تقريب وترغيب الكلام في قصيدة «الملحمة» مُوَجّه إلى التاريخ والمؤرخ، حين يُخاطب فيها المؤرخ التاريخ «تاريخنا أولًا»، ببث الهموم وإظهار الشجو والشَّجُون، خوفًا من ضَياع الحقائق التاريخية الماضية والحاضرة والمستقبلة وأنواط عقد, لكن المؤرخ – إذ يُطَمْئِن التاريخ الذي عليه كذلك أن يَحْسَب الظروف المحيطة بكل أثقالها ومتاعبها وصعوباتها والتي بعون الله تعالى يتم اختراقها بحكمة وروية ووفاء.
الذي يريده «التاريخ من المؤرخ»، منه ما هو كائن - ولو بحدود منزوية - ومنه ما هو آت إن شاء الله تعالى حيث يتم تدوين الحقائق التي خاف عليها التاريخ من الضياع، ولا يَعْدِم أن يجد المؤرخ الثَّبَتَ الثقةَ، الذي يتولى هذه الأمانة ويؤديها ويقدمها كاملة جَليَّة أبِيَّة.
الحياة الإسلامية - خلال تاريخها المديد مليئة بذلك، حيث امتلأت ساحتها المُخْضَرَّة المزدهرة والمتسعة بهؤلاء المؤرخين الأثبات الثقات، الذين حافظوا جُهدهم على الحقيقة حتى أوصلوها إلينا، رغم ما حَفَّها ويحفّها كثيرًا من أشواك خلال طريق ملؤه المتاعب والمؤامرات بل والدسائس، لاسيما منذ الحروب الصليبية وما تلاها ووريثها أو امتدادها أو وليدها المشحون، وما وفره من وهو أجناد حَملوا بنوده أعلامًا وإعلامًا.
مثلها لا تمر حين يكون الوعي قائمًا و ما سيكون وتراه وتلمسه يدًا بقوة، وفَمًَا لأُذُن، إن شاء الله سبحانه وتعالى، رغم العقبات التي لابد لاجتيازها من بذل الجهد الوفير، وهو ما لا يبخل به، يعلمه حَقَّ العلم، فتراه يلجأ إلى وسائل التجهيل والتشويه والتجنيد، ترعى ما يريد بأيدي أهله.
هذه الواجبات يقدمها المؤرخ المسلم، أمانة وديانة وصيانة على ذلك لن تضيع الحقيقة وسيهيئ الله لها هذا النوع من المؤرخين القائمين عليه الذابين عنه المبينين له في هذا العصر أيضًا، كما جرى في غيره من العصور السالفة المتداولة.
موضوع الملحمة «القصيدة»:
تصورت أن الملحمة ممكن أن تلقي في مجلس كريم لأسرة بارة أو جماعة واعية ملأتها الغَيْرَة على هذا التاريخ، فاجتمعوا في ليلة شتاء هادئة البَرِّد خفيفة البَرَد ناعمة المطر، يدف هينًا لينًا.
أقْبَلُوا سِراعًا على سماعها، عبر أوقات الجلوس - في جلسة أو أكثر- حول موقدٍ يَسْمُرون مستدفئين متحفزين يتفكهون، بفاكهة الشتاء أو غيرها، وُصِفَ ذلك كله بهذه الأبيات، مقدمة الإصغاء لها:
حديث الليالي والسمر *** وصوتُ أنغام المطر
ترنو الــعـيـون لـبـابهــــا *** حتى هزيع من سَحَر
تقول يا ثَغْرُ هَاتِها *** بنشوة تُطْرَبُ البَصَرُ
ألْقَيْتُ فِيهَا مَشاعِرِي *** هى اعتصار للفكر
حَمَّلْتها هذا القصيد *** أتحفتها خَيْرَ الثَّمَرُ
وَجَّهْتُها عند الأصيل *** والضوء عاٍل مستقر
كيما يرى آلاته *** وأصابعا هي كالأبر
والليل آٍت بعده *** رتل به هذي السور
واهتف بأبيات أتت *** في مجلٍس حلو العبر
تصفو على نغماتها *** كلماتها من الغرر
قُلْتُ: يا صاح هاتها *** دَنْدِنْ بها بَينُ النَّفَرُ
هذي الحقيقةُ غَنّها *** نُغْمُ بها فوق الوَتَ
يعود المجلس يلتئم، مقبلًا متلهفًا مستمعًا إلى الملحمة التي تسبقها مقدمة نثرية تاريخية مُوضّحة مهمة تمامًا.
تاريخُنا تفاريح وتباريح:
بينما أتتبع موضوعًا تاريخيًا، مراقبًا مجرياته ومقلبًا أحداثه فكرت في التاريخ - التاريخ الإسلامي بالذات - وكتابته والمؤرخين قديمًا وحديثًا، رجوتُ الخير لذلك كله ولقواعد هذا العلم ومواصفاتٍ كتابته، بأمانة ودراية وقوة، وكافة همومه الأخرى، نظرت فيمَا يجب علينا نحوه، فإذا ميادينه مازالت لها مطالبها.
مرت على لساني كلمات ناغمة متلائمة ناعمة، كانت صدر بيت أو عجزه، توقفتُ مدونًا.
ترامت أو تداعت معاني أُخرى انتظمت نَغَمًا، أغرتُ بالانتظار لأمثالها، متأنية متتابعة متلاحقة في نغم متناسق تستقطب مستوعبة مستلزمات هذا العلم، في قتال أو تَجْوال أو إهلال متحفز تطريبا وتركيبًا وترحيبًا.
هذه في الأغلب مدعاة كتابتي للشعر أو معاناته أو حتى مداعباته، دون اعتماد أو تعمد أو تصيد، بينما أكون في غمرة التفكير أو التعبير أو التحرير، تند بعضها لتنتظم وزنًا مقفى ملتئمًا في أبياٍت، متجملة متحملة تطول أو تقصر، كانت هذه القصيدة.
شبهات مفتراة:
لقي تاريخنا الإسلامي - رغم نصاعته حربًا عنيفة ضروس، تزويرًا وسماحته وتغريرًا وتدبيرًا، بأساليب ملتوية شُبها مفتراة بعد التجهيل والتهويل والتدجيل، أظهرته أسود قاتمًا ومهلهلًا تالفًا ومخيفا يقطر دمًا منفرًا مقززًا، أولى به أن يكون مهجورًا مطمورًا، لا يستحق الاهتمام ولا حتى الاقتراب منه أو بذل الوقت لأجله، دراسةً ومتابعةً وتأليفًا، ينسحب ذلك عندهم على الإسلام نفسه، حاشاه وهو ما أرساه.
كانت هذه أحد أساليب الحرب العدوانية ضد الإسلام، من خلال تاريخه الناصع الفريد والإنساني العجيب، قام به المستشرقون والمنصرون «المبشرون»، جنود الصليبية العالمية واليهودية «الصهيونية» العالمية والشيوعية أو العَلمانية «الإلحادية» العالمية وأتباعهم.
من أجل ذلك أسسوا المعاهد والمراكز والأقسام، وكان لهم جنود من المسلمين، التحقوا بهم في أعداد كبيرة، ومن حملة الشهادات الذين احتلوا مواقع في المؤسسات البحثية والعلمية والتعليمية والإعلامية ذات التأثير، وتابعتهم على ذلك جماهير غير قليلة، متعلمين جهلوا أو جهلاء غُرروا أو مُعادين جُندُوا، كان مدًا عاتيًا إلى حد أن كثيرًا من متولي المواقع العلمية ذات التأثير الفكري لا يعتبرون التاريخ تاريخًا الا بالاعتماد على أباطيل الاستشراق والتنصير «التبشير» وترهاتهم يرفضون كل تحقيق علمي منصف، يعيد الأمور إلى نصابها بحجج واهية وتحت شعارات علمية مزيفة مهلهلة مدعاة هزيلات مبرقعات، حدث ذلك بعد أن تمكنوا من مواقع التأثير والتوجيه مواقع تضطهد كل محاولة من الدارسين والأساتذة والمؤرخين إقامة الحَجَّة تكشف تلك الزيف وتثبت الحقائق المنيرة فيها استمر هذا الجهد عقودًا كثيرة إن لم يكن قرونًا، قدمت ثمارها المرة منذ نهايات القرن الماضي، بشكل متقدم متسع، وإن كانت لها ما قبله.
مراوغة خادعة:
كان ممن تولى كبر هذا الأمر زعيم المندوبية (المعتمدية السامية البريطانية اللورد كرومر «Cromer»، أول معتمد بريطاني في مصر الإسلامية، الذي تملك هذا الزمام واحتل منصبه لنحو ربع قرن من السنين العجاف (۱۸۸۳ - ۱۹۰۷م)، كان الحاكم الحقيقي خلالها حَكَمَها حُكْما صليبيًا كنسيًا تنصيريا بأساليب خبيرة مُجَرَّبة فعالة وإن كانت غير واضحة تمامًا بل مراوغة خادعة بائعة خفية تمامًا، على الطريقة الإنجليزية بطيئة «هادئة» لكن مؤكدة «Slow But Sure».
مما تناولته سياسته تنفيذ أهداف الكنيسة من خلال أسلوب تناول التاريخ الإسلامي في المراحل الدراسية، يبدو ذلك واضحًا من المناهج المدرسية التي وضعها - في مصر، كمثال لا سيما بعد تعيين ربيبه «مستر دنلوب» «Dunlop» القسيس، مستشارًا لوزارة المعارف، تتولى كذلك المسؤولية - المباشرة أو غير المباشرة - عن الأزهر؟!! بأي مقدار وأسلوب كلها ملتوية منطوية.
كانوا - بوضعهم لمناهج التاريخ وتدريسه وكل ما يتعلق به - يعظمون التاريخ الأوروبي، بجانب تعظيمهم لتواريخ الجاهلية، ليثيروا - من خلال ذلك - الشبهات والنعرات واللوثات الجاهلية، إحياءً وتزييفًا وتحريفًا «جرت الإشارة إلى ذلك في كتابي: نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي الذي ألحقته هذه الملحمة انظر كذلك ما ألفه بعض الكتاب في هذا الموضوع المهم جدًا».
لما استقر الأمر على ذلك، وجرى اختيار أُناس من أهل الجلدة والملة والبلدة، رأوا أن بعض ذلك غدًا واضح الكلاحة، ذهبت ملاحته وتركزت ملوحته المُرَّة، عملوا على تنقيح أساليبهم بإضافة أوصاف محلية محلاة انتقالًا، كما جرى لمؤلفات «جورجي «جورج» زيدان» التي يعاد طبعها مع تكميلات وتزويقات يتولاها أبناء الملة.
لكن الحمد لله الحق لا يضيع والحقيقة لا تموت بدأت تظهر دراسات في التاريخ الإسلامي مضيئة متنوعة شاملة، سواء في منهج الكتابة أو في استعراض الأحداث أو في تحقيق الوقائع كانت تنمو تدريجيًا وتتكامل وتتألق، وإن كانت محدودة. أخذت على عاتقها ليس فقط مواجهة هذه الافتراءات والعداوات الملثمة والترهات ولا هي مستعدة لاحتمال ما تستدعيه بل وتقدم أيضًا دراسات أصيلة تستعرض التاريخ هي فقط الإسلامي، فتسلحه بكل المقتضيات العلمية والنفسية والفكرية بل حتى الاستعدادات الثبوتية للمواجهة والاحتمالية المثقلة والجرأة القوية محمولة على القاعدة الإيمانية الربانية بالله تعالى وشرعه - قرآنًا وسنة وسيرة - لا و تأخذها في الله لومة لائم ولا تهاب ظلم ظالم ولا تهتم لإثم ألم.
كان هناك التفاوت على هذه الأمور بأساليب منها الاحتواء والإغراء والالتواء هي أشبه بالاستهزاء باستدراج هؤلاء المؤرخين لتحويل الوجهة تَسَتْرًا وتنكرًا وتبخترًا، استظلالًا من ورائه، مثلما يحاول بعض المستشرقين وأتباعهم إظهار الإنصاف ليشيعوا الثقة فيما يكتبون ويستحبوا الركون إليها والاطمئنان لها مثلما فعل العديد في بعض ما كتب من التاريخ الإسلامي الذي يظن أنه سَرَّب مقولات المستشرقين من اليهود والصليبيين؛ لذلك لابد من التنبيه على مثل هذه المحاولات سواء بتوضيحها للدارسين والقراء في الجامعات والمدارس، لا سيما الذين يدرسون هذا التاريخ الإسلامي ويكتبونه ويبحثونه، كذلك بتقديم الجديد من المؤلفات الحرة النزيهة الملتزمة تمامًا الأمينة الرصينة.
هى الخواطر والأجواء التي احتشدت صورها أمامي وأنا أفكر وأنظر وأسطر بعض ما أكتب في التاريخ الإسلامي، نما إلى القلم والعلم والكلمات هذه النغمات، كانت مع الأيام هذه القصيدة الملحمية أو الملحمة الشعرية أو القصة النغمية على هذا الشكل الشعري الجاد وربما الجديد المعبر المتنور, والتي هذه ننشرها العدد القادم بإذن الله.
[1] أستاذ التاريخ الإسلامي والأندلسي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل