; مناورات عرفات الجوية | مجلة المجتمع

العنوان مناورات عرفات الجوية

الكاتب عزام التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1999

مشاهدات 63

نشر في العدد 1345

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 13-أبريل-1999

ربما استحق ياسر عرفات - وعن جدارة - أن يُسْطَرَ اسمه في كتاب جينيس للأرقام القياسية، لا لأنه استدار بمقدار ۱۸۰ درجة حينما تحول من «إرهابي» إلى «صانع سلام»، وهي مصطلحات الخطاب الأمريكي والإسرائيلي، ولا لأنه نجا كل هذه الأعوام من ظروف في غاية القسوة، وتمكن من البقاء على قيد الحياة بعد أن رحل رفاق النضال الواحد تلو الآخر، وقد سقطوا على الطريق الطويل المتعرج نحو فلسطين تصفية واغتيالًا، وإنما لمقدرته الفائقة على التحليق في الأجواء بشكل مستمر. نعم، ليس من المستبعد أن يكون عرفات قد حطم رقمًا قياسيًّا بقضائه معظم أيامه خلال الشهرين الماضيين، متنقلاً من مطار إلى مطار، ولن يعجز المرء أن يستنتج من خلال عملية حسابية بسيطة أن «السيد الرئيس» لا يقضي إلا لحظات محدودة في غزة، عاصمة دولته الموعودة. ولعل المرء يحار في فهم ما يجري، فهل ياترى تراكمت المهام الدبلوماسية حتى لم يعد يتسع لها وقت «الرئيس»، أم أنها الرغبة الجامحة في الابتعاد كلما أمكن عن الأجواء غير المحتملة التي صنعتها يداه التي تذكره على الدوام بما جناه من فشل، ولذلك تراه يفطر في عاصمة عربية ويتغدى في أخرى ويتعشى في باريس، وفي صباح اليوم التالي تراه يتفقد حرس الشرف الذي اصطف في مطار غزة استقبالًا له، ثم يعود بعد سويعات ليتفقده ثانية استعدادًا للانطلاق في جولة جديدة تأخذه إلى الخليج أو إلى أوروبا وأخيرًا إلى أصدقائه الجدد في واشنطن. لا يمكن بحال تصور رجل أعمال - مهما كثرت مشاغله - ينافس «سيادة الرئيس» في تطوافه.

ولكن ما الذي يسعى عرفات إلى تسويقه أو ترويجه؟ لابد أنه الدولة الفلسطينية.

 ففي أجواء اليأس الشديد والإحباط المُذهل، تبدو الدولة كما لو كانت قارب النجاة الذي سينقل عرفات وسلطته، وقد أحاط بها موج أوسلو من كل مكان إلى بر الأمان، وخاصة حين يراود الأمل «سيادة الرئيس» أن يؤدي اعتراف أصدقائه العرب والأوروبيين بدولته وتأييدهم لمشروع الإعلان عنها إلى توفير مخرج- أو خلاص - من المأزق الذي خلفته «أوسلو». ولعل عرفات يظن أن التلويح بـ «كرت الدولة» من حين لآخر يمكن أن يحسن وضعه التفاوضي ويعينه على اقتناص شيء- أي شيء- من «شركاء السلام» الحاليين في إسرائيل.

إلا أن الواقع يدل على أنه لولا اعتبارات متعلقة بالانتخابات القادمة، لرحبت الحكومة

الإسرائيلية بتهديد ياسر عرفات بإعلان الدولة، فهو أولاً وأخيرًا يخدم أغراض إسرائيل، ولا أدل على ذلك من أن حزب العمل الإسرائيلي يرحب بمثل هذه المناورة، ويرى فيها مخرجًا حقيقيًّا من مأزق السلام. فالكيان الفلسطيني الذي سينجم عن إعلان الدولة لن يكتسب من الصلاحيات والشعارات أكثر مما هو ممنوح للسلطة الفلسطينية في وضعها الحالي: فهناك «سيادة الرئيس»، وهناك «العلم»، و«النشيد الوطني»، و«الشرطة»، و«السجون»، و«البرلمان» المجرد من الصلاحيات، و«الإدارة المحلية» التي تدير شؤون المواطنين اليومية. يعلم الإسرائيليون كما الفلسطينيون أن هذا الكيان - حتى لو أُطلق عليه وصف دولة - فإنه منزوع السيادة، وسيظل معتمدًا بشكل كلي على الإسرائيليين سواء من الناحية الاقتصادية أو الأمنية، ولن يحصل في يوم من الأيام على حق التصرف بالمصادر الطبيعية ولا حتى السيطرة على المعابر الحدودية.

والحقيقة أن إعلان السلطة الفلسطينية للدولة من طرف واحد قد يشكل الفرصة الذهبية التي تنتظرها إسرائيل. فطالما أن معظم المناطق المحتلة منذ عام ١٩٦٧ م ماتزال تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، فإن الأمر الواقع الذي يخلفه الإعلان الأحادي للدولة سيمكن إسرائيل من تبرير الإقدام على إعلان ضم رسمي للمناطق الخاضعة لسيطرتها، ولن يتبقى للدولة المعلنة سوى ما سلمته إسرائيل حتى الآن للسلطة الفلسطينية، وهي مناطق متناثرة أشبه ما تكون بالجزر المتباعدة والمحاطة بالمستوطنات الإسرائيلية وبتجمعات الجيش الإسرائيلي وبالطرق الالتفافية التي أُنشئت لتستخدم حصرًا من قبل من تعتبرهم إسرائيل مواطنيها.

أما السبب في إصرار حزب الليكود على رفض إعلان الدولة فهو فني بحت، ويتعلق بالانتخابات، فحزب الليكود وصل إلى الحكم بأصوات اليمين المتطرف الذي لا يمكن- على الأقل في هذه اللحظة- إقناعه بفكرة الدولة الفلسطينية حتى لو كانت منزوعة السيادة. إن الشغل الشاغل لحزب الليكود الآن هو ضمان إعادة انتخابه، ولذلك فإنه لا يرى من مصلحته أن يبدو متعاطفًا بأي شكل من الأشكال مع دولة عرفات حتى لو كانت ستعود على الإسرائيليين بفوائد قد تفوق ما سيجنيه الفلسطينيون أنفسهم. قد يأتي الوقت الذي يغير فيه حزب الليكود موقفه هذا، ولكن فقط حينما تصبح فكرة وجود دولة فلسطينية منزوعة السيادة مستساغة من قبل القسم الأكبر من الناخبين الإسرائيليين، وهو الموقف الذي أصبح يعبر عن قناعات متزايدة في صفوف اليسار الإسرائيلي الأكثر براجماتية.

 ليس عجبًا أن نرى بعض أهم مناصري منظمة التحرير إلى ما قبل أوسلو يحذرون بشكل واضح من خطورة عواقب إعلان الدولة الفلسطينية في الظروف الحالية، بل لقد اندفع بعضهم بسبب مرارة حل الإعلان إلى تبني ما يرونه خيارًا أقل مرارة وحلاً أقل سوءًا، ألا وهو الدولة الواحدة ثنائية القومية التي يتزعم الترويج لها كل من الدكتور عزمي بشارة في فلسطين، والدكتور إدوارد سعيد في أمريكا، والدكتورة غادة الكومي في بريطانيا. إلا أن كلا الحلين: حل الدولة الفلسطينية إلى جوار الدولة العبرية، وحل «الدولة الواحدة ثنائية القومية»، مرفوضان من قبل معظم الفلسطينيين سواء في داخل فلسطين أو في خارجها لعجزهما التام عن ضمان حق العودة للفلسطينيين ولترسيخها للوجود الصهيوني على أرض فلسطين.

قد يتوقف ياسر عرفات بعد زيارته الأخيرة إلى واشنطن عن ذكر الدولة- ولو إلى حين- نزولاً عن رأي «صديقه العزيز» بيل كلينتون الذي ربما نصحه «بالتزام الصمت» إلى أن تنتهي الانتخابات الإسرائيلية، ولعل كلينتون في وضع يمكنه من النجاح حيث فشل الآخرون، وبالتحديد في إقناع «سيادة الرئيس عرفات» أنه لن يخدم نفسه إذا استمر بالتلويح بـ «كرت الدولة» في وجه إسرائيل في مثل هذه الظروف الحرجة.

في تلك الأثناء، ستستمر الحياة داخل فلسطين كما هو مألوف، سوف يُهدم مزيد من المنازل العربية، وسوف يُصادر مزيد من الأراضي لتوسيع المستوطنات القائمة أو لبناء مستوطنات جديدة أو لتعبيد الطرق الالتفافية، وسيظل مئات الآلاف من الفلسطينيين محاصرين في مدنهم وقراهم تحت الرقابة الصارمة لسجانيهم من قوات الاحتلال وقوات الشرطة الفلسطينية، وسيبقى المعتقلون الفلسطينيون يتجرعون المعاناة صباح مساء في سجون الاحتلال، وستتفاقم المصاعب الاقتصادية محيلة الحياة إلى جحيم لا مفر منه إلا إليه.

ستستمر قوى الأمن الفلسطينية المختلفة في التنافس على إقناع «الزملاء» في وكالة الاستخبارات الأمريكية وفي أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أنها أهل الثقة ويمكن الاعتماد عليها في ضبط الأمور وحفظ أمن إسرائيل، وسيستمر الرئيس عرفات في تفقد حرس الشرف الذي يصطف لتحيته إثر عودته من جولة ما أو قبيل سفره ليبدأ جولة جديدة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 129

89

الثلاثاء 12-ديسمبر-1972

حالة العالم الإسلامي (129)

نشر في العدد 282

123

الثلاثاء 13-يناير-1976

القاديانية تتحالف مع إسرائيل

نشر في العدد 1150

61

الثلاثاء 16-مايو-1995

المجتمع الإسلامي.. عدد 1150