العنوان مناهج الفتيا في المستجدات المعاصرة (٤): ضوابط يحتاجها الناظر أثناء الحكم على النوازل
الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني
تاريخ النشر السبت 29-يونيو-2002
مشاهدات 75
نشر في العدد 1507
نشر في الصفحة 42
السبت 29-يونيو-2002
بعد عرض مناهج الفتيا في المستجدات المعاصرة وهي ثلاثة مناهج تعرض الكاتب للضوابط التي ينبغي أن يراعيها الناظر في النوازل قبل الحكم في النازلة، واليوم يختم بذكر الضوابط التي يحتاجها الناظر أثناء الحكم وهي خمسة ضوابط
بينا في حلقة سابقة بعض الضوابط التي يحتاجها الناظر في النوازل قبل الحكم أو الفتيا في الواقعة، ولعلنا في هذا المطلب أكثر احتياجًا لسوق بعض الضوابط التي ينبغي مراعاتها، أثناء الحكم على النازلة، من أجل بلوغ الناظر الدرجة العليا من المعرفة والفهم للأدلة والقواعد، وما يتعلق بالنظر من ظروف وأحوال تؤدي بمجموعها إلى استفراغ المجتهد وسعه وجهده للوصول إلى الحكم الصحيح إن شاء الله تعالى ... ومن هذه الضوابط ما يلي:
أولاً- الاجتهاد في البحث عن الحكم الشرعي للنازلة
والمقصود بذلك أن يبذل المجتهد وسعه في البحث عن الحكم الشرعي للنازلة بتتبع طرق الاستنباط المعروفة والجري في ذلك على سنن النظر المعهودة، فقد يجد الحكم منصوصاً عليه أو قريباً منه، وقد يلجأ إلى القياس على الأدلة، أو التخريج على أقوال الأئمة، مع مراعاة عدم مصادمة حكمه للنصوص والإجماعات الأخرى، أو مخالفتها للعقول الصحيحة والفطر السليمة.
ويجدر بنا هنا أن نذكر بعض الآداب التي ينبغي للناظر مراعاتها من خلال هذا الضابط:
1 – أن يذكر دليل الحكم: يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله في ذلك ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه ، ولا يلقيه إلى المستفتي ساذجًا مجردًا عن دليله ومأخذه ذلك فهذا لضيق عطنه، وقلة بضاعته من العلم، ومن تأمل فتاوى النبي لله الذي قوله حجة بنفسه رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره ووجه مشروعيته([1])
وقال – رحمه الله في موضع آخر: «عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى وهذا العيب أولى بالعيب، بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل، فكيف يكون ذكر كلام الله ورسوله وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة – رضوان الله عليهم – والقياس الصحيح عيباً ([2]) ثم بين – رحمه الله – ما صار إليه الأمر في الفتوى بعد الصحابة والتابعين بقوله: ثم طال الأمد وبعد العهد بالعلم، وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أو لا فقط، ولا يذكر للجواب دليلاً ولا مأخذاً، ولا يعترف بقصوره وفضل من يفتي بالدليل، ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمه، ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يدري ما حالهم في الفتاوى([3])
ونقل عن الإمام الصيمري – رحمه الله – وغيره القول بعدم مطالبة المفتي بذكر الدليل في فتواه ([4]).
ولعل الأقرب إلى الصواب في هذه المسألة – والله أعلم -: أن ذكر الدليل في الفتوى يرجع إلى حال السائل وطبيعة الفتوى أو النازلة، فإذا كان السائل له علم بالشرع، ودراية في معاني الأدلة أو طلب معرفة الدليل، فينبغي للمفتي أو الناظر ذكر الدليل والحجة أو الحكمة من المشروعية، تطميناً لقلب السائل وزيادة في علمه وتوثيقاً لفهمه، أما لو كان المستفتي أميًا لا يفقه معنى الدليل فذكره له مضيعة للوقت وخطاب لمن لا يفهم.
وكذلك لو كانت النازلة تتعلق بمهام الدين ومصالح المسلمين أو بها غموض قد يطرأ في الذهن فينبغي كذلك للمفتي ذكر الدليل والحجة، والاهتمام ببسط الأدلة ما أمكنه ذلك ([5]).
ب– أن يبين البديل المباح عند المنع من المحظور، وهذا الأدب له من الأهمية في عصرنا الحاضر القدر العظيم، وذلك أن كثيرًا من المستجدات الواقعة في مجتمعنا المسلم قادمة من مجتمعات كافرة أو منحلة لا تراعي القيم والثوابت الإسلامية فتغزو مجتمعاتنا بكل قوة مؤثرة ومغرية كالمستجدات المالية والفكرية والإعلامية وغيرها، فيحتاج الفقيه إزاءها أن يقر ما هو مقبول مباح شرعًا ويمنع ما هو محظور أو محرم مع بيانه لحكمة ذلك المنع وفتح العوض المناسب والاجتهاد في وضع البدائل المباحة شرعًا حماية للدين وإصلاحًا للناس، وهذا من الفقه والنصح في دين الله U.
كما قال الإمام ابن القيم – رحمه الله: من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه وكانت حاجته تدعو إليه، أن يدله على ما هو عوض له منه فيسد عليه باب المحظور ويفتح له باب المباح، وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر مع الله وعامله بعمله، فمثاله من العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان وفي الصحيح عن النبي r أنه قال: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم» ([6]). وهذا شأن خلق الرسل وورثتهم من بعدهم ([7])
ج- التمهيد في بيان حكم النازلة: ينبغي للناظر في النوازل التمهيد للحكم المستغرب بما يجعله مقبولًا لدى السائلين، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله : إذا كان الحكم مستغربًا جدًا مما لا تألفه النفوس وإنما ألفت خلافه، فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما يكون مؤذناً به كالدليل عليه والمقدمة بين يديه، فتأمل ذكره سبحانه قصة زكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشيبة وبلوغه السن الذي لا يولد فيه لمثله في العادة، فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة المسيح وولادته من غير أب، فإن النفوس لما أنست بولد بين شيخين كبيرين لا يولد لهما عادة سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب([8]).
كما ينبغي أيضًا للناظر أن يعدل عن جواب المستفتي عما سأله عنه إلى ما هو أنفع له منه ولا سيما إذا تضمن ذلك بيان ما سأل عنه وذلك من كمال علم المفتي وفقهه ونصحه، وشاهده قوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (البقرة:١٨٩).
وقد يحتاج الفقيه الناظر أيضاً أن يجيب السائل بأكثر مما سأله عنه لما فيه من تكميل موضوع السؤال أو لعلة تربط بينهما قد يحتاج إليها السائل فيما بعد أو يستفيد منها عموم أهل الواقعة.
ثانيًا- مراعاة مقاصد الشريعة
المراد بالمقاصد الشرعية المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغايتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضاً معان من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها ([9]).
وقد يراد بالمقاصد أيضاً الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد ([10]).
فهذه الأسرار والغايات التي وضعت الشريعة لأجلها من حفظ الضروريات وإصلاح الأحوال العباد في الدارين معرفتها ضرورية على الدوام ولكل الناس، فالمجتهد يحتاج إليها عند استنباط الأحكام وفهم النصوص، وغير المجتهد للتعرف على أسرار التشريع ، ولذلك كان الناظر في النوازل في أمس الحاجة إلى مراعاتها عند فهم النصوص لتطبيقها على الوقائع ، وإلحاق حكمها بالنوازل والمستجدات، وكذلك إذا أراد التوفيق بين الأدلة المتعارضة فإنه لابد وأن يستعين بمقصد الشرع، وإن دعته الحاجة إلى بيان حكم الله في مسألة مستجدة عن طريق القياس أو الاستصلاح أو الاستحسان أو العرف المعتبر، تحرى بكل دقة أهداف الشريعة ومقاصدها([11])
فإذا ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والأجل معا ([12])، كان لزامًا على المجتهد والمفتي في الوقائع الحادثة اعتبار ما فيه مصلحة للعباد ودرء ما فيه مفسدة عليهم.
فيستحيل أن تأمر الشريعة بما فيه مفسدة أو تنهى عما فيه مصلحة، بدليل استقراء آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي - يقول الإمام البيضاوي – رحمه الله .. إن الاستقراء دل على أن الله سبحانه شرع أحكامه لمصالح العباد ([13])
ويؤكد ذلك الإمام ابن القيم – رحمه الله – وهو من المعتنين بذلك بقوله: القرآن وسنة رسول الله r معلوم أن من تعليل الأحكام والمصالح وتعليل الخلق بها، والتنبيه على وجوه الحكم التي لأجلها شرع الأحكام ولأجلها خلق تلك الأعيان ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناهما، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة ([14]).
ونذكر في هذا المقام بعض الجوانب المهمة التي ينبغي أن يدركها الناظر في النوازل من خلال مراعاته لمقاصد التشريع، وهي كالتالي:
تحقيق المصلحة الشرعية عند النظر: إن اعتبار تحقيق المصلحة الشرعية عند النظر هو من مقصود الشرع الذي حافظ على ما يجلب فيه النفع ويدفع فيه الضرر وكثيرًا ما يكون اجتهاد الناظر في النوازل بناء على اعتبار حجية المصلحة المرسلة التي لم يرد في الشرع نص على اعتبارها بعينها أو بنوعها، ولا على استبعادها ولكنها داخلة ضمن مقاصد الشرع الحنيف وجمهور العلماء على اعتبار حجيتها ([15])
ولذلك قال الإمام الآمدي – رحمه الله .. فلو لم تكن المصلحة المرسلة حجة أفضى ذلك أيضاً إلى خلو الوقائع عن الأحكام الشرعية لعدم وجود النص أو الإجماع أو القياس فيها ([16]).
وواقعنا المعاصر يشهد على اعتبار المصلحة المرسلة في كثير من المسائل المستجدة في الأنظمة المدنية والدولية وصور من التوثيقات اللازمة لبعض العقود المالية والزوجية وغيرها.
وإذا لم يكن للفقيه فهم وإدراك لمقاصد الشرع وحفظ ضرورياته أغلق الباب بالمنع على كثير من المباحات أو فتحه على مصراعيه بتجويز كثير من المحظورات.
ولهذا ذكر الأصوليون عدة ضوابط من أجل تحقيق المصلحة المعتبرة والعمل بها عند النظر والاجتهاد، وهي بإيجاز:
۱– اندراج المصلحة ضمن مقاصد الشريعة.
2- ألا تخالف نصوص الكتاب والسنة.
3- أن تكون المصلحة قطعية أو يغلب على الظن وجودها.
4- أن تكون المصلحة كلية.
5- ألا يفوت اعتبار المصلحة مصلحة أهم منها أو مساوية لها ([17])
ومما ينبغي للناظر في النوازل في هذا المقام، أنه إذا أفتى في واقعة بفتوى مراعيًا فيها مصلحة شرعية ما فإن عليه أن يعود في فتواه ويغير حكمه فيها في حالة تغير المصلحة التي روعيت في الفتوى الأولى، ولا يخفي أن تغير الفتوى هنا إنما هو تغير في حيثيات الحكم لا تغير في الشرع، والحكم يتغير بحسب حيثياته ومناطه المتعلق به وهذا أمر ظاهر.
باعتبار قاعدة رفع الحرج يقصد بالحرج كل ما يؤدي إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال حالًا أو مآلًا ([18])، فيكون المراد برفع الحرج التيسير على المكلفين بإبعاد المشقة عنهم في مخاطبتهم بتكاليف الشريعة الإسلامية ([19]).
وقد دلت الأدلة على رفع الحرج من الكتاب والسنة حتى صار أصلاً مقطوعاً به في الشريعة، كما في قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة:٨٥]
فإذا تبين لنا قطعية هذا الأصل وجب على المجتهد أن يراعي هذه القاعدة فيما ينظر فيه من وقائع ومستجدات، بحيث لا يفتي أو يحكم بما لا يطاق شرعاً من المشاق، كما يجب عليه أن يراعي الترخيص في الفعل أو الترك على المكلفين الذين تتحقق فيهم الأعذار، والمسوغات الشرعية المبيحة لذلك، كما في الترخيص في الضروريات أو التخفيف لأصحاب الأعذار ورفع المؤاخذة عنهم ([20]) وهناك شروط لابد للناظر من تحقيقها عند اعتباره لقاعدة رفع الحرج فيما يعرض له من نوازل وواقعات، وهي:
1- أن يكون الحرج حقيقيًا، وهو ما له سبب معين واقع كالمرض والسفر، أو ما تحقق بوجوده مشقة خارجة عن المعتاد ومن ثم فلا اعتبار بالحرج التوهمي وهو الذي لم يوجد السبب المرخص لأجله، إذ لا يصح أن يبني حكمًا على سبب لم يوجد.
2- ألا يعارض نصًا – لو قدرنا تعارضهما في نظر المجتهدين... فالمشقة والحرج إنما يعتبران في موضع لا نص فيه، وأما في حال مخالفته النص فلا يعتد بهما ([21])
3- أن يكون الحرج عاماً، قال ابن العربي – رحمه الله .. إذا كان الحرج في نازلة عامة في الناس فإنه يسقط وإذا كان خاصاً لم يعتبر عندنا، وفي بعض أصول الشافعي اعتباره وذلك يعرض في مسائل الخلاف فيدخل ([22])، في هذا الضابط عموم البلوى سواء كان مما يشق على المكلفين التحرز منه لنزارته كرشاش البول ودم البعوض، أو لكثرته كنجاسات بعض الحيوانات التي في الطرقات والتي لا يمكن التحرز منها لحاجة الناس من المشي فيها والجلوس عليها فخفف أمر تلك النجاسات إذا خفي عينها دفعاً لعموم البلوى ومشقة التحرز منها ([23])، ولهذا قال الفقهاء ما عمت بليته خفت قضيته ([24])، وإذا ضاق الأمر اتسع([25]).
ج- النظر إلى المآلات: ومعناه أن ينظر المجتهد في تطبيق النص، هل سيؤدي إلى تحقيق مقصده أم لا فلا ينبغي للناظر في النوازل والواقعات التسرع بالحكم والفتيا إلا بعد أن ينظر إلى ما يؤول إليه الفعل.
وقاعدة اعتبار المال أصل ثابت في الشريعة دلت عليها النصوص الكثيرة بالاستقراء التام.
يقول الإمام الشاطبي – رحمه الله – في أهمية اعتباره عند النظر والاجتهاد : النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعًا لمصلحة قد تستجلب أو لمفسدة قد تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه.
إذا أفتى المفتي في واقعة مراعيًا مصلحة شرعية ما فإن عليه أن يعود في فتواه في حال تغير المصلحة.. وهنا يكون التغيير في حيثيات الحكم لا في الشرع.
كم من حكم كان تبريرًا أو علاجًا ناجحًا وملائمًا لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود به... وربما أفضى إلى عكسه.
أفتى المتأخرون من شتى المذاهب الفقهية في كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم وفقهاؤهم الأولون... وصرحوا بأن سبب الاختلاف هو اختلاف الزمان وفساد الأخلاق في المجتمعات.
وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به ولكن له مآل على خلاف ذلك ([26]) .
وكم من أبواب للشر انفتحت بسبب فتاوى لم يعتبر فيها ما تؤول إليه بعض الوقائع والمستجدات من مفاسد وأضرار، كما يحصل في بعض البلدان الإسلامية من تجويز عمل المرأة في جميع التخصصات ومشاركتها الرجل في جميع المجالات دون تقدير المفاسد المترتبة على هذا النوع من الاجتهاد، وقد يحصل في اعتبار قاعدة النظر إلى المال خير ونفع عظيم، تشهد له بعض الفتاوى مثل التي ظهرت في جريمة الاتجار في المخدرات والمسكرات واستحقاق من يفعل ذلك القتل تعزيراً، فكان فيها إغلاق لباب الشر وحفظ للعباد من أهل الفساد.
ثالثًا- فقه الواقع المحيط بالنازلة
ويقصد بهذا الضابط أن يراعي الناظر في النوازل عند اجتهاده تغير الواقع المحيط بالنازلة سواء كان تغيرًا زمانيًا أو مكانياً أو تغيرًا في الأحوال والظروف، وعلى الناظر تبعًا لذلك مراعاة هذا التغير في فتواه وحكمه.
وذلك أن كثيرًا من الأحكام الشرعية الاجتهادية يتأثر بتغير الأوضاع والأحوال الزمنية والبيئية، فالأحكام تنظيم أوجبه الشرع يهدف إلى إقامة العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد، فهي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمنية وبالأخلاق العامة، فكم من حكم كان تدبيرًا أو علاجًا ناجحًا لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه، أو أصبح يفضي إلى عكسه بتغير الأوضاع والوسائل والأخلاق.
ومن أجل هذا أفتى الفقهاء المتأخرون من شتى المذاهب الفقهية في كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم وفقهاؤهم الأولون، وصرح هؤلاء المتأخرون بأن سبب اختلاف فتواهم عمن سبقهم هو اختلاف الزمان وفساد الأخلاق في المجتمعات، فليسوا في الحقيقة مخالفين للسابقين من فقهاء مذاهبهم، بل لو وجد الأئمة الأولون في عصر المتأخرين وعايشوا اختلاف الزمان وأوضاع الناس لعدلوا إلى ما قال المتأخرون([27])
وعلى هذا الأساس أسست القاعدة الفقهية القائلة: ولا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان ([28])
ومن أمثلة هذه القاعدة
أن الإمام أبا حنيفة – رحمه الله – يرى عدم لزوم تزكية الشهود ما لم يطعن فيهم الخصم اكتفاء بظاهر العدالة، وأما عند صاحبيه أبي يوسف ومحمد – رحمهما الله – فيجب على القاضي تزكية الشهود بناء على تغير أحوال الناس ([29])
كذلك أفتى المتأخرون بتضمين الساعي بالفساد لتبدل أحوال الناس مع أن القاعدة أن الضمان على المباشر دون المتسبب وهذا لزجر المفسدين ([30])
ومن الفتاوى ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم – رحمهما الله – في تقييد مطلق كلام العلماء. وقالا بإباحة طواف الإفاضة للحائض التي يتعذر عليها المقام حتى تطهر([31]) وقد عمل بها بعض العلماء المعاصرين مراعاة لتغير أحوال الناس، كذلك جواز إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة في زماننا مع أنه مكان للعبادة ينبغي ألا يغلق وإنما جوز الإغلاق صيانة للمسجد من السرقة والعبث([32])
يقول ابن القيم رحمه الله - في فصل (تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد): هذا فصل عظيم النفع جدًا، وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى مراتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى ضدها، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل ([33])
رابعاً- مراعاة العوائد والأعراف
المقصود بالعرف أو العادة عند الأصوليين هو ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول ([34])
وقد جرى الفقهاء على اعتبار العادة والعرف والرجوع إليهما في تطبيق الأحكام الشرعية في مسائل لا تعد لكثرتها، منها سن الحيض والبلوغ، والأفعال المنافية للصلاة، والنجاسات المعفو عنها، وفي لفظ الإيجاب والقبول، وفي أحكام كثيرة جداً من مسائل البيوع والأوقاف والأيمان والإقرارات والوصايا وغيرها ([35])
ولهذا كانت قاعدة العادة محكمة، بناء على ما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه – موقوفاً: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن ([36])
فإذا كانت العادة والعرف لهما اعتبار في الشرع مع كثرة ما يطرأ عليهما من تغير وتبديل بحسب الأزمنة والأمكنة وتطور أحوال الناس، فإن على العلماء مراعاة ذلك التغير بقدر الإمكان وخصوصاً ما كان من قبيل الفتي في الأمور الواقعة أو المستجدة لعظم شأنها وسعة انتشارها.
يقول الإمام القرافي – رحمه الله – في ذلك: ينبغي للمفتي إذا ورد عليه مستفت لا يعلم أنه من أهل البلد الذي منه المفتي وموضع الفتيا: ألا يفتيه بما عادته يفتي به حتى يسأله عن بلده، وهل حدث لهم عرف في ذلك البلد في هذا اللفظ اللغوي أم لا وإن كان اللفظ عرفيًا فهل عرف ذلك البلد موافق لهذا البلد في عرفه أم لا؟ وهذا أمر متعين واجب لا يختلف فيه العلماء، وأن العادتين متى كانتا في بلدين ليستا سواء فإن حكمهما ليس سواء ([37]).
وقد قرر أيضاً هذا المعنى في موضع آخر بقوله وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على طول الأيام، فمهما تجدد العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طوال عمرك... والجمود على المنقولات أبدأ اختلاف في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضين ([38])
وقد حرر الإمام ابن القيم فصلًا مطولًا – في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد وقال: وهذا باب عظيم يقع فيه المفتي الجاهل فيغر الناس ويكذب على الله ورسوله ويغير دينه، ويحرم ما لم يحرمه الله ويوجب ما لم يوجبه الله ([39]).
ولأهمية هذا الضابط وأنه قد يكون مزلة لبعض أهل الفتيا والنظر، اشترط الفقهاء والأصوليون شرائط يكون فيها العرف معتبرًا، صيانة لأحكام الشريعة من التبديل والاضطراب، وهي أربعة شروط أذكرها مختصرة:
1 – أن يكون العرف مطردًا أو غالبًا.
2 - أن يكون العرف المراد تحكيمه في التصرفات قائماً عند إنشائها.
3- ألا يعارض العرف تصريحا بخلافه.
4 – ألا يعارض العرف نصا شرعيا بحيث يكون العمل بالعرف تعطيلًا له ([40])
ويظهر مما سبق ذكره أن مراعاة العوائد والأعراف المتعلقة بالأشخاص والمجتمعات عند النظر والاجتهاد أمر مهم، ومطلب ضروري لا بد منه لكل مجتهد ومفت، ولعل مراعاة ذلك في عصرنا الحاضر أأكد لتشعب الناس في البلاد الواسعة المختلفة الظروف والعوائد، وتيسر وسائل الاتصال الحديثة للانتقال إلى مكان المفتي أو سماعه، مما يجب عليه ألا يطلق الجواب حتى يعرف أعراف السائلين وما يليق بهم من أحكام الشرع، وليحذر من إطلاق الفتاوى معممة دون تخصيص ما يحتاج منها إلى تخصيص بسبب ظروف السائل وعوائده، وخاصة إذا كانت شريحة المتلقي أو المستمع لهذه الفتوى واسعة الانتشار في أكثر من بلد، كما هو الحاصل في برامج الفتيا في الإذاعة والتلفاز ([41]).
خامسًا- الوضوح والبيان في الإفتاء
وهذا الضابط مهم في تبليغ الحكم المتعلق بالنازلة فلا يكفي الإخبار وحده بحكم الواقعة، بل لا بد أن يكون ذلك الإخبار واضحًا بينًا لا غموض فيه ولا إبهام، وألا يفضي إلى الاضطراب والاختلاف في معرفة المعنى المقصود.
وقد وضح الإمام ابن القيم – رحمه الله – أهمية هذا الضابط بقوله: لا يجوز للمفتي الترويج وتخيير السائل وإلقاؤه في الإشكال والحيرة، بل عليه أن يبين بيانًا مزيلًا للإشكال متضمناً الفصل الخطاب، كافيًا في حصول المقصود، لا يحتاج معه إلى غيره، ولا يكون كالمفتي الذي سئل عن مسألة في المواريث فقال: يقسم على الورثة على فرائض الله U وكتبه فلان وسئل آخر عن صلاة الكسوف فقال: يصلي على حديث عائشة ... وسئل آخر فقال فيها قولان ولم يزد ([42])
ويدخل ضمن هذا الأدب في الفتيا مخاطبة الناس بلغة عصرهم التي يفهمون، متجنبا وعورة المصطلحات الصعبة وخشونة الألفاظ الغريبة، متوخيًا السهولة والدقة.
فمراعاة حال السائلين من حيث فهم الخطاب، وإدراك معنى الحكم مطلب مهم يجب على الناظر مراعاته وتوخيه دون أن يكون قاصراً على فهم طائفة معينة، أو خاليًا من التأصيل العلمي اللائق بالفتوى، بل عليه مراعاة الوسط والاعتدال بين ما يفهمه العامي ويستفيد منه المتعلم، ولذلك قال الخطيب البغدادي – رحمه الله- ضمن صفات المفتي.
وليتجنب مخاطبة العوام وفتواهم بالتشقيق والتقعير والغريب من الكلام، فإنه يقتطع عن الغرض المطلوب، وربما وقع لهم به غير المقصود ([43]).
ولذلك ينبغي للناظر في النازلة أن يعتبر نفسه عند الإجابة مفتياً ومعلماً ومصلحاً وطبيبًا مرشدًا حتى تبلغ فتواه مبلغها ويحصل أثرها بإذن الله.
وهناك الكثير من الآداب والضوابط ذكرها العلماء في معرض حديثهم عن الاجتهاد، وأدب المفتي أعرضت عن بعضها لعدم الحاجة إليها في عصرنا الحاضر، كما أغفلت بعضها الآخر رجاء عدم الإطالة والتشعب.
من أدب الفتيا مخاطبة الناس بلغة عصرهم التي يفهمون وتجنب وعورة المصطلحات الصعبة وخشونة الألفاظ الغريبة.. مع توخي السهولة والدقة
(*) الأستاذ المساعد بقسم الدراسات العربية والإسلامية- جامعة الملك فهد السعودية
الهوامش:
([1]) إعلام الموقعين ( 4/123).
([2]) المرجع السابق 4/200.
([3]) المرجع السابق 4/200.
([4]) انظر: أدب المفتي والمستفتي،ص ١٥2 المجموع 1/90 الوصول إلى علم الأصول لابن برهان 2/385.
([5]) انظر: الفقيه والمتفقه 2/406 - ٤٠٧ أدب المفتي والمستفتي ص ١٥٢ المجموع 1/86 الإحكام في تمييز الأحكام ص ٢٤٨ - ٢٤٩، أصول الفتوى والقضاء د. محمد رياض ص ۲۲۸.
([6]) أخرجه البخاري في صحيحه بنحوه كتاب الأحكام،باب بطانة الإمام وأهل مشورته البطانة والدخلاء رقمه (٦٦٥٩).
([7]) إعلام الموقعين 4/122، انظر الفتوى في الإسلام للقاسمي ص ۸۳ المجموع 1/83-87.
([8]) المرجع السابق 4/125.
([9]) مقاصد الشريعة الإسلامية للطاهر بن عاشور ص ٥١.
([10]) نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي د. أحمد الريسوني ص7.
([11]) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمهاد. علال الفاسي ص ٧ أصولالفقه للزحيلي 2/1017 الوجيز في أصول الفقه د. زيدان ص ٣٧٥.
([12]) الموافقات 2/9.
([13]) نهاية السول في شرح المنهاج 4/91.
([14]) مفتاح دار السعادة ص ٤٠٨.
([15]) انظر المستصفى 1/141 شرحتنقيح الفصول ص ٤٤٦ البحر المحيط 6/87 ص ٧٩ الأحكام للآمدي 4/32، حاشية البناني على جمع الجوامع 2/274 - ۲۸۳، شرح الكوكب المنير 4/432 تقريب الوصول ص ٤١٠. إرشاد الفحول ص ٢٤٢ الوجيزفي أصول الفقه د. زیدان ص ٢٤٠، رفع الحرج داليا حسين ص ۲۷۰.
([16]) الإحكام 4/32.
([17]) انظر المستصفى 1/296 نهاية السول 5/77-90 شرح الكوكب المنير4/170، ۱۷۱حاشية البناني على جمع الجوامع 2/584 - ٥٨٥ شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٦ الاعتصامللشاطبي 2/627 - ٦٣٢ إرشاد الفحول ص ٢٤٢، ضوابط المصلحة د. البوطي ص ١١٥ -272.
([18]) رفع الحرج د. صالح بن حميد ص48.
([19]) رفع الحرج د. عدنان محمد جمعة ص25.
([20]) انظر: رفع الحرج د. داليا حسين ص ٤٢.
([21]) انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ۹۲.
([22]) أحكام القرآن 3/310انظر: الموافقات 2/268 - ۲۷۸، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٦٨ رفع الحرج لابن حميد، ص ۲۹۲-٢٩٣.
([23]) انظر الأشباه والنظائرلابن نجيم ص ٩٣-٨٥، رفع الحرج د. صالح بن حميد ص ٢٧٤.
([24]) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٨٥.
([25]) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ۱۷۲.
([26]) الموافقات 5/178- ۱۷۹.
([27]) انظر مجموع رسائل ابن عابدین 2/123، المدخل الفقهي العام.
([28]) انظر: القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا ص ۲۲۷، الوجيز في القواعدللبورنو ص ٢٥٤.
([29]) انظر: تبين الحقائق شرح كنز الرقائق 6/211.
([30]) انظر: قواعد ابن رجب القاعدة ١٢٧ –2/597.
([31]) انظر مجموع الفتاوى 26/224 - ٢٤٣ إعلام الموقعين3/19-31.
([32]) انظر الوجيز في القواعد والبورنو ص ٢٥٥.
([33]) إعلام الموقعين3/11.
([34]) كشف الأسرار للنسفي 2/718، انظر التعريفات للجرجاني ص ١٩٣ رسائل ابن عابدين 2/112، حاشية البناني على جمع الجوامع 2/356 شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٨، تقريب الوصول ص ٤٠٤ شرح الكوكب المنير 4/48 الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ۱۰۱.
([35]) انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٠٢ - ١١٤، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ۱۸۲ -۱۸۳أصول مذهب أحمد ص٧٣٦.
([36]) أخرجه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه 1/422، وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/855، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 1/177 - ۱۷۸، وقال رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون.
([37]) المرجع السابق ص ۲۳۲.
([38]) الفروق 1/167.
([39]) إعلام الموقعين 4/176.
([40]) انظر الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ۱۱۰- ١١٤، الأشياء والنظائر للسيوطي ص 185- ۱۹۲- ۱۹۳ رسائل ابن عابدين 2/113- ١١٤ المدخل الفقهي العام 2/783 - ۸۸۱ رفع الحرج داليا حسين ص 349-352 أصول مذهب الإمام أحمد ص ٥٨٨ - ٥٨٩ تغير الفتوى د. بازمول 47-50.
([41]) انظر أدب المفتي والمستفتي ص ١١٥ المجموع للنووي 1/82 الفتوى بين الانضباط والتسيب ص 96-105 تغير الفتوى، بازمول ص 47-50 أصول الفتوى والقضاء د محمد رياض ص ٢٣٦ أصول الفتوى د. الحكمي ص 57-71 المفتي في الشريعة الإسلامية د. الربيعة ص ٣٠.
([42]) إعلام الموقعين 4/136.
([43]) الفقيه والمتفقه 2/400 انظر أصول الفتوى والقضاء د. محمد رياض ص ۲۳۷الفتوى بين الانضباط والتسيب ص 115-116.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل