; ملف العدد: المجتمع (2186) | مجلة المجتمع

العنوان ملف العدد: المجتمع (2186)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 01-ديسمبر-2023

مشاهدات 75

نشر في العدد 2186

نشر في الصفحة 10

الجمعة 01-ديسمبر-2023

المقاومة حق مكفول للفلسطينيين لتحقيق أهدافهم التحررية

غزة مثلت ظاهرة بشرية فريدة ونموذجاً أسطورياً في المقاومة الفلسطينية

المقاومة وسيلة لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه المسلوبة

إياد محمد

أستاذ العلوم السياسية

بدأت المقاومة الفلسطينية تشكل تحدياً كبيراً وإستراتيجياً لدولة الاحتلال الصهيوني منذ انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية في العام 1987م، وما واكبها من أحداث استلزمت تطور المقاومة تكتيكياً وعسكرياً، ثم جاءت «انتفاضة الأقصى» عام 2000م لتشهد المقاومة الفلسطينية تطوراً كبيراً من الناحية العسكرية في مواجهة آلة الحرب الصهيونية بعد استخدام الاحتلال الطائرات الحربية والدبابات العسكرية والمدفعية في مواجهتها؛ الأمر الذي دفع المقاومة إلى ابتكار وسائل عسكرية متطورة لمجابهة آلة الحرب الصهيونية الجديدة.

المقاومة الفلسطينية لم تكن وليدة أحداث «انتفاضة الحجارة» عام 1987م، و«انتفاضة الأقصى» عام 2000م، فقد سبقتهما مقاومة شعبية بقيادة الشيخ عز الدين القسام في العام 1936م، والمقاومة الشعبية الفلسطينية بقيادة الشيخ عبد القادر الحسيني في العام 1947م ضد الإنجليز، ثم المقاومة الشعبية الفلسطينية وثورة الأهالي ضد الاحتلال الصهيوني، ومجازره بحق الفلسطينيين و«النكبة» في عام 1848م؛ وما نتج عنها من احتلال أرض فلسطين وتهجير سكانها.

إن هذه المقاومة بكل مكوناتها وأهدافها وغاياتها هي حق وواجب، كما أنها وسيلة لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه المسلوبة وتقرير مصيره كباقي الشعوب التي ناضلت وقاومت الاحتلال حتى نالت حريتها، وحتى تتمكن من ذلك يجب أن تكون تجسيداً لرؤية، وممارسة لإستراتيجية، وخاضعة لقيادة، لا تنظر إنجاز الوحدة، ولا تهمل ضرورة العمل لتحقيقها، إستراتيجية تستطيع توظيفها في سياق المعركة المفتوحة مع الاحتلال الصهيوني التي تزداد ضراوة كلما طال الاحتلال، التي تتطلب توفير كل الإمكانات التي تصب في تحقيق أهدافها الوطنية والمشروعة.

لقد مثَّلت غزة، سواء بجولات القتال أو الحروب التي تقودها مع دولة الاحتلال الصهيوني، ظاهرة بشرية فريدة، وحدثاً عالمياً عجيباً في تأثير وقائعها وردود الفعل تجاه تلك الوقائع، التي كانت غزة فيها نموذجاً أسطورياً في المقاومة الفلسطينية من جهة، والمشروع الصهيوني والغربي الاستعماري العنصري الاستيطاني وأتباعه من جهة أخرى، ذلك النموذج الذي خاطب الضمير العالمي والشعور الإنساني بطريقة متفردة وسط ضجيج الهيمنة الصهيونية، والردع الصارم للأنظمة العربية، وتفتيت الشعور والانتماء العربي لقضية فلسطين وأبناء العروبة والعقيدة وشركاء الدم.

المواثيق الدولية

زد على ذلك الهرولة العربية المصحوبة بالعصا الأمريكية لعدم المساس بدولة الكيان أو انتقادها، بل تشجيع التطبيع معها، والمرونة والانفتاح عليها، والتماهي معها تجنباً لويلاتها، والتنازل مقابل ذلك عن الحق العربي في فلسطين، متجاهلين دورها في قتل الشعب الفلسطيني، وتهجيره بالمجازر دون مراعاة للحق الفلسطيني ولا احترام للقانون الدولي الإنساني، وشيطنة المقاومة التي هي حق كفلته لها كل القوانين الدولية التي تختفي عندما يتعلق الأمر بدولة الاحتلال الصهيوني التي تتمتع بغطاء دولي غربي أمريكي.

وفي حين تكفل المواثيق الدولية والقرارات الأممية حق الشعب الفلسطيني في المقاومة، بشتى الطرق، بما فيها المقاومة المسلحة، تضع هذه المواثيق الغرب في موقف محرج؛ إذ يتباهون بأنفسهم كحماة للقوانين، في حين ينكرون على الفلسطينيين حقهم الشرعي، ويغضون الطرف عن جرائم الحرب التي تقوم بها دولة الكيان ضد الفلسطينيين؛ قيادة وشعباً، الذين ما لبثوا يؤكدون دوماً شرعية دفاعهم عن أرضهم، بما في ذلك مقاومتهم المسلحة، ولهم الحق في ذلك، ليس فقط من المنطق الأخلاقي، بل من منطق القانون الدولي والقرارات الأممية، كما ورد في المادة الثانية من إعلان حقوق الإنسان والمواطن، الصادر في 26 أغسطس 1789م، الذي ينص على أن «مقاومة القمع هي حق أساسي، وللفلسطينيين حق المطالبة به».

من ناحية أخرى، يعد حق تقرير المصير حقاً ثابتاً في القانون الدولي، ومبدأ أساسياً في ميثاق الأمم المتحدة، التي جاء في قرارها رقم (1514)، في 14 ديسمبر 1960م، لإعلان منح الاستقلال بصفة صريحة أنه «لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدد بحرية مركزها السياسي وتسعي بحرية إلى تحقيق إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي».

ويشمل هذا الحق القضية الفلسطينية، وهو ما يؤكده القرار الأممي (3236)، بتاريخ 22 نوفمبر 1974م، الذي نص على أن الأمم المتحدة «تعترف بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقاً لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه، وتناشد جميع الدول والمنظمات الدولية دعم الشعب الفلسطيني في كفاحه لاسترداد حقوقه، وفقاً للميثاق».

منطلقات المقاومة للتحرر

وتنطلق المقاومة الفلسطينية للتحرر من عدة منطلقات، أولها: الأيديولوجية الدينية العقدية المتعلقة بالإعداد المادي والمعنوي والعسكري بكل ما تستطيع من أجل استعادة الأرض، وطرد المحتل؛ انطلاقاً من قول الله تعالى: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: 60). 

وثانيها: محاكاة النموذج التحرري الذي حققته الشعوب العربية التي قاومت الاستعمار الإنجليزي والفرنسي حتى نالت حريتها، واستعادت أرضها وكرامتها، التي بدون المقاومة لما كان لها ما أرادت من العزة والكرامة والحرية. 

وثالثها: التمسك بالحق الثابت الذي كفلته الأعراف الدولية والقوانين التي تحفظ حقوق الشعوب في مقاومة الاستعمار من أجل التحرر وتقرير المصير، حتى وإن اختلت تلك القوانين والموازين لصالح دولة الاحتلال، التي تساندها أمريكا وتعطل كل القوانين لصالحها في مجلس الأمن والأمم المتحدة، أو المسارعة في دعمها وحمايتها واستخدام القوة والردع لكل من يعارضها من الدول العربية أو الإسلامية التي تساند القضية الفلسطينية.

وفي الوقت الذي تجد فيه دولة الاحتلال كل الدعم المادي والمعنوي من حليفتها الإستراتيجية أمريكا، بل من الغرب الأوروبي عامة؛ تواجه المقاومة الفلسطينية العديد من التحديات التي تقف عائقاً أمامها، تتمثل في عداء بعض الأنظمة العربية لها، واعتبارها إرهاباً ووبالاً على الشعب الفلسطيني! متناسين أن اليهود لا يعرفون إلا لغة القوة، وأن أكثر صفاتهم هي الغدر وعدم الوفاء بالوعود والعهود، وأن علاقتهم بالعرب قائمة على المصالح دون إغفال العداء معهم. 

وكذلك تنصل الأنظمة العربية من دعم ومساندة محور المقاومة في فلسطين؛ سياساً ومادياً، بل أكثر من ذلك حاولت العديد من الأنظمة العربية وصم المقاومة الفلسطينية بـ«الإرهاب»، وسلبت حقها في الدفاع عن نفسها في مقاومة المحتل، واعتبرت ذلك تعدياً على حقوق دولة الاحتلال، وجمدت كل منابع الدعم عنها، وحاربت كل من يدعمها مادياً، وحظرت كل المؤسسات التي تقدم الدعم لها، وطاردت كل شخص يؤيدها ويناصرها سياسياً ومادياً، وجمدت حساباتها المالية.

ومها يكن من أمور سابقة، تبقى المقاومة الفلسطينية عنوان الشعب الفلسطيني في الدفاع عن قضيته العادلة، ورأس الحربة في معادلة الصراع العربي الصهيوني، وإن خذلها بعض أبناء العروبة وشركاء الهدف والدم؛ لأنها أدركت منذ أن انطلقت أنه «ما حك جلدك مثل ظفرك»، وأنه لن يعيد الأرض إلا أصحابها حتى وإن كلفهم ذلك شلالات من الدماء، التي ستكون عنواناً للنصر، وإيذاناً ببزوغ شمس التحرير؛ (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً) (الإسراء: 51).

بعد الإعلان عن هدنة إنسانية.. هل ركع الكيان الصهيوني أمام «حماس»؟

الإعلام العبري: الهدنة فشل إستراتيجي للعقيدة العسكرية «الإسرائيلية» وركوع أمام «حماس»

«بن غفير»: الهدنة خطوة خطيرة ستؤثر على الأمن القومي لـ«إسرائيل»

«سموتريش»: تكلفة الحرب اليومية على غزة تزيد على 246 مليون دولار

د. خالد سعيد

لمدة تزيد على أسبوعين كاملين، تناقلت وسائل الإعلام العبرية أخباراً بشأن إتمام صفقة لتبادل الأسرى مع حركة «حماس»، إلا أنه فجر الأربعاء 22 نوفمبر 2023م، تم الإعلان عن التوصل لاتفاق هدنة إنسانية ووقف إطلاق نار مؤقت لمدة 4 أيام بين الحركة والكيان الصهيوني.

ووصفت وسائل الإعلام «الإسرائيلية» اتفاق الهدنة بـ«الناجح» لفصائل المقاومة الفلسطينية أمام «إسرائيل»، مشيرة إلى أنه بمثابة فشل إستراتيجي للعقيدة العسكرية «الإسرائيلية»، و«ركوع» أمام حركة أو منظمة فلسطينية صغيرة، في العدة والعتاد، ممثلة في «كتائب القسام»، الذراع العسكرية لـ«حماس».

بعد 46 يوماً كاملة، تغلبت حركات المقاومة الفلسطينية على الكيان في كسر حالة الحرب الصهيونية المستمرة منذ 7 أكتوبر الماضي، خاصة بعدما أجبرت تلك الحركات الكيان الصهيوني على الدخول في هدنة إنسانية، وإملاء شروطها على «تل أبيب»، فيما يتعلق بعدد أيام الهدنة نفسها، التي تتراوح بين 4 - 5 أيام، وعدد الأسرى وأسمائهم، إذ يشمل الاتفاق وقفاً لإطلاق النار من الطرفين، فضلاً عن وقف كل الأعمال العسكرية للجيش الصهيوني في القطاع، ناهيك عن تعطيل آلياته العسكرية في غزة أيضاً.

ورغم تباين أعداد وأسماء الأسرى الصهاينة لدى الفصائل الفلسطينية في وسائل الإعلام العبرية، قبيل الإعلان عن تلك الهدنة، فإن معادلة 3 أسرى فلسطينيين أمام أسير صهيوني واحد، حيث سجَّل هذا الاتفاق حلقة مفصلية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، إذ يعد الأول من نوعه، من حيث الاتفاق على هدنة إنسانية وتبادل أسرى أثناء دوران رحى الحرب نفسها، ولم تشهد «تل أبيب» في تاريخها منذ نشأتها، في العام 1948م، أن تبادلت أسرى خلال الحرب، وليس بعد الانتهاء منها.

ووافقت حكومة «بنيامين نتنياهو» على إطلاق سراح 150 أسيراً فلسطينياً (نساء وأطفال) مقابل 50 أسيراً صهيونياً (نساء مدنيات وأطفال)، في تصويت غير مسبوق، إذ شهدت جلسة الحكومة، في 21 نوفمبر، مشاحنات حامية الوطيس، حيث رفض «بتسلإيل سموتريش»، وزير المالية رئيس حزب «الصهيونية الدينية»، ومعه «إيتمار بن غفير»، وزير الأمن القومي رئيس حزب «عوتسما يهوديت/ قوة يهودية»، الاتفاق بقوة، في وقت هدد بعض أعضاء حزب «سموتريش» بتقديم استقالتهم حال الموافقة على الاتفاق، إلا أن رغبة «نتنياهو» في تحقيق نصر «زائف»، وبناء على رغبة شخصية وسياسية خاصة به، على حساب الصهاينة جميعاً، باستثناء حزب «الليكود» الحاكم الذي يؤازره في أغلب قراراته، حتى لا يطولهم التحقيق المفترض إجراؤه فور الانتهاء من الحرب.

حدث إستراتيجي

الهدنة الإنسانية التي تم الإعلان عنها، في 22 نوفمبر، وصفتها القناة الـ«12» العبرية بأنها حدث إستراتيجي لـ«حماس»، فيما اعتبرها «بن غفير» خطوة خطيرة ستؤثر على الأمن القومي لـ«إسرائيل»، وهو ما انضم إليه «سموتريش» من أن تلك الصفقة سيئة لـ«إسرائيل» والجيش، مضيفاً أن الحركة الفلسطينية حصلت على ما تريد من نجاحات، تتعلق بتحرير الأسرى الفلسطينيين من السجون «الإسرائيلية»، وتعاطف المجتمع الدولي تجاه القضية الفلسطينية، وتوجيه الأنظار نحو فلسطين بعد حالة موات استمرت عقوداً، ناهيك عن إظهار وجه «إسرائيل» القبيح أمام العالم، واعتبارها دولة محتلة تمارس الإرهاب والقمع بحق الشعب الفلسطيني صاحب الأرض، بعدما صدَّر هذا الكيان لسنوات عدة فكرة المظلومية و«معاداة السامية».

الغريب أن «نتنياهو» اعتقد خلال اقتحامه لـ«مجمع الشفاء الطبي» بغزة بأنه سيجد الأسرى «الإسرائيليين» في أنفاقٍ أسفله، وأنه سيجد قيادات «حماس»؛ السياسية والعسكرية أيضاً، يرفعون الراية البيضاء أمام آلياته العسكرية! ولكنه لم يجد شيئاً سوى خيبة الأمل، ووقع في خديعة مجمع الشفاء، ما حدا به إلى الخضوع لإملاءات وشروط «حماس» والفصائل الفلسطينية، والخنوع للتوقيع على الاتفاق التاريخي.

والثابت أن بعض أعضاء حزب «الليكود» قد اعتبروا أن مثل هذا الاتفاق يعد «ركوعاً» أمام «حماس»، ولكنهم، في نهاية المطاف وافقوا على الهدنة الإنسانية، ليسطر التاريخ ملحمة جديدة للمقاومة الفلسطينية أمام الآلة العسكرية الصهيونية.

ولم تكتف المقاومة بذلك، بل شددت، في بيان، على أن أصابعها على الزناد، والاستمرار في مقاومة المحتل الصهيوني، حتى الانتهاء من الحرب الدائرة على غزة.

فاتورة الحرب على غزة

وإذا اعتبرنا أن الاتفاق مع «حماس» بشأن الهدنة الإنسانية خسارة سياسية وعسكرية لـ«إسرائيل»، فإن هناك خسائر اقتصادية تتكبدها «تل أبيب»، بمرور الوقت، حيث أشارت صحيفة «ذا ماركر» الاقتصادية العبرية إلى خسارة الكيان الصهيوني حوالي 9 مليارات شيكل (ما يعادل 2.4 مليار دولار شهرياً)، في حربه على غزة، فيما انكمش الاقتصاد بنسبة 11% على أساس سنوي، خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الجاري. 

ولم يفت «سموتريش» (وزير المالية) أن يؤكد مراراً أن تكلفة الحرب اليومية على القطاع تزيد على 246 مليون دولار، رغم اتفاقه المسبق مع «نتنياهو» على إعادة ميزانية جديدة للعام 2024م، وتمرير ميزانية عسكرية جديدة، بناء على مجريات الحرب في غزة، مقارنة بأرقام متضاربة مع صحف عبرية أخرى، قدَّرت تكلفة الحرب بما يزيد على 20 مليار دولار، مع نهاية العام الجاري.

على أن تتضاعف تلك الميزانية في ظل مغادرة العمالة الأجنبية الكيان، رغم أن هناك أنباء تواترت عن اتفاق صهيوني مع الحكومة الهندية يقضي بجلب حوالي 50 ألف عامل في مجال البناء والتشييد إلى البلاد، في حالة من التضارب؛ عوضاً عن العمالة الفلسطينية التي سيتم الاستغناء عنها، على خلفية إطلاق عملية «طوفان الأقصى».

ويجب الأخذ في الاعتبار أن خسائر الحرب الاقتصادية على الكيان ترتفع وتتفاقم كلما زادت أيام الحرب؛ في وقت قدَّرت بعض وسائل الإعلام العبرية أن فاتورة تلك الحرب، التي لا تزال مستعرة، ستصل إلى 150 مليار شيكل (حوالي 40 مليار دولار)، وهو رقم قابل للزيادة، خاصة إذا أضفنا أن هناك تعويضات للمستوطنين الذين تم نقلهم إلى «مدينة الخيام» والفنادق، وتشكيل لجان حكومية خاصة لإعادة مستوطنات غلاف غزة، وكذلك تعويضات للعمالة المتوقفة عن العمل، والمقدرة بعشرات الآلاف، والمصانع المغلقة، فضلاً عن مرتبات جنود الاحتياط أنفسهم المشاركين في الحرب، وعددهم 360 ألف جندي.

  • صور مختلفة لأسلحة كتائب القسام من المقليعة والرشاش والصواريخ وقذائف الياسين 

إنجازات المقاومة الفلسطينية على طريق التحرير

«طوفان الأقصى» رفعت الوعي وأعادت فلسطين إلى رأس أولويات الشعوب

المقاومة الفلسطينية راكمت على تجاربها في صراعها مع الاحتلال الصهيوني

علي إبراهيم

باحث في شؤون القدس

من أشهر الأناشيد التي سمعناها صغاراً مقطع يقول «المقليعة صارت رشاش»، وهي تمثل إصرار الفلسطيني على تحويل كل ما لديه من أدوات لمواجهة المحتل، حتى تحولت هذه الكلمات إلى هدف ضمني للمقاومة، وبكل تأكيد لم تقف عند الرشاش فقط، بل تجاوزت ذلك بكثير، 

وقد حفلت معركة «طوفان الأقصى» بالعديد من المفاجآت، لم تقف عند الدخول البطولي إلى الأراضي المحتلة، في 7 أكتوبر 2023م، بل تتابعت المنجزات الجليلة بالتوازي مع التضحيات الكبيرة، واستطاعت من خلالها أن تصد قوات الاحتلال، وتكبده الخسائر الفادحة، وأسهمت في رفع الوعي العربي والغربي، وأعادت فلسطين إلى رأس أولويات هذه الشعوب.

راكمت المقاومة الفلسطينية على تجاربها في صراعها مع المحتلّ، ولم يكن الإعلان عن الكتائب في عام 1992م إلا جزءاً من هذه المراكمة، وقد أولت «كتائب القسام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، أولوية للتصنيع العسكري، وهو ما يُظهر وعياً إستراتيجياً في سيرورة الصراع مع الاحتلال، ففي عام الإعلان عن «القسام»، أعلنت عن مسدس من طراز «غولدستار»، وفي العام التالي صنعت نسخة للسلاح «الإسرائيلي» «عوزي»، ولم ينحصر هذا التصنيع بالأسلحة الخفيفة فقط، فقد أعلنت «القسام» في عام 2000م عن مدافع «الهاون» من عيارات مختلفة.

وتُعد صواريخ المقاومة بلا ريب أبرز أسلحتها، التي مكنت المقاومة من أن تضرب قلب الأراضي المحتلة، وأن تجبر المستوطنين على الدخول إلى الملاجئ بالتوازي مع أي تصعيد مع القطاع، وأعلنت الكتائب عن صاروخ «القسام» عام 2000م، وقد شهدت كل الحروب مع القطاع إبداعات جديدة، والإعلان عن صواريخ بمديات تصل إلى أطراف الأراضي المحتلة، وقد تابعنا في المعركة الحالية، كيف أعلنت المقاومة عن العديد من الأسلحة، في البر والبحر ومضادة لطائرات الاحتلال، وقد استخدمت المقاومة قذيفة «ياسين 105» المضادة للدروع كواحدة من أبرز الأسلحة التي تصد عبرها التوغل البري، ولكن السلاح الأقوى هو المجاهد الذي يحمل القاذف بإيمانه وتوكله وقوته.

الضفة الغربية «عرينيّة» تقلق المحتل:

يمكن أن نصف المقاومة في الضفة بأنها جمرٌ تحت الرماد، على الرغم مما قامت به «السلطة» طيلة السنوات الماضية، من تنسيق أمني وقمع متواصل للمقاومة، فإن الأخيرة استطاعت الصمود على الرغم من الضربات المتتالية، ومن أواخر تجلياتها ظهور مجموعات المقاومة في قلب المدن في الضفة الغربية، وتحولها إلى «عرينٍ» لها، وكانت في مقدمة هذه المجموعات «كتيبة جنين»، التي ظهرت في سبتمبر 2021م، وقد حاولت أذرع الاحتلال ضرب الكتيبة أكثر من مرة. 

وعلى غرار «كتيبة جنين» ظهرت مجموعة مسلحة في مدينة نابلس، أُطلق عليها ابتداءً «كتيبة نابلس»، إلا أنها عرفت لاحقاً بـ«عرين الأسود»، ظهرت في بداية عام 2022م، واتخذت من البلدة القديمة بمدينة نابلس معقلاً لها، ثم ظهرت مجموعات أخرى في طولكرم ومخيم نور شمس وغيرها، وإلى جانب تكوينها العابر للفصائل، تشكلت هذه المجموعات من عناصر شبابية عرفت أهمية المقاومة، وشاركوا في تنفيذ العمليات رداً على جرائم الاحتلال في «الأقصى» واعتداءاته على الفلسطينيين، وما زالت هذه المجموعات تقض مضجع الاحتلال، وتقلق أمنه.

ثغرة في جدار المستحيل:

لم تكن آثار معركة «طوفان الأقصى» تقف عند حدود الإنجاز العسكري فقط، فقد استطاعت إحداث ثغرة في جدار الوضع الراهن، وصنعت المستحيل، ووضعت المسجد الأقصى في قلب المعركة، تأكيداً على دوره وأهميته، ولم تضع حداً لمحاولات إنهاء القضية الفلسطينية فقط، بل عملت على تحقيق جملة من الإنجازات على الصعد المعرفية والتربوية والإيمانية. 

فقد أعادت الأمة إلى فعل المواجهة بعد سنوات من تغييبها، وشكلت جزءاً من خطوات المقاومة نحو التحرير، ستكون آثارها دافعة للنهوض الحضاري للأمة، فمنذ اللحظات الأولى للمعركة سقطت مشاهد التفاهة في وسائل التواصل، وحلّ محلها الجديّة والاهتمام بالصراع، وعادت فلسطين إلى الجموع بكل ما تحمله من رمزيات وأفكار، ولم يعد الحديث عنها مقصوراً على نخب متضامنة، بل عادت لتلتحم مع الجماهير، وفي النقاط الآتية إطلالة على جملة من منجزات «طوفان الأقصى»:

فعلى الصعيد العربي، أنهت المعركة حالة الخوف من التضامن مع المقاومة، بعد سنوات من تكميم الأفواه، على إثر موجة التطبيع مع الاحتلال، فعادت الشعارات المعتادة إلى الميادين العربية والإسلامية، مؤكدين أن المقاومة هي الحل الوحيد لاستعادة الأرض، وشهدنا تصاعداً في الزخم الجماهيري العربي والإسلامي.

أما على الصعيد التربوي، فقد أعادت المعركة إحياء الرموز في النشء الجديد، حتى أصبح الملثم نموذجاً يحتذى به، يتابعه الفتيان قبل الشيوخ والكبار، فلم تعد الشخصيات السينمائية أو الكروية هي النماذج التي يقتدي بها شبابنا، فقد حلّ محلها نموذج المجاهد الذي يسطر البطولات، وبانت أهمية المحاضن التي خرّجت المقاوم القسَّامي، من المسجد والبيئة الحاضنة، وصولاً إلى القدوات، فعادت إلى الأذهان صور الياسين، والرنتيسي، وقادة المقاومة.

ولم تقف هذه الإنجازات عند حدود العالمين العربي والإسلامي فقط، بل امتدت إلى الغرب، إذ نتابع حالة منقطعة النظير من التضامن مع فلسطين، وكيف تخرج المظاهرات الضخمة رافعة أعلام فلسطين ومسقطة رواية المحتل، نعم لم يتغير المزاج السياسي الغربي حتى الآن، ولكن غزة ربحت الشعوب، بل لقد دفعت غزة وتضحياتها بالغربيين إلى التعرف على الإسلام، فغيّر الكثير نظرتهم إليه، وآمن به آخرون كثر، فكأن الدماء الزكية التي سالت في غزة، كانت منارة ليهتدوا بها إلى الإسلام، ومن ثمّ تعرف الملايين على مظلومية الشعب الفلسطيني، وتاريخ معاناته.

وفي سياق الحديث عن الإسلام في الغرب، فقد كان من آثار المعركة أن تحرك ما ركد في وجدان المؤمنين، فلم تعد الأسئلة تتعلق بسفاسف الأمور، ولم يعد المشككون بالدين يجدون لهم تجاوباً، إذ شهدنا عودة إيمانية صادقة، وقد كان الإيمان بمظلومية هذا الشعب، والإيمان بعدالة القضية روافع للإيمان بالله تعالى.

أخيراً، هذا غيض من فيض ما حققته غزة، وما أنجزته المقاومة، وفي كل واحدة منها تؤسس مساراً يقود إلى التحرير، من البندقية الأولى، وصولاً إلى الصوت الأخير؛ ما يجعل تحرير القدس و«الأقصى» أقرب من أي وقت مضى، وأن ما تقوم به المقاومة من إنجازات وتضحيات، تستلزم منا المزيد من العمل، علنا نستطيع مواكبة ما تحقق هذه المقاومة الباسلة، ونضرب معهم سهماً في صرح التحرير القادم لا محالة، فنحن أمام وعدين؛ وعد المحتل بالخسارة والبوار، ووعد العليّ الجبار القائل في كتابه العزيز: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً) (الإسراء: 7).

الرابط المختصر :