العنوان ملوك الأخرة (٤) الصفة الثالثة: الهون
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 25-أبريل-2009
مشاهدات 60
نشر في العدد 1849
نشر في الصفحة 55
السبت 25-أبريل-2009
تناولنا في العدد الماضي أبرز أسول الاختلاط بالمدعوين ونتناول في هذا العدد إكمالاً لصفات ملوك الآخرة، صفة الهون.
يذكر تعالى بأن من صفاتهم انهم ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ [ سورة الفرقان: 63] فما الهون يقول الإمام القرطبي ، إما أن يكون المراد صفة المشي وحده فباطل، لأنه رب ماش هونا رويدا وهو ذنب أطلس أم يكون معناها كما رجح الإمام القرطبي من المصدر الهين وهو السكينة والوقار، يمشون على الأرض حلماء متواضعين يمشون في اقتصاد والقصد التؤدة وحسن السمت من أخلاق النبوة كما قال تعالى في نصيحة لقمان لابنه ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾
[ سورة لقمان: 18] ، وفي آية ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾
[ سورة الإسراء: 37]: حيث يذكر ابنه بصفة رئيسة من صفات الدعاة لا ينجحون إلا بها، وهي التواضع لله سبحانه وتعالى، يمشون على الأرض وهم يتذكرون أنهم خلقوا من هذه الأرض، وأنهم سيعودون حتما لها يوما من الأيام، ينظرون إلى التراب وكيف أهين؟ وكيف سجد لله؟ فيسجدون لله على هذه الأرض يتذكرون أنهم سيعودون يوما في جوف هذه الأرض وتأكلهم الديدان وبقية الدواب: فلمان الكبرياء؟ ولماذا الترفع على الناس ماداموا جازوا من هذه الأرض؟ يسجدون على هذه الأرض، ويتواضعون لمن خلقوا من هذه الأرض مهما أوتوا من العلم والمناسب والألقاب وأشير إليهم بالبنان واشتهروا بين الناس فإنهم لا يترفعون عليهم. وكلما زاد الدار الله زاد تواضعاً لله سبحانه وتعالى، ومن تواضع لله رفعه ومعنى آخر للمشي الهون هو اللين والسكينة والوقار من غير كبر وبطر، هذه مشيتهم لا يرفعون وجوههم ولا رؤوسهم ولا يتعالون على الناس، ولا يرفعون الصدور كأنهم منتفخون أو كأنهم من طينة خلقت من غير الأرض. هكذا يذكر لقمان ابنه: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾
(*) رئيس جمعية بشائر الخير الكويتية
[ سورة لقمان: 18] فليس معنى الشرح هذا هو الضحك والسعادة، إنما المقصود بذلك الكبرياء، أي أنك لن تخرق الأرض عندما تتكبر وتترفع على الناس فمهما ترفعت وملكت من المال والمناصب والألقاب الدينية والاجتماعية فلن تخرق الأرض ولن تكون أمثول وأعلى من الجبال ولن تبلغ الجبال طولاً، أي أنك ستبقى إنساناً، تبقى مخلوقاً صغيراً، وهناك من المخلوقات من هم أعظم منك بالخلقة حيث يقول الرسول ﷺ « أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، رجلاء في الأرض السفلي، وعلى قرته العرش، وبين شحمة أذنيه وعائقه خفقان الطير سبعمائة عام. يقول ذلك الملك سبحانك حيث كنت» "٢ . ما هذا المخلوق العظيم الذي أذن للنبي ﷺ أن يتحدث عنه، فمن يكن الإنسان أمام هذه المخلوقات العظيمة أمام الأجرام والمجرات والكواكب والشموس؟ ماذا يكون الإنسان غير نطفة بل هو أقل من ذرة. إذا عندما يتذكر الإنسان هذه المخلوقات العظيمة وعظمة الله سبحانه وتعالى وقدرته ويتذكر أنه مخلوق من هذه الأرض وسيعود إليها، وسيذوب فيها، لا يتكبر في مشيته. ومن معاني المشي الهون لهؤلاء الملوك هو تعاملهم مع الناس بالتواضع واللين والرفق والتسامح والعفو، فتتناسب صفة مشيهم على الأرض بصفاتهم السلوكية مع الله والخلق يقول النبي ﷺ «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه» (۳)
وصفة الرفق علامة مبكرة من علامات الخيرية فقد روى الإمام أحمد قول الرسول ﷺ:«من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير»٤ ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير هذه إحدى رايات الداعية التي يضعها نصب عينيه يتذكرها على الدوام، إنها صفة دعوته إلى الله سبحانه وتعالى وصفة دعوته للناس وتعبيدهم إليه، وصفة سلوكه معهم، وكلما كانت صفة العنف والشدة والغلظة في الداعية كان ذلك سببا في تنغير الناس منه حيث قال: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [ سورة آل عمران: 159] وما أجمل ما علق سيد قطب يرحمه الله – على هذه الآية حيث قال فالناس في حاجة إلى كنف رحيم وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة، وإلى ود يسعهم. وحلم لا يضيق يجهلهم وضعفهم ونقصهم، في حاجة إلى قلب كبير، يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء، ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه ويجدون عنده دائماً الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضا، وهكذا كان قلب رسول الله . لقد وفق قطب – يرحمه الله – في تحديد هذه الصفات للداعية الرحيمة
الهوامش
(١)تفسير القرطبي، ۱۷۸۵/۷، ط/دار الثقافة
(۲) رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني ( ص ج ص ٨٥٣)
(۳) – رواه مسلم (٢٥٩٤)
(4) رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني ( ص ح ص ١٠٥٥)
(5) في ظلال القرآن ٥۰۱/۱ ط دار الشروق