العنوان ملف التعريب في الجزائر من يرفع هذا التحدي؟
الكاتب مروان اوناس
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يوليو-1990
مشاهدات 58
نشر في العدد 973
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 10-يوليو-1990
هكذا تخسر الجزائر لغتها العربية
يقول الشيخ محمد الغزالي: «إنني قلق على مستقبل لغتنا ومُتَبَيِّنٌ
للمؤامرات الخفية والمشروعات الخبيئة التي تستهدف إهانة هذه اللغة أخيرًا، بعد
جعلها لغة ثانوية في مجالات العلوم والصناعات وفي مجالات الحديث العام والخطابة
الرسمية».
هذه هي الكلمات التي قالها الشيخ محمد الغزالي -حفظه الله- عن وضعية
اللغة العربية في الوطن الإسلامي ومدى المؤامرات التي تُحَاكُ ضدها، والجزائر
كبقية البلدان لا تخرج عن هذه الدائرة، لكن ما يميزها أنها تعرف حربًا أكثر ضراوة
من البلدان الأخرى.
فاللغة العربية في الجزائر في وضعية خطيرة، ويزداد التهديد كل يوم،
فالفرنكفونية زاحفة بكل ثقلها لتأخذ كل الأماكن من إدارات ومؤسسات عمومية وصحافة
وجامعات.
الحرب ضد اللغة العربية حرب هوية
إن الوضعية تنذر بالخطر المهول إن لم يُسرع الأبناء المخلصون لهذا
الوطن من أجل وقف هذه الخيانة والردة الحضارية التي تتسع رقعتها يومًا بعد يوم
لتأتي على كل ما تم اتخاذه بشأن تعميم استعمال اللغة العربية، خاصة في عهد
الانفتاح والديمقراطية التي فتحت آفاقًا واسعة وجديدة من أجل تعميق الوجود
الفرنكفوني أكثر بالجزائر ولتمكين الفرنسية من كل شيء في الحياة العامة بعد أن
استطاعت فرنسا وقت الاحتلال إدخالها في لغة التخاطب العامة بين الناس، خاصة في
المدن، أين نجد الحديث والكلام منشطرًا بين ألفاظ عربية أصيلة وأخرى مفرنسة مكسرة؟
إن اللغة العربية قد أصبحت في الجزائر تقترب من حالة الطفولة
المحرومة، تعاني منذ ما يزيد على قرن ونيف من التسلط والتهميش ما لم تتعرض له أية
لغة في تاريخ الدول المستقلة، فهي ليست ناتجة عن فعل استعماري فقط، بل هي نتيجة
حقد وبغض دفينين من الأطراف التي لا زالت ترجو عودة الأم الحنون فرنسا، ولقد قالها
رائد الإصلاح في الجزائر ولسوف تبقى مدوية لتسمعها فرنسا وأذيالها، لقد قال ابن
باديس رحمه الله: «إنني أعيش للعروبة والإسلام، ولا أعتقد أن شعب الجزائر يمكن له
أن يستمر في البقاء من دون لغته العربية الأصيلة».
الفرنكفونية في الجزائر... تاريخ وجذور
قبل أن يدخل الاستعمار الجزائر كانت قلعة من قلاع الإسلام بفضل
المدارس القرآنية المنتشرة في كافة البلاد والتي تهتم بتعليم القرآن الكريم واللغة
العربية، لكن ما إن دخل الاستعمار حتى انقلبت المعادلة، فمثلًا كان يوجد مائة
مدرسة في مدينة الجزائر، و86 مدرسة في قسنطينة و50 مدرسة في تلمسان وعشر جامعات
موزعة عبر كل البلاد قبل عام 1830 «قبل الاستعمار الفرنسي».
في أحد الكتب بعنوان «إيفين تبران» تقول كاتبته بهذا الشأن في مدينة
عنابة: تبدو الكارثة أكبر بكثير، فقبل وصول الفرنسيين كانت توجد 39 مؤسسة للتعليم
العمومي وزاويتان و37 مسجدًا. ولم يبق من هذه بعد الاحتلال سوى ثلاث مدارس فقط من
39 مدرسة، وكذلك عدد المدارس في قسنطينة تقلص من 86 مدرسة إلى 30 مدرسة فقط.
إن مثل هذه الشهادات وغيرها المسجلة في وثائق وكتب منشورة كافية
للدلالة على أن التعليم كان منتشرًا بشكل واسع ووفق طرق خاصة وأصيلة وكانوا كلهم
مسلمين يستخدمون في نظامهم التربوي لغة القرآن. وكانت كل هذه الأعمال تمهيدًا
للقضاء على التعليم ونشر الأمية بين أوساط الشعب ثم بعدها يبدأون في تنفيذ مخططهم
الشنيع لفرض اللغة الفرنسية.
إن الفرنسيين لم يخفوا أبدًا أن ذلك كان هدفهم جميعًا وأن أول أمر يجب
القيام به هو منع تعليم العربية ليفرضوا اللغة الفرنسية على العرب كوسيلة لإخضاعهم
لحكمهم وليكون ذلك دليلًا على استسلامهم للحكم الفرنسي، وأصبح الهدف الاستعماري
الأول هو إحلال اللغة الفرنسية محل العربية في الإدارة والتعليم، وكانوا يدعون أن
الفرنسية سوف تنتشر تلقائيًا في أوساط السكان الأصليين وسوف يأتي من بعدهم أفواج
جديدة لتتعلم اللغة الفرنسية بعد أن تفقد لغتها الأصيلة العربية.
وفعلًا تم لهم ذلك خاصة بعد دخول القرن العشرين حيث اختفت كل المدارس
الخاصة بتعليم العربية والقرآن، ولم يبق منها إلا القليل النادر المنتشر في القرى
والأرياف الواقعة في أعالي الجبال التي لم تغزها الفرنسية، أما المدن فقد كانت
منعدمة تمامًا بصدور القانون الاستعماري في الثامن من مارس 1939 والذي يمنع تعليم
القرآن والعربية ويعاقب كل من يُضبط يُعلّم ذلك إلا من رخصت له الحكومة
الاستعمارية، وطبعًا الكل يعرف من ترخص له الحكومة الفرنسية؟! كانت مواقف مشرفة
حقًا تلك التي وقفتها جمعية العلماء بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس حين صرح
وقال ليسجل تلك الكلمات على صفحات من ذهب: الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر
وطننا.
وضعية اللغة العربية بعد الاستقلال:
في الوقت الذي كان ينتظر فيه الشعب الجزائري العربي المسلم أن تكتمل
له -باسترجاع الاستقلال- شخصيته فتعود لغة قرآنه إلى مكانتها وموضعها الأصلي
الحقيقي، فالذي حدث بعد الاستقلال مباشرة لم يكن مخيبًا للآمال فحسب، وإنما كان
صدمة ونكبة مريرة، إذ لم تتبدد فرحة الاستقلال فحسب، وإنما تكرست الازدواجية في
الشخصية باسم الحرية والاستقلال تحت ظل العلم الوطني، وعرفت حياتنا العجب، فحكومة
الاستقلال ينص دستورها على أن اللغة العربية هي اللغة الوطنية الرسمية، لكن
القوانين والممارسات اليومية تكرس اللغة الفرنسية وتحارب العربية بكل سلاح في
الإدارة في التعليم، في الاقتصاد في الثقافة، فشتان بين ما يكتب على الأوراق، وبين
ما يطبق في الواقع.
ومضى الزمن عامًا إثر عام والفرنسية تزيد تعمقًا في حياة الشعب رغم
المقاومات ربما أكثر مما حدث وقت الاستعمار، فالتعليم الفرنسي لا يزال قائمًا رغم
بعض المحاولات التي قام بها الأبناء المخلصون، إلا أن الاتجاه الفرنكفوني المدعوم
بصفة مباشرة من فرنسا كان الأقوى، لأن فرنسا لم تتخل أبدًا عن حقها في استعمار
العقول وحتى النفوس. وبهذا بدأت فرنسا في نشر دعوتها الفرنكفونية في الجزائر عن
طريق التحكم من بعد، وهي بذلك تضع في حساباتها جميع الاعتبارات التي تشكل لها
خطرًا على مشروعها الاندماجي وفي مقدمتها المقاومة التي يقودها الجيل الجديد الذي
نشأ بعد الاستقلال غير متأثر بأيديولوجيتها، لكن كل ذلك لم يكن لينفع لأن الجيل
السابق الذي تعلم في مدارسها هو الذي يتواجد على مقاعد السلطة وبيده مقاليد الحكم.
ومن ذلك بدأت الحرب الباردة بين دعاة الفرنكفونية وبين الذين يحملون
لواء التعريب حتى قال أحدهم: الجهاد الأكبر في الجزائر هو التعريب. فالتعريب لم
يعرف انتصارات كبرى مثل التي عرفتها الفرنكفونية في عمر جزائر الاستقلال، ففي كل
مرة نظن فيها أن التعريب يخطو خطوة نحو الأمام نجده يتراجع بعشرة إلى الخلف، لأنه
عرف حياة طويلة لاقى فيها الترحاب والاعتراض والمد والجزر، ولكنه في كل مرة يُعارض
ويُوقف من طرف الأذيال.
ولأن المدافعين عن هوية الجزائر العربية المسلمة أرادوا البدء بتعريب
التعليم لأنه الضمان الوحيد لاستعادة العربية مكانتها كان الرفض المستمر من طرف
الحكومة الجزائرية حتى حدوث الإضراب الشهير الذي شل الجامعات وكافة المؤسسات
التعليمية والتربوية على المستوى الوطني 1979، ودام أكثر من شهرين هز النظام ووضع
فرنسا وذيولها في الجزائر أمام تحدٍ تاريخي عظيم عندما جاء ملف التعريب وفصلت فيه
قرارات الحكومة آنذاك بل حتى أنه أزاح بعض الوجوه من القيادات والوزارات ومديري
الجامعات وتقرر الشروع في التعريب التدريجي للفروع الجامعية من الآداب والحقوق وكل
العلوم الإنسانية، بينما بقيت الفروع العلمية الأخرى معلقة إلى وقت لاحق غير مسمى،
وفي نفس الوقت تُدرّس بالفرنسية.
وكذلك بالنسبة للمؤسسات والإدارات العمومية التي تعمل مباشرة مع الشعب
مثل البلديات والولايات حيث اتخذت نفس الإجراءات قصد الشروع في تعميم اللغة
العربية لدى مصالح هذه المؤسسات مثل: التسجيل في الدفتر العائلي باللغة العربية،
وبطاقة الهوية، وجوازات السفر وكل الوثائق الشخصية الأخرى.
ومنذ هذا الإجراء لم يتم اتخاذ أي إجراء آخر من أجل المضي لتعريب
مجالات أخرى، بل ربما حصلت تراجعات أخرى أقل ما يقال عنها إنها ردة وخيانة، ففي
جريدة لوموند الفرنسية في 5 ديسمبر 1979 كتب الفرنسي روجي كارتر مقالًا يقول فيه:
«إن تعليم الفرنسية بالجزائر قد ازداد بشكل ملحوظ منذ الاستقلال بحيث بلغ عدد
التلاميذ الذين يدرسون بالمدارس الجزائرية ثلاثة ملايين ونصف المليون مقابل
خمسمائة ألف في سنة 1962».
وهذا كاتب آخر معروف هو «بول بالتا» الذي يعرف الكثير عن الجزائر
ويتكلم العربية ببراعة يكتب مقالًا في نفس الجريدة «لوموند» في 6 يوليو 1982 وذلك
بمناسبة الذكرى العشرين لاستقلال الجزائر يقول فيه: «ففي الجزائر المعربة»؟! نجد
أن عدد الأطفال الذين يتعلمون الفرنسية قد تضاعف عشرين مرة عما كان عليه في عهد
الجزائر الفرنسية ومن الغريب أن الحكومة الجزائرية ترفض الاعتراف بالازدواجية
اللغوية وبالفرنكفونية مع أن الجزائر يعتبر البلد الفرنكفوني الثاني في العالم هذا
في سنة 1982، أما في سنة 1990 فلا شك أن الوضع قد ازداد حدة وخطورة.
عمق الغزو الفكري الفرنسي
وحتى تعرف مدى تعمق الاتجاه الفرنكفوني بالجزائر ومدى التراجعات التي
حصلت وتحصل في جزائر الاستقلال، تارة باسم الديمقراطية وتارة باسم الحرية الشخصية،
اقرأوا جيدًا هذه الأسطر والفقرات:
- تسخير
الديمقراطية لخدمة اللغة الفرنسية عن طريق
استخدامها على نطاق واسع في وسائل الإعلام الوطنية التي ترمز إلى سيادة الشعب
خاصة منها التلفزة، حيث أصبحت بعض الندوات التلفزيونية مثل «لقاء الصحافة»
إلى العربية شاذة والفرنسية سيدة. والغريب في الأمر أن المنشط لا يتدخل
لإيقاف هذه المهزلة بحجة حرية التعبير لكل شخص بأية لغة. وكذلك برامج التلفزة
من أفلام وأشرطة وغيرها حتى يتهيأ للمشاهد بأنه يتابع إحدى القنوات الفرنسية
نظرًا لكثرة الأفلام المدبلجة للفرنسية.
- تشجيع
حركة النشر باللغة الفرنسية «كتب، مجلات، صحف» إذ ينتظر أن
تغطي الساحة في الشهور القادمة بعدد من الصحف والمجلات الناطقة بالفرنسية،
فمن 13 مشروع جريدة وصحيفة سيخرج إلى الوجود مشروعان فقط بالعربية.
- الذي
أقلق الجميع وأحدث ضجة في أوساط الشعب هو تصريح للسيد رئيس الحكومة
الذي أدلى به لبعض وسائل الإعلام العربية وحدد موقفه فيه من اللغة الفرنسية
واعتبرها لغة وطنية ثانية بعد العربية.
- وقد
تطاولت يد المغتربين فكريًا «الطابور الخامس» إلى حد إلغاء معهد
الجغرافيا الوحيد الذي يدرس باللغة العربية في جامعة العلوم والتكنولوجيا
بضواحي العاصمة.
- ومحاولاتهم
أيضًا لإلغاء المدرسة العليا للأساتذة التي تخرج أساتذة الحرف العربي.
- احتضنت
الجزائر كأس إفريقيا للأمم 17 «كرة القدم» وكان المكلف بإدارة الندوة الصحفية
في اليوم الأول لهذه البطولة قد رفض التحدث بالعربية، واكتفى بالتحدث
باللغتين الفرنسية والإنجليزية، مما أثار سخط صحافيي الحرف العربي، بالإضافة
إلى انسحاب الصحافيين العرب من الندوة، وفي هذا رفعت جمعية الدفاع عن اللغة
العربية القضية للعدالة بتهمة المساس بالدستور والمادة الثالثة منه التي تقول
إن اللغة العربية هي اللغة الرسمية.
- إعادة
التربية اللغوية للذين أسعفهم الحظ في الدخول إلى الإدارة
الوطنية من خريجي الأقسام المعربة في المؤسسات الوطنية حيث فُرنسوا من جديد
بحجة الاندماج في الركب وعدم التخلف أو التشويش على المسيرة الصامتة.
- رغم
أن قانون الانتخابات يمنع أن تكون الحملة الانتخابية بلغة غير العربية إلا أن
هناك أحزابًا انتهكت هذا وقامت بالحملة غير مكترثة بالقانون ومثال ذلك حزب
التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ذو التوجه العرقي، وبالمناسبة فهو يدعو
في برنامجه إلى إعادة الاعتبار للفرنسية بالجزائر كلغة علم وتكنولوجيا.
- ولنا
أن نتساءل متى فقدت الفرنسية اعتبارها بالجزائر حتى يطالب باسترجاعها؟!!
أياد خفية تعمل في الظلام للإبقاء على فرنسة
الثقافة لدى الطلاب
الفرنكفونية تعشش في الجامعة الجزائرية:
تحدثنا مسبقًا عن الإضراب الشهير سنة 1979 الذي طالب بضرورة تعريب
الجامعة، وتحت هذا الضغط الشديد الذي دام شهرين استجابت الدولة فعلًا وعربت كل
العلوم الإنسانية، بينما بقيت العلوم الأخرى من طب وغيره تُدرّس باللغة الفرنسية
إلى هذه السنة. لكن ما الفائدة من تعريب هذه العلوم والجامعة الجزائرية من أكبر
معاقل الفرنكفونية في البلاد، فأنت حينما تدخل إلى إداراتها إن لم تكن من المجيدين
للفرنسية فاعلم بأنه لن يقابلك أحد، ولن يجيب عن أسئلتك أحد رغم أنهم على الأقل
يفهمون العربية إن لم نقل يجيدون التحدث بها، لكن عقدة الشعور بالنقص عندما
يتحدثون بلغتهم العربية جعلتهم يحبون تقليد لغة الأقوياء أو كما يقول ابن خلدون
«الضعيف مولع بتقليد القوي» فأصبحت عندهم هي الأصل فمن تحدث العربية فهو رجعي
متأخر لا يزال يعيش في القرون الوسطى، حتى أنه أصبح يُنظر للذي لا يتقن الفرنسية
نظرة استخفاف بينما الذي لا يتقن العربية فهو يفتخر بذلك ويتباهى.
حقًا إنها المأساة والاستعمار الفكري في أكمل صوره والتبعية الثقافية
في أجلى صورها.
وفي محاولة الحكومة لتعريب على الأقل الإدارات والمؤسسات التعليمية
كانت هذه الخطوة التي قام بها السيد الوزير محمد الميلي وزير التربية حيث أصدر
منشورًا وزاريًا يؤكد فيه وجوب إلزام كافة إدارات المؤسسات التربوية على استعمال
اللغة العربية في كل أعمالها. ومما جاء في هذا المنشور لدى الطلاب أن بعض المصالح
على مستوى إدارة أقسام استثمار الموارد البشرية وكذا المؤسسات التعليمية لا تزال
تحرر بعض الوثائق باللغة الأجنبية، الأمر الذي أدى إلى استغراب من قبل المعنيين...
وهذا يتنافى مع التعليمات الوزارية رقم 117. ومن بين هذه الخطوات التي تم اتخاذها
للتعريب التدريجي للجامعة كما جاء في محاضرة السيد بوعلام بن حمودة «مدير مركز
الدراسات الاستراتيجية، وهذا السيد مشهود له بأنه من المتحمسين والمدافعين عن
التعريب، لكن للأسف بعد المحاضرة هذه وجد السيد أن منصبه قد حُجز!! لغيره !؟؟»
قلت: قال بأنه من بين الخطوات التي تم اتخاذها هو توقيع الحكومة
الجزائرية في صيف 1989 اتفاقًا مع سوريا يقضي بإرسال 90 أستاذًا ممتازًا... إلا
أنه وككل مرة وقع التراجع عن هذا الاتفاق من طرف الحكومة الجزائرية بعد تغييرها في
خريف 1989!!؟
وهكذا في كل مرة تحدث التراجعات والردات عن التعريب الشامل؟! وبهذا
فالجامعة الجزائرية التي يُعوّل عليها القيام بأعباء التطور والتقدم تعرف في ميدان
التعريب تراجعات خطيرة توحي بأن وراء العملية أياد خفية تعمل في الظلام من أجل كسر
أية محاولة والتخطيط بوضوح من أجل التراجع عن كل الإنجازات التي تحققت إلى اليوم
وكانت البادرة التي قام بها معهد الجغرافيا في العام الماضي 1989 أولى هذه
المبادرات ضمن هذا المسار وما ترتب عنه من طرد 18 أستاذًا يحملون لواء التغريب..
والمحاولة التي جرت مؤخرًا من أجل غلق المدرسة العليا لأساتذة الحرف العربي وغيرها
من المحاولات التي ينفذها الأذيال محاولة منهم لطمس معالم الشخصية العربية
الإسلامية للشعب الجزائري التي دفع من أجلها أكثر من مليون ونصف المليون من
الشهداء.
ولا ننسى كذلك هنا أن نسجل التراجع والتأخير ثم وقف تعريب العلوم
الدقيقة والتكنولوجيا لحاملي شهادة البكالوريا المعربة لسنة 88/89 رغم الوعود
الكثيرة التي قُدمت لهم تطمئنهم على دخول كل الفروع للسنة الأولى جامعي باللغة
العربية، لكن هذه الوعود لم تكن سوى مراوغات لتقليل الطلبة، حيث انطلقت السنة
الجامعية الجديدة 90/8 وهي تحمل الكثير الكثير فمن الوهلة الأولى بدأت المشاكل...
في التسجيل في الأماكن، وبعد أن تم كل هذا طرحت مشاكل أخرى أكبرها التعريب، تعريب
الفروع العلمية لأن المقبلين كما قلنا على الدراسة معربون كلهم، لكن الجامعة أوصدت
الأبواب في وجوههم!؟ لكن هل سكت الطلبة؟ كلا... لقد أقيمت الندوات على مستوى كثير
من الجامعات الجزائرية شارك فيها أساتذة وبعض المهتمين بقضية التعريب، كما خرجت
مسيرات وأكثرها التفاتها للرأي العام تلك التي خرجت وتجمعت أمام مبنى البرلمان في
منتصف شهر نوفمبر 1989، وكان الاتحاد الطلابي الحر هو صاحب المبادرة في تبني قضية
التعريب وتنظيم هذه التجمعات والندوات.
وكل هذه العراقيل يضعها حماة الفرنسية ومخلفات الاستعمار بحجة أن بعض
الأساتذة الجزائريين لا يحسنون العربية رغم أن عددًا كبيرًا منهم استفادوا من
المنح الدراسية في بعض البلاد العربية.
وأمامنا الآن هذا الجدول المأخوذ عن دليل الجامعة المركزية الموجودة
بالجزائر العاصمة فقط لسنة 83/84 يبين نسبة الدارسين للعلوم المختلفة باللغتين
العربية والفرنسية، فتلاحظ كيف يظهر هذا الجدول التغلغل الكبير للفرنسية في حياة
الجامعة ورغم أن هذه النسب في سنة 83/84 إلا أنه من المؤكد أنها لم تتغير في اتجاه
التعريب بل ربما نحو الفرنسة أكثر.
كم هو الجرح عميق؟! نعم كيف أصبحت اللغة الدخيلة سيدة والأصيلة
منبوذة؟! إنها مسؤولية حضارية سيحاسب عليها التاريخ وتضعنا أمام تحد تاريخي جديد،
فمن يرفع هذا التحدي؟!
مقترحات للتعريب
وأخيرًا..
وحتى لا نكون في موضع سلبي ونخرج من دائرة النقد للواقع يجب أن نغيره
حتى نخطو خطوة أكيدة وثابتة نحو إعادة المكانة الحقيقية للغة العربية ننقل لكم بعض
ما كتبه الأستاذ سليم قلالة في جريدة الشعب الجزائرية في صفحة أوراق الخميس
متحدثًا عن الكيفية التي يمكن أن تسترجع بها العربية مكانتها:
«يجب تجاوز العقبة العلمية، والتكنولوجية - بالإمكانات المتوفرة
والخروج من القوقعة - التقليدية - التي ضربناها على أنفسنا طوال السنوات الماضية،
الضغط على أجهزة الدولة ونزجيها ومغازلتها، والرضوخ لها من أجل تعريب كتاب أو مادة
أو إصدار قانون أو قرار من قبل ما سمي بالمجلس الأعلى للغة العربية... وهذا الخروج
ينبغي أن يتم بواسطة الإمكانات الذاتية لحملة المشروع الحضاري دون انتظار دعم
الدولة أو جهات قد يطول وقد لا يأتي إطلاقًا... وعندما أقول إمكانات ذاتية فلا
أقولها للتعجيز، إنما لأن هذه الإمكانات فعلًا قادرة على إحداث تغيير كبير في
سياسة استعادة اللغة العربية لمكانتها في مواجهة المشروع التغريبي....
ثم يواصل الكاتب حتى يقول: لم لا تتفق دور النشر عندنا التي تريد
الخير للإسلام والعربية لتصدر معًا جميع دروس السنة الأولى جامعي في الطب والهندسة
والكيمياء والرياضيات... باللغة العربية؟؟ وفي ظرف ثلاثة أشهر ومع الدخول الجامعي
المقبل لن تُطرح نهائيًا مسألة المراجع المعربة للسنة الأولى جامعي علوم
وتكنولوجيا... ولن يستطيع دعاة الفرنكفونية الاعتذار هذه المرة ولا المماطلة، بل
سيجدون أنفسهم مضطرين لمسايرة الواقع الجديد.
أما في مجال وسائل الإعلام والصحافة فيقول الأستاذ سليم قلالة: «وفي
هذا المجال ينبغي الانتقال من مرحلة البكاء على ما هو موجود «من صحف فرنكفونية»
والتشهير بها إلى مرحلة مواجهة المثل بالمثل على الأقل عن طريق تقديم البديل
الإعلامي الأفضل.. إذ ما يمنعنا نحن من تأسيس جمعية همها الوحيد إصدار مجلة مستقلة
عن فرنسا والغرب موجهة للشباب، وفي صمت ما دام كل شيء متوفرًا الشباب والإمكانات
المادية التي لن تتجاوز ثمن سيارة قديمة يمكن جمعها من تبرعات الشباب أنفسهم؟ بل
وما يمنعنا من إغراق السوق بالمجلات المستقلة عن الغرب المدافعة عن هويتنا
الحضارية.