العنوان قراءات فى مشروع الاتفاق الفلسطيني – "الإسرائيلي"
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1993
مشاهدات 59
نشر في العدد 1066
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 14-سبتمبر-1993
● لماذا يرفض
الفلسطينيون اتفاق «غزة - أريحا أولاً»؟
إن أغلبية الشعب الفلسطيني يعارض الاتفاق من
حيث جوهره؛ لأنه لا يستجيب لأي من مطالبهم في التحرير والاستقلال والعودة، حتى
الذين كانوا يحلمون بدويلة فلسطينية في أريحا لم تعطهم "إسرائيل" إياها،
وبإمكانها قانونيًا أن ترجع عن «انسحابها»، إن لم تثبت السلطة قدرتها على حفظ
النظام الذي "لإسرائيل" كافة الحق والمرجعية في تعريفه، ولكن الاتفاق
يعني أن يعطي الفلسطينيون ثقتهم لإسرائيل، ويقبلوا بتقسيم صفهم في مواجهتها، فمن
ترغب "إسرائيل" له بالبقاء ترضى عنه قوات الشرطة، ومن لا ترغب به
"إسرائيل" فسوف يكون خارجًا على النظام، وسوف تقوم الشرطة الفلسطينية
باعتقاله أو ضربه أو تسليمه لإسرائيل، وهذا سيكون ضروريًا؛ لقمع المتشددين
المتطرفين أعداء السلام، بمعنى آخر سيكون من حق "إسرائيل" تحديد الذي
يهدد «السلام»، وسوف يكون على قوات الشرطة اعتقاله أو تسليمه.
بالرغم من أن الاتفاق يتطرق لكل ما يتخوف منه
الصهاينة، فلا يسمح بصلاحيات لها تأثير على كل تخوفات المستقبل من طرف العدو، إلا
أن الطرف الفلسطيني ترك بلا أي ضمانات ولا استجابة لأي من مطالبة الدنيا،
فالمستوطنات تظل تابعة "لإسرائيل"، وكذلك الضفة الغربية والقدس الشرقية،
وكذلك الحدود والأمن الخارجي والقضاء. أما بلغة العسكريين، فإن ما سيتم هو عزل غزة
من جهة وأريحا من جهة أخرى ومحاصرتهما من قبل قوات الاحتلال، وإن أي تقدم في تنفيذ
حتى مشاريع التنمية -التي كلها آمال ووعود على ورق- سيرتبط بمقدار ما تقمع القوة
الفلسطينية معارضي حل القضية الفلسطينية بالحكم الذاتي، وبعد أن تكون قوات الشرطة
قد ضربت كل المعارضين للحكم الذاتي، فكيف ستتملك القوة الأخلاقية للمناداة بدولة
فلسطينية، بل إن المناداة بدولة فلسطينية سيكون مخالفًا للقانون؛ لأن
"إسرائيل" ستقول للجانب الفلسطيني: إن التفاوض بشأن الدولة سيكون في
مرحلة أخرى.
وعندما تأتي المرحلة الثانية من المفاوضات،
فقد تتعذر "إسرائيل" -كما ألمح بيلين مهندس الاتفاق- بعدم استقرار
النظام، وحتى على فرضية أن الساحة قد خلت من المعارضين، فهناك طبقة العملاء -وعددهم
25 ألفًا حسب أحد التقديرات- التي يمكن أن تستخدمها "إسرائيل" في إثارة
الاضطراب، ثم التعلل به كحجة لعدم التقدم في التطبيق، وإن لم يكف العملاء، فهناك
المستعربين من الوحدات الخاصة "الإسرائيلية"، وهناك احتمال اغتيال عرفات
نفسه بعد أن يكون قد أدى الدور المطلوب منه.
● الانتقادات الرئيسية للاتفاق بين عرفات
"وإسرائيل"
1- إن معنى الاتفاق هو قبول الفلسطينيين بحكم
ذاتي داخل دولة "إسرائيل".
2- ستكون "إسرائيل" هي الطرف الذي
يحدد مصير الشعب الفلسطيني والأراضي المحتلة.
3- لا يوجد أي ضمان بأن "إسرائيل"
ستبقى منسحبة من غزة وأريحا، فالأمر لها متى شاءت ترجع، وهذا ما عبر عنه يوسي
بيلين أحد مهندسي الاتفاق من الجانب الصهيوني لصحيفة لوس أنجلوس تايمز في
2/9/1993م؛ حيث قال: «إن الاتفاق يتوقف على قدرة السلطة الفلسطينية على منع
الهجمات ضد إسرائيل».
4- لو جاء الليكود بعد ثلاث سنوات، فلا يوجد
أي ضمانات دولية تلزم "إسرائيل" بالمضي في مباحثات المرحلة النهائية، أو
أن ترضى بأي تعديل جوهري على ما حصل من ترتيبات.. إن الأمم المتحدة التي يمكنها أن
توفر مثل هذه الضمانات بعيدة عن الاتفاق؛ حيث لم تقبل "إسرائيل"
بحضورها.
5- لو تخلت "إسرائيل" عن
التزاماتها، فلن تكون قد خالفت أي اتفاقيات دولية، أو انتهكت مواثيق الأمم
المتحدة؛ لأن الأمم المتحدة -أو أي قانون دولي- ليست هي المرجعية لهذا الاتفاق،
لقد قال الليكوديون: إنهم غير ملزمين بالاتفاق، وهم على حق من الناحية القانونية؛
لأن الاتفاق هو صفقة بين رسميين من م. ت. ف (فتح) ورسميين في وزارة الخارجية
"الإسرائيلية"، وقد وافقت عليه الحكومة "الإسرائيلية"، ولكن
لم تصادق عليه "إسرائيل" كدولة ممثلة في الكنيست، وعلى الأرجح فلن يوافق
عليه الكنيست؛ لأن الصفقة لا تعد اتفاقًا مع دول أخرى، بل هي فئة ستمنح حكم من
تسميهم "إسرائيل" سكان المناطق، الذين يخضعون لسيادتها.
6- في المحصلة النهائية تنازل الفلسطينيون
بموجب هذا الاتفاق عن حقهم في الضفة الغربية مقابل انسحاب من «غزة وأريحا» ناقص
السيادة والسلطة إلا من قوة شرطة محلية؛ لحفظ الأمن، والاحتمال الأرجح أن يكون هذا
هو الوضع النهائي للأراضي المحتلة، وما يعزز ذلك هو رد بيريز على الصحفي الأمريكي
في اليوم التالي لإعلان الاتفاق عندما سأله عن احتمال تحول «غزة - أريحا أولاً»
إلى «غزة – أريحا أخيرًا»، قال بيريز: «ولو كان الأمر كذلك، فماذا لدى
الفلسطينيين، إنهم لا يملكون شيئًا».
7- إن أحد الاستحقاقات المطلوبة بموجب هذا
الاتفاق هو أن يتسلط طرف فلسطيني على طرف فلسطيني آخر، وهذا معناه إراقة الدماء
وإزهاق الأرواح الفلسطينية، والطرف "الإسرائيلي" سيغذي السلطة التي تقوم
بالقمع تحت شعار «حفظ الأمن والنظام».
ينص الاتفاق على أن القوات التي ستأتي من
الخارج سيتم تدريبها في "إسرائيل" كضباط وشرطة، أي إن
"إسرائيل" ستخرجهم كضباط وشرطة تابعين لها، وبذلك يكون عرفات أو من
يعينه قائدًا ضابط شرطة تابع "لإسرائيل" بموجب هذا الاتفاق من الناحية
الرسمية والقانونية وسيلجأ لها "الإسرائيليون" لابتزاز المواقف منه ومن
غيره من هؤلاء الضباط والشرطة، وبالرغم من أنهم سيتركون له في الحقيقة والواقع هامشًا
أكبر من الحركة والصلاحيات، وسيعلن نفسه رئيسًا فلسطينيًا، إلا أن هذه البهرجة
التي تعود ياسر عرفات عليها لن تغير من حقائق الأمور شيئًا، ولن تؤدي إلا إلى خداع
الناس البسطاء، في حين تحقيق الصهاينة لأملهم في ضرب فتح وحماس ببعضهم في الداخل
مستغلين هوس عرفات في حب الزعامة.
إن قوات الشرطة ستكون من فريقين: من الخارج
القوات الفلسطينية، أما من الداخل ستكون -على الأرجح- من الشرطة القديمة، وغالب
الأمر سيكون فيها عملاء، ولذلك فهي خليط غير متجانس، أما الشارع الفلسطيني فسوف
يقسم الشرطة إلى فريقين: وطني، وآخر تابع للشرطة "الإسرائيلية"، فهو
الذي سينفذ أوامرها، أما الوطني فلن يكون أمامه إلا الانشقاق إذا قرر تخليص ضميره
من الإثم، وبالتالي فسوف ينضم للمطاردين الفلسطينيين، أو يعمل كما تملى عليه
الأوامر، ويصبح تابعًا للشرطة "الإسرائيلية" يأتمر بأمرها.
إن «حفظ النظام» -كما تفهمه
"إسرائيل"- سيعني القضاء على كل من يعارض الاتفاق، وحتى كل من سيتظاهر
ضد استمرار الاحتلال "الإسرائيلي"؛ لأنه بمفهوم "إسرائيل"
ستكون هي النظام الذي يتظاهر المتظاهرون ضده، ولذلك ستطالب قوات الشرطة بتنفيذ
الأوامر في حفظ النظام، وبالمقابل سوف يخشى زعيم الحكم الذاتي أن يظهر أمام العالم
أن شعبه لا يريده، ولذلك سيلجأ للقمع القهري عن طريق الحكام العرب (الشاذلي في
الجزائر قتل 500 متظاهر في أسبوع، بينما قتلت "إسرائيل" هذا العدد في
ثلاث سنوات من المظاهرات المنتشرة في الضفة والقطاع)، وذلك لأن المسألة بالنسبة
لعرفات ستكون مسألة حياة أو موت كنظام، ولذلك سيكون من صالحه إنهاء المعارضة بأقصى
سرعة ممكنة، أما في حالة القوات الصهيونية، فالنظام الصهيوني لا يخشى على نفسه من
البقاء أو عدمه، بل الأمر متعلق بضبط متظاهرين يستخدمون الحجارة.
واشنطن-
المجتمع
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل