العنوان مناهج التعليم الديني وجوانب قصوره
الكاتب الدكتور عباس محجوب
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1977
مشاهدات 76
نشر في العدد 362
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 09-أغسطس-1977
وجد الاستعمار في البلاد الإسلامية تعليمًا يقدم على أساس الدين الإسلامي يبدأ فيه الطلاب بحفظ القرآن وينتقلون إلى معاهد دينية يتعلمون فيها الحديث والفقه واللغة وقليلًا من الرياضيات، وينتقل الطلاب إلى الأقسام العالية في هذه المعاهد، وقد عمل الاستعمار على حرب هذا النوع من التعليم في العالم الإسلامي وساعده على ذلك الكثيرون من كتاب الأمة الإسلامية، وكمثال لهذا فقد وجد الاستعمار الإنجليزي في السودان نظامًا تعليميًا أساسه الخلاوي التي تحفظ القرآن الكريم فحاربها بوسائل مختلفة كما حارب التعليم في المعاهد الدينية التي كانت تتغذى بطلاب- الخلاوي- وكان من أساليب تلك الحرب حرمان خريجي التعليم الديني من ممارسة الوظائف العامة في الدولة وقصرهم على إمامة المساجد وكتابة عقود الزواج والمحاكم الشرعية، حتى استقر في وجدان الآباء أن لا مستقبل للتعليم الديني والأجدر بهم أن يصرفوا أبناءهم عن تعلم الشريعة واللغة العربية ويتجهوا بهم إلى المدارس المدنية، كما وجد التعليم الديني في مصر حربًا من بعض أبناء مصر أنفسهم الذين هاجموا الأزهر وطالبوا بإصلاحه ليتناسب مع إرادة الغرب وتفكيره، فقد جاء في كتاب مستقبل الثقافة في مصر أن لا بد من تطور طويل دقيق قبل أن يصل الأزهر إلى الملاءمة بين تفكيره وبين التفكير الحديث والنتيجة الطبيعية لهذا أننا إذا تركنا الصبية والأحداث للتعليم الأزهري الخالص ولم نشملهم بعناية الدولة ورعايتها وملاحظتها الدقيقة المتصلة عرضناهم لأن يصاغوا صياغة قديمة ويكونوا تكوينًا قديمًا، وباعدنا بينهم وبين الحياة الحديثة التي لا بد لهم من الاتصال بها والاشتراك فيها وعرضناهم لطائفة غير قليلة من المصاعب التي تقوم في سبيلهم حين يرشدون وحين ينهضون بأعباء الحياة العملية، فالمصلحة الوطنية العامة من جهة ومصلحة التلاميذ والطلاب الأزهريين من جهة أخرى، تقتضيان إشراف وزارة المعارف على التعليم الأولي والثانوي في الأزهر([1]) وحول هذه المعاني يقول لورد لويد في كتابه: «إن التعليم الوطني عندما قدم الإنجليز إلى مصر كان في قبضة الجامعة الأزهرية الشديدة التمسك بالدين، والتي كانت أساليبها الجافة القديمة تقف حاجزًا في طريق أي إصلاح تعليمي، وكان الطلبة الذين يتخرجون في هذه الجامعة يحملون معهم قدرًا عظيمًا من غرور التعصب الديني ولا يصيبون إلا قدرًا ضئيلًا جدًا من مرونة التفكير والتقدير، فلو أمكن تطوير الأزهر- عن طريق حركة تنبعث من داخله هو - لكانت هذه خطوة جليلة الخطر، فليس من اليسير أن نتصور أي تقدم طالما ظل الأزهر متمسكًا بأساليبه الجامدة، ولكن إذا بدا أن مثل هذا الأمل غير متيسر تحقيقه، فحينئذ يصبح الأمل محصورًا في إصلاح التعليم اللاديني الذي ينافس الأزهر حتى يتاح له الانتشار والنجاح»([2]).
وهكذا كان المستعمرون وأعوانهم يعملون على عزل الدين من حياة الأمة الإسلامية وضرب التعليم الديني بحجة التطوير تارة وتخليصه من التعصب تارة أخرى، ليتناسب مع أهداف المستعمر في قتل الثقافة الإسلامية، ومن المفارقات العجيبة أن المخطط الذي وضعه الاستعمار الإنجليزي لمحو أي أثر للتعليم الديني في السودان لم يجرؤ عليه أحد لما واجه من معارضة وإصرار عليه من الأمة في عهود الاستعمار والحكومات السودانية بعد الاستقلال والحكم العسكري الأول حتى جاء الحكم العسكري الثاني في مايو 1969 ونفذ ذلك المخطط على يد رجل تلقى تعليمه في معهد القاهرة الديني ودار العلوم القاهرية وبتعضيد من الشيوعيين الأمر الذي أدى إلى وقف حركة التعليم الإسلامي فافتقدت البلاد - بتحويل المعاهد العلمية إلى مدارس مدنية- الطلاب المتخصصين في اللغة العربية والدراسات الإسلامية- كما فقدت الجامعة الإسلامية- التي وضع المخطط لإزالتها- أهم روافدها من نوعية الطلاب المتخرجين من المعاهد العلمية الثانوية. إلى جانب ما تعرض له التعليم الديني في العالم الإسلامي كله من حرب فإن التعليم الديني قد حمل في داخله عوامل أجهضت نموه وتطوره وعطلت دوره في الحياة، سيادة وقيادة وتوجيهًا ومعرفة تؤدي بالمؤمن إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى وتحقيق أسباب وجوده على الأرض، ولأن الأزهر يعد منارة التعليم الإسلامي فإن الحديث عن جوانب القصور في مناهجه وتقييم حصيلة نتاجه البشري والفكري أمر ضروري، لأننا بذلك نصل إلى جوانب الضعف في طريقة التعليم الديني في العالم الإسلامي كلها، لما بين مناهج التعليم الإسلامي من تشابه وكذلك في محتوى التعليم وطرق التدريس ونوعية المتخرجين، ويمكن أن نرجع في هذا التقييم إلى عالم أزهري خبر الأدواء وشخّصها بأمانة المسلم الغيور، وهو الأستاذ محمد الغزالي الذي يرى أن النكبات التي أطاحت بمجد الإسلام تعود في أكثرها إلى قلة العلماء الراسخين والخبراء الفاقهين مع كثرة المتزيين بزي العلماء والجاهلين لإجازاتهم الدراسية، فبين عدة آلاف تخرجوا من الأزهر وسموا علماء الدين أو رجاله- لا نجد إلا بضع عشرات من الفقهاء الأمناء([3]) ويرى أن أهم مساوئ التعليم الديني تتمثل فيما يأتي:
1- فقدان الخصائص النفسية والذهنية التي تجعل أصحابها صالحين للاشتغال بالعلوم الدينية أو الإلهيات والروحانيات في حياة الناس.
2- التخصص المبكر قبل دراسة المعارف الإنسانية والكونية كعلم النفس والاجتماع والنبات والطبيعة والكيمياء وتاريخ البشرية وأجناس العالم وغيرها من العلوم التي لا بد منها لعلوم الدين والتي تفرض على الدعاة معرفتها.
3- ضعف الاستيعاب للحقائق الإسلامية والمغالاة في تقدير الأجزاء المقررة التي أتيحت معرفتها مع القصور في معرفة الأجزاء المكملة كالقصور في مفهوم العبادة في الإسلام وحصرها في المساجد مع البعد عن التشريعات التجارية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الإسلام، وهو ما وقع فيه تلاميذ الإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب ومدارس أخرى في المشرق والمغرب.
إن بين علماء الدين والدعاة نفرًا كبيرًا لا تصدق أحوالهم أقوالهم فحديثهم عن التقوى والآخرة والعبادة متعارض مع واقع حياتهم وتحركهم في داخل حدود ضيقة وأهداف دانية حتى إذا اقتربوا من سلطة جائرة أو تقاليد مرعية أو أوضاع ميئوس من إصلاحها توقفوا توقفًا تامًا([4]).
ومن خلال العرض المحيط لجوانب النقص في تعليمنا الديني، نرى أن هذا التعليم بقصوره عن استيعاب الفكر الإسلامي والمعرفة البشرية لا يخرج طلابًا من أصحاب الكفايات في العلم والشرع والدعوة بحيث يكونون مؤهلين لمواجهة الغزو الثقافي الذي يتعرض له العالم الإسلامي أو لمواجهة التحديات الفكرية والمذهبية التي تعمل لتطويق الأمة الإسلامية وإيقاعها في براثنها، بل إنه لا يخرج علماء ودعاة يقنعون الطبقات المثقفة بالثقافة الأجنبية من أبناء المسلمين - بصلاحية الإسلام كمنهج للحياة ودستور للأمة وقيادة للبشرية في كل بقعة وكل عصر فضلًا عن حمل الرسالة إلى عالم متخبط حائر ومجتمعات تفقد السلم والأمن والطمأنينة لفقدانها للعقيدة السليمة والهدى الإلهي والنور الذي جاء به سيد البشر وليست حال المؤسسات الإسلامية الحديثة بأفضل من حال الأزهر، بل إنها تترسم خطاه في كل شيء، خاصة خريجيها الذين يقول عنهم الشيخ الندوي بل مع الأسف نجد كثيرًا منهم لا يمتازون عن نظرائهم وأقرانهم شباب الجامعات المدنية في الأخلاق والأذواق والإيمان بصلاحية الإسلام وخلوده وحاجة البشرية إليه([5]).
إن كثيرًا من الشباب المسلم الواعي لا يؤمن بقيمة مناهج هذه الجامعات لأنه لا يحس بفائدتها بل يحس بضآلة ما يقدم إليه وعدم ارتباط ما يقدم إليه بما يقرأ في كتب المفكرين الإسلاميين من ارتباط الإسلام بمناحي الحياة المختلفة وسلامة المنهج الإسلامي الذي يتناول مشكلات الحياة كلها ويقدم الحلول لكل أدواء المجتمعات الجاهلية التي يعيشون فيها ويكتوون بأنظمتها ومناهجها.
([1]) د. طه حسين- مستقبل الثقافة في مصر ص75-77.
([2]) لورد لويد في كتابه. نقلًا عن محمد محمد حسين- الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ج ثاني ص380.
([3]) محمد الغزالي- كيف نفهم الإسلام ص36.
([4]) المصدر السابق ص37.
([5]) أبو الحسن الندوي- نحو التربية الإسلامية الحرة ط ثالثة ص69-70.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل