; مناقشة لوضع المجتمع المسلم.. والخادمات الأجنبيات | مجلة المجتمع

العنوان مناقشة لوضع المجتمع المسلم.. والخادمات الأجنبيات

الكاتب وسام فؤاد

تاريخ النشر السبت 10-يناير-2004

مشاهدات 64

نشر في العدد 1584

نشر في الصفحة 60

السبت 10-يناير-2004

قيم الكرم لا ينبغي أن تكون على حساب قيم الفطنة فكل غريب يدخل لابد أن يكون له حدود لا يتجاوزها.

الإسلام جعل المجتمع كيانًا مترابطا بالتكافل والحِسبة وفروض الكفاية وحري بنا استحضار هذه الأسس عند استقدام العاملين لدينا.

الخادمات ذلك الخطر الداهم.. هكذا ارتفع الشعار.. رفعته صحف كبرى من صحف الخليج.. لقد اضطرت تلك الصحف إلى رفع الراية السوداء حيال هذا الصنف من العمالة بعدما تحولت تصرفات بعضهم إلى مسار شاذ يهدد الأسرة الخليجية خصوصًا والعربية والمسلمة عمومًا بخطر داهم.. ولعل هدف تلك الصحف إنجاز أمرين اثنين على الأقل:

توعية أرباب البيوت ورباتها من الخطر الكامن وراء استقدام هذا النوع من العمالة، إما بهدف غلق هذا الباب نهائيا من خلال منع استقدامهم.. وهو بديل متطرف بعض الشيء، أو لجعل أرباب البيوت يقظى الحواس حيال وجود هذه النوعية من العمالة في البيوت، أو لدفعهم ثالثًا لترشيد التعاطي معها على نحو ما سنرى وهو الرأي الذي أميل إليه.

تنبيه تلك العمالة إلى أن وجودها أضحى محل مراقبة ومراجعة، وأن تصرفاتها باتت محل فحص وتمحيص، وأن الحكومات وأرباب البيوت ليسوا على استعداد لجعل المجتمع مسرحًا لممارساتها التي خالط فيها العبث الجد، وبدأ المجتمع يعاني من جرائها ما ليس بالقليل الهين.

أيدينا على المشكلة

قبل أن نشرع في فحص المسألة من وجهة نظر الشرع علينا أن نضع أيدينا على المشكلة 

لنرى إن كانت تستحق هذه الوقفة أم أنها لا تعدو أن تكون مزايدة صحافية بهدف رفع معدل التوزيع، أو للتقرب المصطنع من اهتمامات الأسرة العربية بعامة والخليجية بخاصة.

كما أن صون مجتمعاتنا لن يكون بالتنكر لمشكلاتها وإنكار معاناتها، بل الأسلم أن نرى المشكلات بقدر من التفصيل يكشف عن تعقيداتها وتركيباتها المختلفة، ويوضح اختلاط الضار بالحميد فيها، ومن ثم يمكن التحرك المعرفة كيفية مواجهتها.

لقد كان المجتمع العربي المحافظ حتى عهد قريب يرفض الخوض علنا في مشكلات يعتبرها من عوراته، إلى أن استفحل خطرها، وسارعت الصحافة إلى نكء هذه الجروح، والشروع في إجراء حوار حولها.

وضع اليد على المشكلة لن يكون حديثًا جزافيًّا بدون أمثلة حية، بل إن الأمثلة وعرضها ستكون هي البسط الفعال للمشكلة بكل بشاعتها، مما يستدعي الوقفة التي تدعو إليها. أيًّا ما كان الحل في بساطته أو تعقيده، وأيًّا كان المستوى الذي يتناولها بالحل: حكوميًّا أو عائليًّا فرديًّا أو جماعيًّا.

بداية عرضنا سيكون المشكلة كبرى صادفت إحدى الأسر، إذ وفدت عليها خادمة آسيوية غير مسلمة، ولم يكن ثمة مكان لبيات الخادمة فاقترحت ربة الأسرة أن تنام في حجرة ابنتها. وأن يعتبر الجميع أنها ليست خادمة، وإنما ابنة لصاحبة البيت حتى أن الشائع أن تنادي الخادمة ربة البيت باسم ماما، ورب البيت باسم بابا بعد فترة أحست الأم أن بابنتها شيئًا غير طبيعي، وأنها في حالة إعياء شديدة، وعند الطبيب اكتشفت الأم أن الفتاة حبلى، ثم اختفت الخادمة بعد أن عرفت بتطورات الوضع وبالسؤال عنها عبر أجهزة الشرطة تبين أنها ذكر وليست أنثى، وأنه فعل ذلك لأن سوق الخادمات أكثر رواجًا من سوق العمال! 

قد يقول قائل إن هذه حالة استثنائية، لكنها تكررت في أكثر من دولة، ففي إحدى الدول الخليجية التي توظف الفتيات الآسيويات كمضيفات أرضيات في مطاراتها اكتشفت إحداهن أن زميلتها  في الغرفة رجل وليست امرأة.

وفي دولة أخرى ربما أسرفت ربة البيت على خادمة، فلما تذمرت الفتاة نهرتها الأم بشدة وكان لهذه الأم ابنة لم تتعد الأعوام السبعة، فما كان من الخادمة إلا أن وضعت قطعة لحم في زاوية المطبخ لتنتن ويملأها الدود، وكانت تضع دودتين يوميًا في فتحتي أنف البنت بدأت الأم تلحظ شحوب ابنتها، وذات يوم سمعت الأم ابنتها تتوسل للخادمة ألا تضع لها اليوم، ولما دخلت عليها فوجئت بالوضع، وسارعت بابنتها للطبيب الذي قال لها إن الدود ينخر في مخ ابنتها، وأنها لن تحيا سوى أيام، وعندما عادت الأم للبيت كانت الخادمة قد ذهبت بما استطاعت حمله.

وتلك ثالثة استدعتها الأخصائية الاجتماعية لتخبرها أن ابنتها المتفوقة تراجعت في دراسته فلما سألتها الأخصائية عن السبب انفجرت باكية كاشفة أن السائق الآسيوي الذي جلبه أبوها يأخذها كل يوم لمنطقة نائية ليمارس معه سلوكياته الشاذة بعد موعد المدرسة. كما تكررت الواقعة في علاقة بين السائق وابن إحدى الأسر لكن المشكلة في بعض الحالات كانت أكبر فإحدى الأسر عرفت بما يجري، وكانت المصيبة أن الأم أمرت ابنتها بعدم التحدث للأب لئلا يمنعهم من الخروج والتنزه بالسيارة مع السائق أو من سيخلفه.

وتلك رابعة خامسة سلمت ابنها الرضيع للخادمة الآسيوية، وتعلق بها الابن بشدة، وبعد رحيلها اندهش أفراد الأسرة وأصابهم الذهول وهم يشاهدون ابنهم الذي لم يتجاوز الرابعة من العمر يقوم بأداء بعض السلوكيات الجنسية أمامهم. 

وتلك خامسة اكتشفت فيها الأسرة أو خادمتهم تمارس الرذيلة مع بني قومها الذين يتنكرون في صورة صديقات لها. 

وسادسة كسبت مودة أهل البيت وكانت تستخدم الفيديو الخاص بالمنزل لمشاهدة الأفلام الإباحية مع زوجها، ولما شاهدتهما ابنة صاحبة البيت ذات مرة نجحت الخادمة في إغوائها.

وهذه سابعة أغوت شابا بالرذيلة حتى حملت منه، ثم استغلت الوضع لتبتز الأسرة. 

ولن نخوض في المشكلات النفسية للأطفال والزوجات الذين ضبطوا بعض أهليهم وهم يمارسون الرذيلة مع الخادمات.

ليسوا سواء

إن عرض المشكلة بالاقتصار على الجانب السابق ذكره فيه إخلال بالموضوعية اللازمة لعرض المشكلة والوقوف على طريقة علاجها، العمالة الأجنبية ليست سواء في إحداث الضرر. 

كما أن هذا التعميم يضر باقتصادات الدول التي تعتمد على العمالة المدربة الوافدة، وهذا ما نفعنا لتشريح القضية بغرض فهم أعمق لها:

أ- العمالة بين المصنع والبيت: يمكن بادئ ذي بدء أن نميز بين العمالة التي تتوجه ووضع الإنتاج أو التسويق، سواء أكان مصنعا أم متجرًا، والعمالة التي تتوجه إلى البيوت. فالضرر الاجتماعي الذي نتحدث عنه مُنصب على العمالة حتى تتجه للبيت هذا الصنف من العمالة حري بالأسرة أن تدقق في اختياره، وألا تهمل في فحص تصرفاته وسلوكياته، ولا تترك له فلذات الأکباد ناهيك عن المراهقين والمراهقات بل حتى الآباء غير الملتزمين، أما العمالة المتوجهة لمصنع فمخاطرها الاجتماعية محدودة ويمكن ضبطها.

ب- العمالة والدين: من المهم الوقوف عند هذا العامل لأنه بالغ الأهمية في تحديد وجهة العلاج الجزئي، فشتان بين العمالة المسلمة وغير المسلمة. فالعمالة التي تدخل البيت لابد أن تكون مسلمة، ولا تعتبر الجرائم الجنسية وحدها الدافع لطلب ذلك، فالخادمات في البيوت التي يكثر بها الأطفال صغار السن قد تؤدي ممارساتهن الاجتماعية والعبادية والعقائدية واللغوية إلى تطبُّع الأطفال بهذه الممارسات مما يترك بصمة واضحة على شخصياتهم ويؤثر في سلوكهم وربما عقيدتهم ولغتهم. ويشير علماء اجتماع اللغة إلى أن العامية الخليجية بها قدر غير قليل من المفردات اللغوية التي تشربها الأبناء من الخادمات والسائقين. 

ومع توافر اعتبار الإسلام عند تقرير نوع العمالة فلا ينبغي أن ينصرف الوالدان عن مراقبة سلوك الغرباء في بيوتهم، إن قيم الكرم لا ينبغي أن تكون على حساب قيم الفطنة والكياسة النخوة وغيرها، فكل غريب يدخل البيت لابد من وضع حدود له لا يتجاوزها، ووضع ضوابط لسلوكه، ومراقبة التزامه بهذه الحدود وتلك الضوابط.

الشريعة والضوابط

هناك أكثر من معطى في الشريعة يمكن الارتكان إليه في تحديد إطار علاج هذه المشكلة بدءًا من النصوص المباشرة التي حدد فيها الوحي للأمة ضوابط تحقق لها سلامتها الاجتماعية، وانتهاء بمقاصد الشريعة التي استهدفت حفظ مصلحة المسلم على الصعيد الفردي والمجتمع والأمة على الصعيد الجماعي، عبر حفظ الكليات الخمس: النفس والعقل والمال والعرض والدين.

وضوابط الشرع في تناول هذه القضية قسمان:

الأول ضوابط مانعة: وهي تلك التي تتولى استئصال المشكلة من جذورها ومنعها، ومن ذلك قول رسول ﷺ: «من رأي منكم منكرا فليغيره بيده..» إلى آخر الحديث، فإن كان دخول هذه النوعية من العمالة إلى بيوتنا قد أدى إلى حدوث مشكلات تعد منكرًا، أو أدت إلى منكر فقد وجب تغييرها.

ويبدو للعيان أن استقدام العمالة نفسه ليس فعلًا منكرًا، وإن كانت الآثار مترتبة عليه، فصار ذريعة وجب سدها، لكن أيضا لا يمكن إطلاق الأمر، ومنع استقدام هذه العمالة كليا، ولهذا ميزنا بين العمالة المتوجهة للمصنع وتلك المتوجهة للبيت.

والقسم الثاني ضوابط علاج، والمقصود بها أوامر الشرع التي سارت في مسارين:

أ- الولاء: وتذهب هذه الأوامر في اتجاه تفضيل العمالة المسلمة على غيرها، فلن يخاف على المسلم سوى مسلم مثله، ولا تتوقع أن يخاف عابد الوثن على المسلم وأسرته وبلده كما يخاف المسلم.

ب- الاحتراز: فالشرع حدد للاحتراز مسارًا حذر فيه من اتخاذ بطانة من دون المؤمنين لا يألونهم خبالًا، ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر. 

ويجتمع الولاء مع الاحتراز في وضع حد للانتهاكات التي تشهدها البيوت المسلمة من جراء استقدام السائق والخادمة غير المسلمين، وفتحة أبواب البيوت لهم، وإطلاعهم على عورات البيوت وأسرارها وأعراضها.

مستويات للعلاج

آن الأوان أن نقف على حدود المسئوليات الملقاة على عاتق الجميع في التعاطي مع هذه القضية. 

أ- مستوى الأسرة: وهو من أهم المستويات التي ينبغي الحفاظ على فاعليتها. ونبدأ به لأن هذا الكيان هو الذي تضرر بقوة من هذه القضية. فالأسرة قد تنهار إذا ما اكتشف الأبناء خيانة الأب أو الأم، أو لو اكتشف أحد الزوجين خيانة الآخر، وقد ينهار مستقبل الأطفال إذا ما تعرضوا لحوادث من مثل هتك الأعراض. إن مفتاح فاعلية الأسرة هو تماسكها، وحرصها على هذه التماسك ومنتجاته من الذرية الطيبة الموفقة الناجحة في مستقبلها. هذا التماسك يكسب الأسرة فاعلية عالية في الحماية حماية ذاتها ككيان، وحماية مكوناتها كأفراد.

إن العامل الأكبر في ضبط هذه القضية ليس الدولة، وليس الفرد، بل الأسرة ككل وكيان اجتماعي له خصوصيته وهدفه السامي، ومراقبة كل دخيل في الأسرة وتمحيص سلوكه هو مفتاح صون هذه الأسرة.

ب- مستوى الفرد: إذا كانت مناعة الأسرة ضد هذه الظاهرة المرضية تتمثل في وجود قوة تماسك عالية بين مكوناتها، ورغبة في الوصول بهذا التماسك للنجاح في إنجاز الرسالة، فإن مفتاح قوة الفرد يتمثل في الالتزام بتعاليم الدين التي تكسبه مناعة ضد محاولات الإغواء والانزلاق للتفاعل مع هذه الظاهرة المرضية.

ج- مستوى المجتمع: أما درجة القوة في المجتمع فتتمثل في حميميته ودفئه وبعده عن التفكك. إن علماء الاجتماع الغربيين يقسمون المجتمعات لنوعين: المجتمع الغرضي الذي تربطه المصلحة فقط، وهو المجتمع الذي كانت الصلات الحميمة أن تتلاشى بين سائر مكوناته، والمجتمع القدري الذي تربطه أواصر القرابة فتكسبه حميمة فعالة، وكأنه لا يمكن للمجتمع أن يتقارب إلا للمصلحة أو للقرابة. لقد جعل دين الله المجتمع كيانًا مترابطًا بالتكافل أولًا، وبالحسبة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ثانيا وبفروض الكفاية التي يؤديها البعض عن الجميع ثالثا، وحري بالمجتمع أن يستحضر هذه المصادر الترابطية ليزيد فاعليته ومناعته ضد الأمراض الوافدة مع هجمة العمالة غير العربية وغير المسلمة، وعلى رأس تلك المصادر موالاة العمالة المسلمة دون غيرها.

د- مستوى الممارسة الحكومية: تتمثل فاعلية الجهات الحكومية في القيام بواجباتها الحماية مجتمعاتها من خلال تنقيح قوانين استقدام العمالة والوافدين، وضبط وجهات هذه العمالة على أرضها، بحيث تشدد الرقابة على الوافدين ودياناتهم وصحتهم وخلفياتهم الجنائية، وتنظم توزيع العمالة بين البيوت ومواطن العمل المنتج، وتنقح نظامها العقابي ليتمكن من ردع هذه العمالة عن اقتراف ما يضير المجتمع.

 

 

الرابط المختصر :