; مناسبة اليوم الوطني.. بين مشاعر حب الوطن وممارسـات الابتذال | مجلة المجتمع

العنوان مناسبة اليوم الوطني.. بين مشاعر حب الوطن وممارسـات الابتذال

الكاتب حمد الإبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1989

مشاهدات 77

نشر في العدد 903

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 07-فبراير-1989

لماذا الإصرار من قبل وزارة التربية على الاحتفال بالعيد الوطني بهذا الأسلوب المتجاوز للضوابط الشرعية؟

 

أشارت الصحافة المحلية في 17 يناير الماضي إلى أن وكيل وزارة التربية المساعد للمعلومات والشؤون الطلابية قد أصدر قرارًا بتكليف مجموعة من مدرسات ومدرسي التربية البدنية بالقيام والإشراف على تدريب طالبات بعض المدارس على الفقرات التي ستشارك فيها المدارس في المهرجان الذي سيقام بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني الخامس والعشرين.

هذا الخبر فيما يعنيه من قيام الوزارة بتكرار عادتها السنوية في إقامة الحفل الراقص يستوجب مراجعة الحديث عن أسلوب التعبير عن الفرحة بحب الوطن، بل يستوجب إعادة النظر في معنى الوطنية وأسلوب التعبير عنها.

حب الوطن كما نعرفه

إن أحدًا لا ينكر أن حب الوطن غريزة فطرية في نفس الإنسان، فحيث ينشأ المرء وحيث يقضي طفولته وشبابه تكون الأرض التي يهواها الإنسان ويشتاق إليها متى ما ابتعد عنها.

وحب الوطن بهذا التصور قديم قدم الإنسان، وفي قصص الأنبياء في القرآن الكريم دليل على حب الأنبياء لقومهم وحرصهم عليهم وخوفهم من أن يضل هؤلاء القوم فيحل بالوطن العذاب، وعندما خرج المصطفى صلى الله عليه وسلم من مكة عند الهجرة وقف على شاهق من جبال مكة ونظر إليها قائلًا: «والله إنك أحب أرض الله إليَّ.. ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت».

وهذا الإطار من «الوطنية» أمر فطري محبب يقره الإسلام ويدعو إليه، ونحن إذا أحببنا وطننا فإنما نحبه وفق هذا المفهوم الذي يعني حب الخير والصلاح والهداية للوطن والحرص على أن يكون الوطن قطعة عزيزة من أرض الإسلام، وهو الوطن الكبير، وأن ينتشر بين أهل الوطن الهداية والصلاح ونصرة الدين وعزته وارتفاع أمره.

وقد حرصت الدول والأقطار في العصر الحديث على تعزيز مفهوم الوطنية وتكريسه في نفوس شعوبها، ومن الأمور التي انتشرت وتم الأخذ بها أن تقوم الدولة بتحديد يوم في السنة يصادف مناسبة عزيزة عليها لتجعله يومًا وطنيا للبلاد، وقد اختارت الكويت يوم 25 فبراير من كل سنة لهذا الغرض، واعتادت الكويت منذ الاستقلال على الاحتفال سنويًا بهذه المناسبة، والتي ستحل لهذه السنة بعد عشرين يومًا من الآن.

وخلال السنوات الماضية كان الاحتفال يتم بصور شتى فكانت تقام مهرجانات ومسيرات وعروض عسكرية في بعض الأحيان كما تقيم وزارة التربية حفلتها السنوية مشاركة الطلبة والطالبات إضافة إلى اهتمام الإذاعة والتلفزيون بحشد كمية كبيرة من البرامج والمواد الإعلامية بهذه المناسبة.

وهذه الصور المختلفة من الاحتفال بالمناسبة تجمع في مضمونها الجيد والسيئ والمفيد والضار المعبر عن مشاعر حب الوطن والمدمر لهذه المشاعر في الوقت نفسه، كما أن في هذه المناسبة كثيراً من الملاحظات والأمور السلبية في بعض الممارسات التي تتم باسم اليوم الوطني هي أبعد ما تكون عن الروح الوطنية الصادقة، وهو ما تحدثت عنه «المجتمع» مرارًا وفي مناسبات عديدة.

هل بالرقص فقط؟!

من أكثر ما يلفت الانتباه بهذا الصدد حفلة وزارة التربية التي كانت تتضمن سنوات طويلة عروضًا راقصة لطالبات المرحلة الثانوية وهي الحفلات التي كان يصورها التلفزيون وتعرض مرارًا وتكرارًا على الشاشة الصغيرة، وما زال التلفزيون يعرض هذه الحفلات رغم أن بعض الفتيات المشاركات قد كبرن الآن وأصبحن زوجات وربات الأسر بعضهن التزمن بالحجاب الشرعي، ولكن التلفزيون يصر على إحراج هؤلاء وأزواجهن إعادة عرض تلك الحفلات القديمة.

ونظرًا لجهود أهل الخير وأنصار الفضيلة، فقد منعت مشاركة طالبات الثانوية بهذه الحفلات وصدر قرار بمشاركة طالبات المدارس المتوسطة خلال السنوات الأخيرة، وهو أمر يتجاوز الحدود الشرعية كذلك، وقد أصدرت لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف بتاريخ 24/ 6/ 1981م فتوى شرعية بتحريم الرقص والاشتراك بهذه الحفلات لمن تزيد أعمارهن عن العاشرة، حسب إجماع جمهور الفقهاء في الشريعة الإسلامية.

ولا ندري لماذا الإصرار من قبل الوزارة على الاحتفال بالعيد الوطني بهذا الأسلوب المتجاوز للضوابط الشرعية والبعيد عن روح الوطنية الحقيقية التي تعني تراث الأجداد وتقاليدهم الرصينة.

هل عجزت وزارة التربية عن التعبير عن حب أبنائنا الطلبة للوطن بغير الرقص والغناء؟ أين النشاطات المدرسية الهادفة والنافعة؟ أين العروض الرياضية للشباب بهذه المناسبة؟ أين النشاطات الثقافية والمبتكرات العلمية؟

إن خطورة هذه الحفلات المبتذلة- إنما تغرس في نفوس النشء معاني منحرفة وخاطئة حول مفهوم الوطنية وأسلوب ممارستها كما أنها تهون في أنفسهم ضوابط الأخلاق العامة والعفاف والحشمة وتحرق صورة الرصانة والاتزان في المجتمع الكويتي.

المتاجرون بالمناسبة!

ومن السلبيات التي تشهدها مناسبة اليوم الوطني كل سنة هذا الإسفاف الجارف في برامج تلفزيونية وإذاعية تسيء إلى الوطن أكثر مما تفيده، ويقوم بإعدادها تجار المناسبات من كتاب هابطين ومعدي برامج سطحيين، ومن أبرز هذه المواد المعروضة ما يسمى بالأغاني الوطنية التي تجمع بين الكلمات الرديئة والألحان الصاخبة والأداء الممجوج والتي كرهها الناس ونفروا منها وبرغم ذلك يخرج علينا كل سنة المزيد منها.

هذه الأغاني الفاشلة جمعت بين قبح الأغاني الرديئة وبين تشويه معاني الوطنية بدعوى حب الكويت وعشق ترابها.. إلخ، كما أنها ساهمت وبشكل سيء في تكريس روح الإقليمية الضيقة وتشجيع فكرة الانعزالية عن المحيط العربي والإسلامي وهي فكرة خطيرة ومدمرة لشعب صغير مثل الشعب الكويتي.

لذلك، فإن الاحتفال باليوم الوطني قد فقد الكثير من معانيه الإيجابية وبسبب الفشل الإعلامي في تقديمه للجمهور فقد تحول اليوم الوطني إلى مناسبة مكرورة ومملة لدرجة أن المواطن قد أحجم عن التفاعل معها، وأصبحت الكويت تخلو من مواطنيها خلال عطلة اليوم الوطني الذين يفضلون الابتعاد عن الفوضى الإعلامية لهذا اليوم والسفر إلى الأقطار المجاورة للراحة والاستجمام.

إن الكثير يجب عمله لإعادة حب معاني الوطنية والاعتزاز بالوطن في إطارها الصحيح، وإذا أراد القائمون على الأمور تصليح المسار وإزالة هذا الخلل في ممارسة حب الوطن فإن هناك الكثير من البدائل الصالحة والمناسبة للتعبير عن معاني الوطنية بأفضل صورها.

الرابط المختصر :