; مليلة تستنجد بالعرب والمسلمين | مجلة المجتمع

العنوان مليلة تستنجد بالعرب والمسلمين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1987

مشاهدات 101

نشر في العدد 827

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 28-يوليو-1987

● إسبانيا تقول: لا بد من احتلال ثغور شمال المغرب لحماية إسبانيا!!!
● المستعمرون الإسبان بدأوا بتنفيذ سياسة القضية الجديدة في مليلة.
شهدت مليلة، في الأشهر القليلة الماضية، أحداثا خطيرة تمثلت بالخصوص في مواجهات دموية بين سكانها العرب المسلمين وقوات البوليس والجيش الإسباني من جهة وغلاة المستوطنين الإسبان من جهة ثانية، وهذا الفصل من الصراع بين الهوية المغربية العربية المسلمة والهوية الإسبانية أخرج قضية سبتة ومليلة من ظلمة النسيان إلى دائرة النور وواجهة الأحداث والقضايا العربية والإسلامية وإذا كان اغتصاب فلسطين يمثل أبشع صورة للاستعمار الاستيطاني فإن اقتطاع المستعمرين الإسبان لسبتة ومليلة واستيطانهم فيهما على مدى خمسة قرون ثم محاولتهم في السنوات الأخيرة تصفية البقية الباقية من سكانهما المسلمين سواء عن طريق الطرد أو التجنيس لا يختلف في شيء عما حدث ويحدث في فلسطين المحتلة. لقد اتضحت نوايا الحكومة الإسبانية الحالية بقيادة فيليب فنزاليس بأسبنة جيبي سبتة ومليلة والجزر الجعفرية من خلال ترديد عدة مسؤولين إسبان بأن سبتة ومليلة إسبانيتان، وبعد ما أقر البرلمان الإسباني، في يوليو 1985، قانونا يعرف بقانون تسوية وضع الأجانب، والذي اعتبر سكان سبتة ومليلة الأصليين أجانب، ومنذ ذلك الوقت استشعر مسلمو سبتة ومليلة الخطر الذي يتهددهم بفعل هذا القانون، فعقدت الاجتماعات، ونظمت المظاهرات، ورفعت الاحتجاجات، وقد ساعد مسلمي مليلة إن وجدوا في شخص عمر محمدي دودوح زعيما ينظم صفوفهم ويوحد كلمتهم ويوضح مراوغات المستعمر وأهدافه الخبيثة، فانطلق هذا المحامي الشاب، الذي تخرج من جامعة مالقا إسبانيا والذي يتكلم الإسبانية بطلاقة يكشف نوايا المستعمرين في التخلص من مسلمي سبتة ومليلة وطمس الهوية العربية الإسلامية لهذين الجيبين وعندئذ عمد المستعمرون كالعادة إلى المناورة حيث وعدوا بإعادة النظر في «قانون الأجانب» وفي هذه الأثناء عملوا على شق صفوف المسلمين وخلخلة وحدتهم بزرع المشبوهين والعملاء بينهم، وتغذية الخلافات والحزازات من أجل إحباط نضالهم المشروع في الدفاع عن حقوقهم وتفويت الفرصة لضم أراضيهم وتكريس الأمر الواقع.
هذه السياسة الإسبانية خلقت زعامات موالية لها في سبتة ونصبت ممثلين للسكان المسلمين ليسوا في الحقيقة سوى دمى في يد الحاكم العسكري الإسباني كما استطاع الإسبان أن يلعبوا على النعرات والجهويات ففرقوا في سبتة بين الجبلي «نسبة إلى منطقة جبالة» والريفي «نسبة إلى الريف» تمامامثلما فعل المستعمرون سابقا في المغرب العربي عموما عندما غذوا النزعة البربرية للتفريق بين العربي والبربري. وإذا كانت هذه السياسة الإسبانية قد نجحت إلى حد ما في سبتة فإنها لاقت فشلا ذريعا في مليلة وهذا ما يفسر التجاء المستعمرين الإسبان في «مليلة» إلى سياسة القبضة الحديدية في مليلة فغيروا مندوب إسبانيا فيها وأتوا بضابط شرطة متصلب يعتقد أن القوة ستمكن من تركيع السكان وتنفيذ المخطط القاضي بتذويب مسلمي مليلة ومن هنا تأزم الموقف وحمى الصراع فأرسلت إلى مليلة تعزيزات بوليسية وعسكرية ضخمة، ووقعت مصادمات عنيفة بين تلك القوات ومسلمي مليلة سقط فيها شهيد يدعى محمد حمو. وأكثر من أربعين جريحا وكانت بداية الاضطرابات هذا العام في يناير الماضي عندما رفض المواطن المغربي عبد الرحمن محمد أحمد التوقيع على وثيقة طرده من مدينة مليلة فاعتقل وعذب فسرى خبره بين أبناء مليلة سريان النار في الهشيم ومن هنا انطلقت الاضطرابات التي بدأت بمظاهرة قام بها الأطفال والنساء على ضوء الشموع وهم يقرعون الأواني المنزلية ليلا وكأنهم ينبهون إلى الخطر الذي يتهدد حياتهم ولقمة عيشهم في أرض آبائهم وأجدادهم كما تحولت فيما بعد جنازة قتيل البوليس الإسباني محمد حمو إلى مظاهرة سياسية عارمة جدد فيها المسلمون في مليلة تمسكهم بحقوقهم وبهويتهم ورفضهم قبول اعتبارهم أجانب على أرضهم.
وعلى أثر هذه الأحداث أصدر سكان مليلة بيانا تحت اسم «بيان اللجنة الشعبية للسكان المغاربة في مليلة المحتلة» جاء فيه بالخصوص أنهم:
-يدينون الاعتداءات الاستعمارية الوحشية على السكان المغاربة.
- يطالبون باستقالة مندوب إسبانيا ورئيس القوات الاستعمارية مانويل تيسبيدس.
كما يطالبون في هذا البيان من إخوانهم المسلمين أن يأخذوا حذرهم وأن يبقوا صفا واحدًا.
وقد ثارت ثائرة الإسبان بعد صدور هذا البيان بسبب ذكر «مليلة المحتلة» فشنوا حملات شعواء على أحياء المسلمين واعتقلوا عددا من الزعماء نقلوهم إلى سجن ماريا بإسبانيا، ولكن السلطات الإسبانية لم تستطع إلقاء القبض على عمر محمدي دودوح الذي فر إلى مدينة الناظور على بعد 12 كم. من مليلة واتخذها قاعدة للنضال والتعريف بقضية مسلمي مليلة وقد صرح دودوح أنه هرب من مليلة لأن حياته أصبحت في خطر وأنه يعتزم مواصلة النضال وتحمل المسؤوليات التي حملها إياه أبناء مدينة مليلة والجدير بالذكر أن السلطات الإسبانية حاولت في الصيف الماضي إغراء هذا المناضل الشاب بتعيينه وكيل وزارة الداخلية الإسبانية ظانة أنها بذلك ستبعده عن مليلة وعن هموم سكانها المسلمين ولكنه لم يقبل بهذا المنصب إلا بعد أن تشاور مع أعيان المدينة وأخذ موافقتهم وقد كانوا جميعا يريدون اختبار حسن نية الحكومة الإسبانية غير أن عمر محمدي دودوح لم يبق في هذا المنصب بمدريد سوى شهرين إذ تبين له أن الإسبان غير جادين في تحقيق مطالب سكان مليلة المسلمين والعدول عن تطبيق «قانون الأجانب».
إن عمر محمدي دودوح المطلوب للعدالة الإسبانية اليوم يرفع شعار العروبة والإسلام لحل قضية سبتة ومليلة، ويقول إن بحوزته أكثر من وثيقة على مغربية المدينتين ولكنه يصرح بأنه لا يريد أن ينوب عن الحكومة المغربية في حل هذه القضية الاستعمارية ولا بد أن يضطلع المغرب بدوره وأن يقع الحوار في هذا الشأن بين دولة ودولة. وأن ما يقوم به هو لا يعدو أن يكون تحسيسا على مستوى العالم العربي والإسلامي بالمظالم التي تسلط على المسلمين في سبتة ومليلة حيث ينظر إليهم الإسبان على أنهم مواطنون من درجة ثانية، بل على أنهم أجانب حسب «قانون الأجانب» الجديد.
وقد تحركت الحكومة المغربية على إثر ما شهدته مليلة من أحداث فأرسلت السلطات المغربية رسالة إلى الحكومة الإسبانية تعرض عليها فيها تشكيل لجنة مغربية إسبانية لبحث مشكلة سبتة ومليلة ولكنها لم تتلق أي جواب لأن الحكومة الإسبانية ما زالت تصر على اعتبار سبتة ومليلة إسبانيتان وما زالت متعلقة بقولة الملكة إيزابيل التي قالتها بعد طرد العرب من الأندلس وهي: «إنه لا بد من احتلال ثغور شمال المغرب لحماية إسبانيا» لكننا نقول إن الزمن قد تغير وأن إنجلترا رضخت للمارد الأصفر الذي يطالب بهونج كونج ولا مفر من أن تعترف بمغربية سبتة ومليلة وإذا كان المغرب يملك عدة أوراق للضغط على الحكومة الإسبانية وإجبارها على التخلي عن سياستها الاستعمارية في سبتة ومليلة مثل ورقة الجالية الإسبانية الكبيرة بالمغرب وورقة الصيد البحري حيث يعيش عدد كبير من الصيادين الإسبان على الصيد في المياه المغربية فهل تكفي الجهود المغربية منفردة لحل هذه القضية؟ لا شك أن الأمر يتطلب أولا قرارا مغربيا بخوض معركة استعادة ثغورها المحتلة والتي لا يراد فيها استعمال السلاح كما يتطلب بعد ذلك تحويل هذه القضية إلى قضية عربية إسلامية سيما وأن مسلمي مليلة يتطلعون إلى إخوانهم المسلمين وينتظرون دعمهم ودعم المغرب، بل ويستغيثونهم ويستنجدون بهم في هذه الظروف العصبية ولا شك أن ملف العلاقات العربية الإسبانية المتينة يوفر أكثر من ورقة ضغط في هذا الصدد.

الرابط المختصر :