العنوان ملوك الآخرة: قيام الصحابة (٢من٢)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 15-أغسطس-2009
مشاهدات 69
نشر في العدد 1865
نشر في الصفحة 53
السبت 15-أغسطس-2009
تناولنا في العدد السابق اهتمام الصحابة رضي الله عنهم
بصفة قيام الليل تأصيلًا لصفة عباد الرحمن فيهم، ونستكمل في هذا العدد ما بدأناه
في العدد الماضي.
عائلة تعشق الليل
إنها عائلة الصحابي الجليل أبو هريرة، فعن أبي عثمان
النهدي قال: «تضيفت أبا هريرة سبعًا، فكان هو وامرأته وخادمه يقسمون الليل ثلاثًا،
يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا، ثم يوقظ هذا»(١).
فهو لا يكتفي بالقيام، ونيل لذة المناجاة وحده، بل ينقل
هذا الاهتمام إلى أهل بيته وحتى خادمة.
صاحب مزمار داود
وكما جرى مع ابن مسعود رضي الله عنه عندما مر النبي ﷺ ورآه يقيم الليل في المسجد، وحدث مثل ذلك مع صحابة
آخرين في بيوتهم، منهم الصحابي الجليل صاحب الصوت الندي أبو موسى الأشعري، فقد مر
رسول الله ﷺ ذات ليلة وأبو موسى يقرأ في بيته، ومع النبي
ﷺ عائشة رضي الله عنها، فقاما فاستمعا
لقراءته، ثم إنهما مضيا، فلما أصبح لقي أبا موسى النبي ﷺ فقال له: «يا أبا موسى، مررت بك البارحة ومعي عائشة، وأنت تقرأ في بيتك، فقمنا
فاستمعنا لقراءتك»، فقال أبو موسى: يا نبي الله أما إني لو علمت بمكانك لحبرت لك القرآن
تحبيرًا(٢).
يا له من شرف عظيم أن يستمع الرسول ﷺ لقراءة ذلك الصحابي الجليل، وواضح أن ذلك الصحابي ما
كان يقصد من رفع صوته أن يستمع الناس إليه خارج البيت ولكنه هكذا كان مجتمعا
إيمانيا يعبق الإيمان من جوانبه، وتنساب عطوره من البيوت إلى خارجها ليعطر الأجواء،
وقد كان هذا الأمر منتشرا في بيوتات الصحابة، ولم يكن مستغربًا؛ لأن غالبية الصحابة إن لم يكن جميعهم جعلوا قيام الليل
جزءًا من حياتهم.
تستمع
إليه الملائكة
لقد
بلغ من علاقاتهم الربانية، وتعلقهم بقيام الليل أن الملائكة تحضر للاستماع
لقراءتهم في الليل.. فقد جاء عن الصحابي الجليل أبي سعيد الخدري: «أن أسيد بن
حضير، بينما هو ليلة يقرأ في مربده(٣) إذ جالت فرسه(٤) فقرًا، ثم جالت أخرى، فقرأ،
ثم جالت أيضاً. قال أسيد: خشيت أن تطأ يحيى(٥)، فقمت إليها، فإذا مثل الظلة(٦) فوق
رأسي، فيها أمثال السرج، عرجت في الجو حتى ما أراها. قال: فغدوت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، بينما أنا البارحة من جوف الليل أقرأ في مربدي،
إذ جالت فرسي. فقال رسول الله ﷺ: «اقرأ ابن حضير!»، قال: فقرأت. ثم جالت أيضا. فقال رسول الله ﷺ: «اقرأ ابن حضير» قال: فقرأت. ثم جالت أيضًا فقال رسول الله ﷺ: «اقرأ ابن حضير» قال: فانصرفت،
وكان يحيى قريبًا منها، خشيت أن تطأه، فرأيت مثل الظلة، فيها أمثال السرج عرجت في
الجو حتى ما أراها، فقال رسول الله ﷺ: «تلك الملائكة كانت تستمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس، ما
تستتر منهم»(٧).
«الهوامش»
(*) رئيس
جمعية بشائر الخير الكويتية.
(1)
سير أعلام النبلاء ٢/٦٠٩.
(۲)
رواه أبو يعلى: وقال في مجمع الزوائد فيه خالد بن نافع الأشعري وهو ضعيف، ويقويه
رواية مسلم أن رسول الله ﷺ قال له: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة» «مسلم ٢٣٦، باب استحباب
تحسين الصوت».
(۳)
الموضع الذي يجفف فيه التمر.
(٤)
أي وثبت.
(5)
ابنه.
(٦)
السحاب ما يقي من الشمس.
(۷) رواه مسلم ٢٤٢.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل