; علوم الحديث وأثرها في بناء الحضارة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان علوم الحديث وأثرها في بناء الحضارة الإسلامية

الكاتب عبدالرحمن رمضان

تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2011

مشاهدات 139

نشر في العدد 1963

نشر في الصفحة 38

السبت 30-يوليو-2011


لقد كان لعلوم الحديث أثراً كبيراً في بناء الحضارة الإسلامية، وذلك أن أي حضارة في الدنيا قامت على محور تدور حوله وتبنى أركانها وأسسها عليه كالحضارة الغربية التي قامت على تقديس المادة قديماً وحديثاً، والحضارة الإسلامية كان المحور الأساسي الذي بنيت عليه هو النص، فقد عنيت الأمة ممثلة في علمائها بالنص الشريف الإلهي عناية فائقة، وابتكرت من العلوم لصيانته ما لا يحصى كثرة، فهناك علوم الآلات التي - وضعت الحماية النص من التحريف كعلوم النحو والصرف والأصول والبلاغة وعلوم مصطلح الحديث، وهناك علوم الإفهام والتفهيم كالفقه والتفسير، فضلا عن العلوم الأخرى التي كان المقصد الأول منها خدمة النص.

وعلم مصطلح الحديث يختلف عن بقية العلوم التي ابتكرتها الأمة لخدمة النص وذلك لأنه يعتبر هو المعبر الأول الذي نستطيع من خلاله أن نتثبت من صحة النص، فنقبله أو نرفضه، وإذا دخل النص في حيز القبول جاء دور بقية العلوم. 

ومن هنا عنيت الأمة به أيما عناية وامتد أثره في حضارة الأمة، وبدأ يتغلغل في منظومة العلوم الإسلامية، فانتقل من حيز التثبت في الرواية إلى نقل القراءات القرآنية، وأحكام القراءة والتجويد وأصبحت القراءات تنقل بالأسانيد، حتى . إن الإمام ابن الجزري جمع للقراءات العشرة أكثر من ألف طريق من كتابه «طيبة النشر في القراءات العشر».

 وكذلك أصبحت كتب التاريخ تروي الوقائع والأحداث بالأسانيد كما فعل الطبري في تاريخ الرسل والملوك»، فكذلك الروايات التفسيرية راح الطبري يجمع ما عن له من أقوال الصحابة والتابعين في تفسير القرآن، ثم نقله بأسانيده عن شيوخه عن هؤلاء الصحابة والتابعين بل وكتب الأدب عنيت بذلك أيضاً، كما عند ابن قتيبة في «عيون الأخبار»، وأبي الفرج الأصفهاني في «الأغاني»، وكذلك امتد الأمر إلى كتب الفكاهة والمزاح، كما فعل أبو الفرج ابن الجوزي في أخبار الحمقى والمغفلين حين ساق تلك الأخبار بالأسانيد .

ومن خلال ذلك يتضح الأثر العظيم الذي أحدثته علوم الحديث في منظومة العلوم الإسلامية، حتى صار الإسناد سمتا عاما ساريا في سائر فنون الشريعة وعلومها وآدابها ، يحرص عليه أرباب العلوم مهما اختلفت مناحيها .

يقول الشيخ أحمد شاكر في تقدمته الجامع الترمذي (۱-۷۳) : ولو ذهب الباحث المتثبت يطبق قواعد الرواية في كل مسألة لا إثبات لها إلا صحة النقل فقط، لأتته ثمرتها الناضجة، ووضع يده على الخبر اليقين.

قلت : ومما هو جدير بالذكر أن التوثيق انتقل من المرويات إلى الكتب التي ألفها الناس لخدمة النص الشريف، ونشأ كعلم قائم بذاته يسمى بالأثبات والمسانيد، وأصبحنا لا نقرأ كتابا إلا بعد التأكد من نسبته إلى صاحبه نسبة صحيحة بالسند المتصل، وقد رأينا العلماء الكبار يذكرون أسانيدهم إلى الكتب التي سمعوها وقرؤوها كالحافظ ابن حجر الذي صنف كتاباً بعنوان «الفهرست»، وابن خير الأشبيلي والشوكاني وغيرهم من الحفاظ الكبار.

 وبهذا يتضح أن الإسناد الذي هو ثمرة من ثمار علوم الحديث الممتد أثره في شتى النواحي العلمية للحضارة الإسلامية وأصبح خصيصة من خصائص الأمة الإسلامية، لا يشارك المسلمين فيها غيرهم ..

الرابط المختصر :