العنوان ملوك الآخرة (8).. اللين
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 23-مايو-2009
مشاهدات 59
نشر في العدد 1853
نشر في الصفحة 55
السبت 23-مايو-2009
تناولنا في العدد الماضي «التواضع» كمعنى من معاني «الهون»، ونتناول في هذا العدد «اللين»، كمعنى من أرق وأجمل معاني «صفة الهون»، التي هي صفة رئيسة من صفات ملوك الآخرة...
معنى اللين:
عندما تقرع أسماعنا كلمة «اللين» - يتبادر للذهن مباشرة معاني الليونة - والنعومة والرقة والجمال والشفافية والملمس الناعم.. وهي كما قال الراغب اللين ضد الخشونة، ويستعمل ذلك في الأجسام، ثم يستعار للخلق وغيره من المعاني، فيقال: فلان لين، وفلان خشن وكل واحد منهما يمدح به طورًا، ويذم به طورًا بحسب اختلاف المواقع (۱).
أقسام اللين:
وينقسم اللين إلى ثلاثة أقسام:
١- لين القول: ويعني التلطف في الحديث مع الناس.
٢- ولين القلب : ويعني رقته، وخشيته من الله عز وجل.
3- ولين المعاملة ويعني الرفق في معاملة المقصرين والتماس العذر لهم (٢).
أولاً: لين القول: فالداعية الذي يتصف بصفات ملوك الآخرة التي من أوائلها ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)﴾(سورة الفرقان: الآية 63)، لابد له أن يلين بالقول مع الناس، يترك الخشن من القول فيختار أجمل العبارات، وأرق الكلمات وما لا يؤذي ويجرح مشاعر الناس ويبتعد أشد الابتعاد عن اللفظ القبيح والمستهجن من الناس، وما لا يليق بسمت الدعاة والصالحين وإن لم يكن حراماً وخاصة السب والشتيمة والبذاءة ويختار من الكلمات والعبارات ما لا يشعر السامع لها أنها تصدر من متكبر مغرور ومن أمثلة ذلك ما أمر به الله تعالى موسى وأخاه هارون عليهما السلام بلين القول للطاغية فرعون: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45)﴾(سورة طه: الآيات 43 44 45) ، يقول شيخ القصيم عبد الرحمن السعدي يرحمه الله: «قولاً لينا أي سهلاً لطيفًا، برفق ولين وأدب في اللفظ من دون فحش ولا صلف ولا غلظة في المقال، أو فظاظة في الأفعال وقد فسر القول اللين في قوله: فقل ﴿ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)﴾(سورة النازعات: الآيات 18 19) فإن في هذا الكلام من لطف القول وسهولته، وعدم بشاعته ما لا يخفى على المتأمل.. فإنه أتى بـ «هل» الدالة على العرض والمشاورة، التي لا يشمئز منها أحد، ودعاه إلى التزكي والتطهر من الأدناس، التي أصلها التطهر من الشرك الذي يقبله كل عقل سليم، ولم يقل: «أزكيك» بل قال: «تزكى» أنت بنفسك، ثم دعاه إلى سبيل ربه الذي رباه وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة التي ينبغي مقابلتها بشكرها (۳) »، وإذا كان هدف الدعاة إلى الله من ملوك الآخرة هو تعبيد الناس لله حتى يكونوا أحباءه، وينتسبون على الدوام إلى زمرة «عباد الرحمن»، فإنه لا يهمهم إلا الوصول إلى هذا الهدف، وإن أصابهم ما أصابهم أثناء الطريق، ولذلك فإنهم يسلكون أيسر الطرق التي يقبلها أصحاب المناكر، وتنساب إلى قلوبهم دونما اعتراض، فلم يجدوا أفضل، ولا أيسر من اللين..
يقول الأستاذ سيد قطب يرحمه الله: «فالقول اللين لا يثير العزة بالإثم ولا يهيج الكبرياء الزائف الذي يعيش به الطغاة، ومن شأنه أن يوقظ القلب فيتذكر ويخشى عاقبة الطغيان». (4)
الصوت اللين بل يختار حتى درجة الصوت اللينة، ويترك درجة الصوت العالية المفزعة البعيدة عن الانفعال خاصة إذا كان الحديث في المجالس، ولا يحتاج الداعية لرفع الصوت كخطيب الجمعة، أو التجمعات الكبيرة من الناس لقد انتبه الحكيم لقمان لهذه القضية وأدرك أن علو الصوت يتعارض مع لين الكلام، ولا يتناسب مع صفة اللين» التي يتبعها ملوك الآخرة في إيصال رسالتهم للمدعوين، فنصح ابنه بقوله ﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)﴾(لقمان: الآية 19)، هذه النبرة الصوتية الدافئة الحنونة يشعر سامعها أنها تخرج من قلوب تحبهم، وتتمنى الخير لهم، خلاف تلك النبرة العالية التي يشعر سامعها أنها تخرج من قلب متكبر متعجرف، يريد أن يتعالى عليهم بعلمه أو بعبادته، أو تخرج من قلب حاقد غليظ.
يقول سيد قطب يرحمه الله والغض من الصوت فيه أدب وثقة بالنفس واطمئنان إلى صدق الحديث وقوته، وما يزعق أو يغلظ في الخطاب إلا سيئ الأدب، أو شاك في قيمة قوله، أو قيمة شخصه، يحاول إخفاء هذا الشك بالحدة والغلظة والزعاق! (5).
---------------------------------------
الهوامش
(1) المفردات للراغب ص ٤٥٧ .
(۲) نضرة النعيم ۳۲۹٦/٨ ط. دار الوسيلة .
(۳) تفسير الكريم الرحمن للشيخ السعدي٢٣٤/٣ ط. دار المدني.
(4) في ظلال القرآن ٤ ٢٣٣٦ ط دار الشروق.
(5) في ظلال القرآن ٢٧٩٠/٥ .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل