; ملوك الآخرة.. مواكب الخائفين (۳) | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة.. مواكب الخائفين (۳)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 24-أكتوبر-2009

مشاهدات 58

نشر في العدد 1874

نشر في الصفحة 55

السبت 24-أكتوبر-2009

تناولنا في العدد السابق نماذج من عباد الرحمن الخائفين من السؤال يوم القيامة، وفي هذا العدد نكمل نماذج أخرى من الخائفين من النار.

عيناه لا تجفان كان ذكر النار يزيدهم خوفًا، حتى جعل عيونهم لا تجف من البكاء، فرقًا من الله أن يدخلهم النار، فقد قال أحدهم للتابعي الجليل يزيد بن مرشد: مالي أرى عينك لا تجف؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت عسى الله عز وجل أن ينفعني به قال يا أخي إن الله عز وجل توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار، والله لو لم يتوعدني أن يسجنني إلا في الحمام لكنت حريًا ألا تجف لي عين(1).

إنه يرى نار الدنيا وما فيها من الحرارة التي تلتهم الغابات بدقائق، وتصهر الحديد وتقتل الآلاف في لحظات، فكيف بنار الآخرة والتي تساوي تسعة وستين ضعفًا من نار الدنيا ويتخيل نفسه أنه يقذف فيها، فيدعوه ذلك للخوف والبكاء.

يبكي لأيام 

أما التابعي الصغير الزاهد العابد عطاء السلمي، فقد كان له منهج آخر في البكاء خوفًا من النار، فقد روى أنه كان إذا بكى بكي ثلاثة أيام بلياليها، وكان يقول لصاحبه واعظ البصرة الزاهد صالح المري يا صالح إذا ذكرت جهنم ما يسعني طعام ولا شراب (۲)، وقيل إنه بكي حتى عمش، وربما غشي عليه عند الموعظة (۳)، ومن شدة خوفه، أنه كما جاء في ترجمته أنه شيع جنازة، فغشي عليه أربع مرات(4).

قد يقول قائل عندما يقرأ مثل هذه المواقف أين هؤلاء في عصرنا، لقد انقطعوا منذ عصر التابعين؟، وأقول لا ينقطع هؤلاء أبدًا حتى يوم القيامة، ولا تنطفي جذوة القرآن في نفوس المؤمنين إلى نهاية الدنيا فقد رأيت في حياتي من الوعاظ من يبكي ويبكي المصلين، ولا أدل على ذلك من الشيخ حسن طنون(5) يرحمه الله الذي كان يغلب عليه الخوف والبكاء فيبكي ويبكي من يستمع إليه، وآخرون من مواكب الخائفين في كل عصر وجيل.

دموع على الحصير 

وجاء في ترجمة الإمام القدوة سعيد بن عبدالعزيز مفتي دمشق أبو محمد التنوخي قول إسحق بن إبراهيم، كنت أسمع وقع دموع سعيد بن عبد العزيز على الحصير في الصلاة. وقال أبو عبد الرحمن الأسدي قلت لسعيد بن عبد العزيز: ما هذا البكاء الذي يعرض لك في الصلاة؟ فقال: ما قمت إلى صلاة إلا مثلت لي جهنم(6).

ولهذا السبب، كانوا يخشعون في صلاتهم، ويشعرون بلذة الخشوع، وحلاوة الإيمان. 

ابن غسيل الملائكة 

كان عبد الله بن حنظلة (غسيل الملائكة) رضي الله عنهما شديد الخوف من النار، فتلا رجل عنده هذه الآية ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾(الأعراف: 41)، فبكى حتى ظنوا أن نفسه ستخرج ثم قال: صاروا بين أطباق النار، ثم قام على رجليه، فقال قائل: يا أبا عبدالرحمن، اقعد قال: منعني القعود ذكر جهنم، ولا أدري لعلي أحدهم(7).

حريق في بيت زين العابدين 

لقد غلب الخوف من نار جهنم كل خوف دونها، فقد شب حريق في بيت فيه علي بن الحسين (زين العابدين) وهو ساجد، فجعلوا ينادونه: يابن رسول الله النار، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل، ما الذي ألهاك عنها؟ قال لله النار الأخرى (٨).

إن سجوده وانخلاعه عن كل ما له صلة في هذه الدنيا، أنساه ما حوله، وإن كان الحدث حريقًا قريبًا منه مادام قد تعلق قلبه في شيء أعظم من نار الدنيا.

شيخ الشام 

الإمام الأوزاعي جاء في ترجمته أنه كان إذا ذكر النار لم يقطع ذكرها، ولم يستطع أحد أن يسأل عن شيء حتى يسكت (9). 

في الموكب عابدات

كانت آمنة بنت أبي الورع من العابدات الخائفات، وكانت إذا ذكرت النار قالت: أدخلوا النار، وأكلوا وشربوا من النار، وعاشوا ثم تبكي وكانت كأنها حبة على مقلى، وكانت إذا ذكرت النار بكت وأبكت (١٠).

ذكرها منعهم النوم

وقد غلب على بعضهم ذكرها حتى منعهم النوم، فقد جاء في ترجمة فقيه اليمن العالم القدوة طاووس عن أبي سليمان الداراني كان طاووس يفترش فراشه، ثم يضطجع عليه فيتقلى كما تقلى الحبة على المقلى، ثم يثب فيدرجه ويستقبل القبلة حتى الصباح ويقول: طير ذكر جهنم نوم العابدين(11) بل كان إذا رأى منظرًا من الدنيا يذكره بنار جهنم لا يهنأ ذلك اليوم، فقد جاء عنه أنه كان إذا رأى تلك الرؤوس المشوية، لم يتعش تلك الليلة(12) ومر برواس (١٣) قد أخرج رأسًا فغشي عليه (14).

هذا غيض من فيض من مواكب الخائفين عند ذكر النار.

الهوامش

(۱) صفة الصفوة ٢٠٥/٤.

(۳٫۲) سير أعلام النبلاء ٨٧/٦، ط. الرسالة.

(٤) المرجع السابق ٨٨/٦

(٥) شيخ سوداني جاء الكويت في منتصف الستينيات حتى توفي فيها في بداية الألفية الثالثة.

(٦) سير أعلام النبلاء ٣٤/٨

(۷) التخويف من النار لابن رجب ۳۳، ط. ابن

زيدون

(8,9) المرجع السابق، ص ١٣٥. 

(١٠) المرجع السابق، ص ١٣٦ 

(۱۱) المرجع السابق، ص ۳۹.

(۱۲) سير أعلام النبلاء ٤٠/٥، ط. الرسالة. 

(۱۳) الرواس هو الذي يقطع رؤوس الماشية ويشويها للبيع

(١٤) سير أعلام النبلاء ٤٠/٥

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2173

112

الثلاثاء 01-نوفمبر-2022

نظرات اقتصادية في سورة البقرة (6)

نشر في العدد 36

117

الثلاثاء 17-نوفمبر-1970

ساعة مع وزير العدل..

نشر في العدد 282

91

الثلاثاء 13-يناير-1976

جلسة مع ابن قيم الجوزية