; إعجاز القرآن في رسائل النور (1 من 6) | مجلة المجتمع

العنوان إعجاز القرآن في رسائل النور (1 من 6)

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2011

مشاهدات 46

نشر في العدد 1963

نشر في الصفحة 18

السبت 30-يوليو-2011

يخبرنا بديع الزمان سعيد النورسي عن بداية اهتمامه بقضية إعجاز القرآن الكريم فيحكي حلما رآه في زمن بعيد وفي هذا الحلم يجيب على سائل سأله عن الإعجاز، فيذكر وجوهه المختلفة، يقول النورسي: «رأيت في الماضي فيما يرى النائم أنني تحت جبل «آرارات»، ثم انفلق الجبل على حين غرة، وقذف صخوراً بضخامة الجبال إلى أنحاء العالم، فهز العالم وتزلزل، وفجأة وقف بجانبي رجل، قال لي: بين بإيجاز ما تعرفه مجملاً من أنواع الإعجاز .. إعجاز القرآن».

القرآن معجز في اللغة العربية التي نزل بها ... ولذا لا يمكن ترجمته

يقول النورسي فكرت في تعبير الرؤيا وأنا مازلت فيها ، وقلت إن ما حدث من انفلاق مثال لما يحدث في البشرية من انقلاب، وسيكون هدى القرآن بلا ريب عاليا ومهيمنا في هذا الانقلاب، وسيأتي يوم يبين فيه إعجازه.

أجبت ذلك السائل قائلاً :

إن إعجاز القرآن يتجلى من سبعة منابع كلية، ويتركب من سبعة عناصر، ويسرد النورسي هذه المنابع التي يمكن تلخيصها فيما يلي:

المنبع الأول: سلاسة لسانه وفصاحة لفظه ولا يمل الإنسان من تكراره.

المنبع الثاني: الإخبار السماوي عن الغيوب في الحقائق الغيبية الكونية والأسرار الغيبية للحقائق الإلهية.

المنبع الثالث : للقرآن جامعية خارقة في لفظه ومعناه وأحكامه وعلمه ومقصده.. المنبع الرابع: بابه مفتوح لكل عصر ولكل طبقة من طبقاته، حتى كأن ذلك الكلام الرحماني ينزل في كل مكان في كل حين فكلما شاب الزمان شب القرآن وتوضحت رموزه.

المنبع الخامس : ينقل النقاط الأساسية للأخبار الصادقة كالشاهد الحاضر لها لينبه البشر، ألا إنه لمعجزة هذا الزمان أن تصدر مثل هذه الأمور النقلية من أمي.

المنبع السادس: مؤسس الإسلام ومتضمنه.. ولن تجد مثل الإسلام إن تحريت الزمان والمكان، لا في الماضي ولا في المستقبل.. إنه حبل الله المتين يمسك الأرض لئلا تنفلت.

 المنبع السابع: فإن الأنوار الستة المفاضة من هذه المنابع الستة يمتزج بعضها ببعض فيصدر شعاع حسن فائق ويتولد حدس ذهني، وهو الوسيلة النورانية، ويصدر عن هذا ذوق يُدرك به الإعجاز وطوال ثلاثة عشر قرنا من الزمان يحمل أعداء القرآن روح التحدي والمعارضة، وتولدت في أوليائه وأحبائه روح التقليد والشوق إليه، وهو ذاته برهان الإعجاز .. إن القرآن لا يقاس بسائر الكتب ولا يشبهها قطعا . بين كتاب إشارات الإعجاز واحداً من أربعين نوعا من ذلك الإعجاز، ولم تف مائة صفحة من تفسير لبيان نوع واحد (۱).

 الإعجاز وترجمة القرآن:

 والنورسي حين يضع هذا التصور النظري، أو رؤيته النظرية لإعجاز القرآن الكريم التي تبدو متسقة أو مرتكزة على جهود السلف الصالح من علماء الأمة في تفسير الإعجاز القرآني، فإن الواقع المعاصر يستنهضه ليواجه محاولات بعض خصوم الإسلام في رفضهم للإعجاز عن طريق الترجمة، ويعتقد أن الترجمة لا يمكن أن تقدم مسوغا لهؤلاء الخصوم وتثبت لهم أن القرآن غير معجز، فالقرآن معجز في اللغة العربية التي نزل بها ، ولذا لا يمكن ترجمته. ويحكي بديع الزمان النورسي قصة أو تجربة شخصية مع بعضهم على النحو التالي :

طرق سمعي قبل اثنتي عشرة سنة أن زنديقاً عنيدًا، قد فضح سوء طويته وخبث قصده بإقدامه على ترجمة القرآن الكريم فحاك خطة رهيبة للتهوين من شأنه بمحاولة ترجمته وصرح قائلا: ليترجم القرآن لتظهر قيمته ؟ أي ليرى الناس تكراراته غير الضرورية ! ولتتلى ترجمته بدلا منه إلى آخره من الأفكار السامة ... إلا أن رسائل النور بفضل الله قد شلت تلك الفكرة وعقمت تلك الخطة بحججها الدامغة بانتشارها الواسع في كل مكان، فأثبتت إثباتاً قاطعا أنه :

لا يمكن قطعا ترجمة القرآن ترجمة حقيقية.. وإن أية لغة غير اللغة العربية الفصحى عاجزة عن الحفاظ على مزايا القرآن الكريم وبلاغته اللطيفة.. وإن الترجمات العادية الجزئية التي يقوم بها البشر لن تحل - بأي حال - محل التعابير الجامعة المعجزة للكلمات القرآنية التي في كل حرف من حروفها حسنات تتصاعد من العشرة إلى الألف، لذا لا يمكن مطلقاً تلاوة الترجمة بدلا منه.

بيد أن المنافقين الذين تتلمذوا على يد ذلك الزنديق ؛ سعوا بمحاولات هوجاء في - سبيل الشيطان ليطفئوا نور القرآن الكريم بأفواههم، ولما كنت لا ألتقي أحدا، فلا علم لي بحقيقة ما يدور من أوضاع، إلا أن أغلب ظني ما أوردته آنفا هو السبب الذي دعا إلى إملاء هذه المسألة العاشرة رغم ما بي من ضيق (2 ) .

 ويطرح النورسي في سياق الإعجاز القرآني مقارنة طريفة وذكية تكشف عمق الأدب القرآني، وإنسانيته، وعطائه السخي لمن يتأدب بأدب القرآن المعجز على العكس من معطيات الأدب الغربي الذي يروج له الغربيون بحكم قوتهم، وهيمنتهم على العالم، فنرى أدبهم يقود إلى الكذب والفجور والسقوط، بينما أدب القرآن الكريم يمنح الإنسان قيم الحق والجمال والحسن المجرد وهاهي المقارنة كما يقدمها النورسي:

الأدب الغربي :

وبلا خجل ولا حياء ! .. وضع الأدب الأجنبي لسانا كاذبا في فم البشر .. وركب عينا فاسقة في وجه الإنسان، وألبس الدنيا فستان راقصة ساقطة. 

فمن أين سيعرف هذا الأدب الحسن المجرد ؟ 

حتى لو أراد أن يُري القارئ الشمس؛ فإنه يذكره بممثلة شقراء حسناء.

 وهو في الظاهر يقول: «السفاهة عاقبتها وخيمة، لا تليق بالإنسان .... ثم يبين نتائجها المضرة.

إلا أنه يصورها تصويراً مثيراً إلى حد يسيل منه اللعاب، ويفلت منه زمام العقل، إذ يضرم في الشهوات، ويهيج النزوات.. حتى لا يعود الشعور ينقاد لشيء (3) ...

الهوامش

  1. الملاحق في فقه دعوة النور، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، ط ۲ ، دار سورزلر، القاهرة ١٤١٦ هـ = ١٩٩٥م (ملحمة قسطموني ۱۸۳-۱۸۷).
  2. الكلمات، ترجمة إحسان قاسم صالحي، ط ۲، دار سوزلر للنشر، القاهرة ١٤١٢هـ = ١٩٩٢ م ص ٥٣٩ والمسألة العاشرة التي يشير إليها النورسي تتعلق بموضوع التكرار في القرآن الكريم والرد الشافي المقنع على من يعيبونه وسماها رسالة الثمرة ( زهرة اميرداغ).
  3.   الملاحق في فقه دعوة النور، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، ط ۲ دار سورزلر، القاهرة ١٤١٦ هـ = ١٩٩٥م.

(ملحمة قسطموني - ۱۸۸)

الرابط المختصر :