; منبر المجتمع أزهار القضاء وثماره في الحضارة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان منبر المجتمع أزهار القضاء وثماره في الحضارة الإسلامية

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1981

مشاهدات 66

نشر في العدد 528

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 12-مايو-1981

ما كانت لتفيض صورة الحضارة الإسلامية المزدهرة النابضة بالحياة الباهرة بأي حال وكل حال وكافة الأحوال بل هي تفيض بالأمثلة صورًا كريمة متلازمة متدفقة في القضاء وغيره.

السمت الأصيل

وكرامة هذا الأمر وصوره البارة وإنسانيته القائمة على الربانية موفورة مبرورة غامرة وعامرة تنطق بكل الأحداث المعبرة لأنها قامت فقط وعلى الدوام زمانا ومكانا على العقيدة الإسلامية وتطبيق شرع الله والحكم به سواء من قاض رسمي أو حكم شرعي يقف الجميع عنده، وفي كل تلك الأحوال كانت الأمثلة خير تعبير، بل إن إصدار هذه الأحكام ووضع هذه القواعد ورسم هذه الصور مستمدة من الوقائع وقائمة على الحقائق ومبنية على التطبيقات العلمية المكررة المكثرة والمألوفة المنظورة الرائعة الرائقة.

ودراسة هذا الأمر تنتج من المعرفة بالشرع ومقتضياته نقرأها عمليا ونتفهمها واقعيًا في تصرفاتهم ومجريات حياتهم انتماء كاملا وسمعة غامرة ليست لصيقة ولا ملحقة، بل أصيلة ناطقة وطبيعة ثابتة بنيت عليها الحياة في النفس والمجتمع، لاسيما لهؤلاء النفر من الأعلام فكانوا هم قبل غيرهم منفذين لشرع الله تعالى وحراسا له، فأكثر الحكام إخلاصا وأتقاهم أشدهم حرصا على الأخذ به.

رصيد التجديد

وهذه الأصناف في الأعلام ومنهم القضاة كانوا واجهة المجتمع المسلم وأعمدته وأعلامه وهداته ومصابيحه المتلألئة، وإن أقسى الحكام وأعتاهم وأشد الغزاة للعالم الإسلامي وأفظعهم وأعنف الطغاة وأجرمهم كان الواقف في وجوههم القضاة وأصناف الأعلام الأخرى من أحباب هذا المجتمع وحبات قلبه، فبجانب مكانتهم لدى الشعب كان الحكام يجلّونهم والجميع يلجأون إليهم لاسيما وقت الشدائد والضوائق، لا لمكانتهم فحسب، بل كذلك أحيانا لما يجدون فيهم من القوة النفسية المؤمنة والفضيلة وعلو الهمة والتصدي للأحداث والتصور للمشكلات بسمتهم الإسلامي، فكانوا جميعا يكرمونهم ويجلونهم ويغلبون رأيهم. 

وهذه هي الظواهر التي تنفرد بها الحضارة الإسلامية والحياة الإسلامية بفضل الشريعة الإسلامية التي يلتمسها الناس ممثلة بأوضح الصور صدورا وردودا يحيا بها المجتمع.

ومما أصيب به العالم الإسلامي هو نكوص بعض من تزينوا بزي العلماء أو جلسوا مجالسهم أو هم ملفقون مصطنعون، وبعد أن أجلت سلطات وسلاطين موتورون ومأجورون العلماء عن واقعهم وأنالوهم الكيد والموت وجرى هذا في العالم الإسلامي الوسيع، ورغم صبر هؤلاء الأعلام في محاجرهم أو معتقلاتهم ينتظرون الموت دون خوف ما تخلفوا عن قول كلمة الحق، وذلك جهاد وأي جهاد، كما علمهم الإسلام، أصروا على موقفهم وموقعهم وأشهروا سيف الكلمة وسلطان الحق في وجه الطغاة، فهم يعلمون جيدا ويؤمنون حقا عقيدة قلبية وفقها عمليا كلمات الله في القرآن الكريم التي تدعو وتشدو بكل هذه المعاني، فهم عليها مقبلون وإليها يتسارعون وهم يفقهون كل ذلك، وما بينه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في مثل قوله: "سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله". 

وكان الأزهر إلى عهد قريب يتزين بهذه الأمثلة الصبوحة التي للأسف بدأت تغيض، وفي داخل وخارج كنانته من بقاع العالم الإسلامي ما زلنا نشهد ونعي ملء العين مثل هذه المواقف تتجدد في إطار عقيدة الإسلام الحية المحركة المتحركة النادرة بالقوة وهذه الظواهر كان العالم الإسلامي بها يسمو ويفيض.

بلاغة الأحداث

فانظر هذا القاضي والعالم المقدام العز بن عبدالسلام الذي اشتهر بقومته على السلطة في مصر القومة المعروفة وأصر على بيع حكامها المماليك ونفذ ذلك، فهزت هذه الواقعة مصر كلها، وبها سمي "بياع الأمراء والملوك" كيف عارض ورفض ما أراده الملك المظفر «قطز» وبطل عين جالوت من جمع الأموال من الناس في مصر لقتال التتار، قائلًا: إنه لا يجوز أخذ المال من الرعية إلا إذا خلا بيت المال وبعد أن يباع كل ما لديكم ولدى الجند غير الفرس والسلاح والعدة وتصبحون مثل عموم الناس. فرضخ لذلك وأطاع.

وليست هذه الحادثة فريدة في تاريخنا الإسلامي وحضارته وإنما هنالك أكثر من مثال بها شبيه فإنه لما خرج الظاهر بيبرس إلى الشام لمواجهة التتار جرى مثلما جرى في مصر من طلب المال في الرعية لقتال العدو فوقف الشيخ محي الدين النووي (٦٧٦هـ) معارضا مع موافقة بعض العلماء على ذلك وأفتى بأن ذلك لا يجوز إلا أن يتخلى الملك عن أمواله وما يمتلكه من حلي هو وحاشيته. ورغم غضب الظاهر فلم يبال الشيخ النووي بغضبه.

ويجري مثل ذلك في الغرب الإسلامي في الأندلس والمغرب حين طلب أمير المسلمين المرابطين يوسف بن تاشفين (٥٠٠هـ) جمع المال من الأندلس لتحصين البلاد والإعداد للجهاد رفض قاضي مدينة المرية الأندلسية أبو عبدالله بن الفراء (٥١٤هـ) الاستجابة لذلك إلا بشرط عجيب هو أن يذهب الأمير المرابطي إلى مسجد مدينة مراكش العاصمة يحلف فيه أمام جميع الناس أنه لا يوجد في بيت مال المسلمين شيء، وعندها يوافق ويفتي بجمعه، ففعل الأمير. 

وكانت رسالة القاضي إلى الأمير في ذلك من عزيز الرسائل نوعا وغزيرها فضلًا وتكاد تكون مجهولة للمسلمين في عصرنا الحاضر الذي للأسف غمط فيه حق الإسلام، وكذلك في تاريخه وحضارته وحياة مجتمعه، بل شوهت أشد التشويه، حربا على الإسلام وطعنا له حقدا وعداوة ألبسوها أثواب العلم المفرجة المضرجة، غابت حقائقها عن كثير من المسلمين للوهم بغاياتها وجهل بحقائق التاريخ الإسلامي والثقة المخدوعة المقطوعة بهؤلاء الأعداء اللقطاء العملاء أو الجهلاء الذين تقيأتهم الحقائق وأنكرتهم الفضائل فكانوا فتات الفتات على موائد الشهوات والأحقاد، فغدت النهضة إلى بيان حقائق هذا التاريخ ضرورة عاجلة وملحة وواجبا ليس عنه محيص لانتزاع الحقيقة والفضيلة من مخالب هؤلاء العلماء الأدعياء والدارسين الدخلاء والمتنكرين الأعداء. 

وإن البحوث الأصيلة المدعمة بالحجج المبنية بالحقائق المضيئة بالوقائع والإكثار من الأمثلة التي ترسم الصورة الحقة أساسية في هذه الدراسة للبيان وللمواجهة وحق في كل الظروف والأحوال الدراسة الأمنية، ومن ثمارها كشف الزيف ورد الكيد وإظهار الحق الصراح.

أما رسالة قاضي المرية فتستحق كل الاهتمام والتوقف والدراسة لأنها تبين لونا من الأعلام وصنفا من المجتمعات المضيئة المترفعة الطاهرة ينعدم له النظير في غيرها تماما وهو أمر ليس غريبا في حضارة الإسلام، وما أكثر الجلائل المتفردة والمعالي المضيئة والمجالي الخصيبة. 

يقول القاضي: فما ذكره أمير المسلمين من اقتضاء المعونة وتأخيري عن ذلك، وأن الباجي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوا بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اقتضاها، وكان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضجيعه في قبره، لا يشك في عدله، فليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بضجيعه في قبره، ولا من لا يشك في عدله، فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك بمنزلته في العدل فالله تعالى سائلهم عن تقلدهم فيك، وما اقتضاها عمر رضي الله عنه حتى دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف أن ليس عنده درهم واحد في بيت مال المسلمين ينفقه عليهم، فتدخل المسجد الجامع هناك بحضرة من أهل العلم  وتحلف أن ليس عندك درهم واحد ولا في بيت مال المسلمين حينئذ تستوجب ذلك. والسلام .

مقام التقوى

ظاهرة في الحضارة الإسلامية ذات صلة بما مر وتصلح لذلك مقوما وصنوا ضروريا ودليلا عليها وقائدا إليها يصح مسها في هذا المقام.. إن هؤلاء الأعلام في حضارتنا الإسلامية كانوا بجانب كل المواصفات الأخرى من أكثر الناس ذكاء وأعلاهم فكرا وأعمقهم فقها وأدقهم فهمًا وأجودهم تقوى وأشدهم تعلقا بأمور الناس ومصالح الأمة وأوسعهم تضحية، وكانوا جميعا -ونخص القضاة منهم- يتطوعون في كل المواقف والتصرفات والمبادرات تقربا إلى الله وحبا فيه وخدمة لشرعه ويكونون دائما في المقدمة وهم غير مكلفين ولا مسؤولية عليهم والمسؤولية العظمى أمام الله تعالى في الدنيا وأصعب منها يوم الدين ﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ (الصافات:24) ولكن التكليف كان ربانيا في بيان الحق والدعوة إلى الله والأخذ به والعمل فيه وله الوقوف في مركز القيادة الحقيقية في كل الأحوال (لتبيننه للناس ولا تكتمونه)، وكانوا أول من يبذل ويضحي ليس فقط بالمال والعلم يقدمونه للناس، بل كذلك بالنفس في ميادين الجهاد الاجتماعي والسياسي والحربي، فهم والأصناف الأخرى من الأعلام أمثالهم كانوا القيادة الحقيقية، يؤدون حقها من القدوة والابتداء بالنفس والبذل من كل لون أداء لواجبهم التزاما وتطوعا، ساعين وراء الارتفاع والإعلاء باتجاه الأعلى والأوفى والأرقى ومتسعها رفيع وآفاقها واسعة لا تتوافر إلا في الإسلام ولا ينهض بذلك إلا من آمن به آخذا بالعزائم صليبا في الحق لا يخشى لومة لائم قويا بدينه لا يرهب من الناس أحدا، ويخشى الله وحده، وحين دخل العز بن عبدالسلام على أحد السلاطين فقيل له: أما خفته؟! فقال: والله يا بني استحضرت هيبة الله تعالى فصار السلطان أمامي كالقط. 

وكان الحكام أنفسهم يحترمونهم فهؤلاء العلماء قد باعوا دنياهم رغبة فيما عند الله إيمانًا بالله تعالى وإيثارا لمرضاته وبحثا عن أمره وسعيا بشرعه، يتصدرون الأمور ويركبون ثبج المعامع، باذلين من أجل ذلك كل عزيز يقودون الناس للخير ويقودون نحو الهدى يحملون الراية كلما اشتدت الأزمات مثلما يتصدرون إحقاق الحق وقت الرضاء وفي مجرى الحياة، أو يعلمون الناس العلوم في كل ذلك يضربون الأمثال وهم أكثر صدارة وقت الشدة وأعم ظهورا وقت الأخطار دونها وقت الرضاء، وقد يتعففون حتى على المباح فلا يعملون أحيانا بأجر في القضاء وبعض الأمور الأخرى كالتعليم، في كل ذلك يتقدمون ولا يتأخرون ووقت الشدة أكثر شجاعة وإباء وإقداما ومضاء مقبلين غير مدبرين منكرين لذواتهم ومتحسبين.

وموضوع الأعلام في القضاء وغيره جدير بالدراسة والاهتمام والتأليف كما هو جدير بجعله موضوعا دراسيا في كافة المراحل لاسيما الجامعية.

                                                    بركة «الربانية»

وعلماء هذه الأمة الربانية مباركون بعلمهم وعملهم يستمدون ذلك من إيمانهم وصلتهم الوثقى بالله تعالى وشرعته وهم ورثة الأنبياء علما وفقها وتقوى وورعا يقودون الناس لنفس الطريق ويدركون جيدا معاني الإسلام وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم لاسيما في المسؤولية وأداء الأمانة قدوة وقيادة «ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» يشمل كل مسلم فكيف بقادتهم من القضاة والأعلام.

                                                 أمانة الوراثة الشرعية

وإن هذه الوراثة وهي ليست مالية ولا دنيوية لا تضع في ذلك شيئا في حساباتها بل شرطها الارتفاع عنها لا تقتصر على العالم المجرد وأمانة نقله بل وراثة مقتضاها وقواعد علمها الموروث أن تكون شاملة لكل وظيفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الدعوة والتبليغ والقدرة والبذل والابتلاء والتقدم بمقدار وظيفتهم ومكانتهم التي تقتدي بالنبوة وتهتدي بها أسوة حسنة، وإن أشد الناس بلاء الأنبياء رسل الله صلى الله عليهم وسلم الذين تلقوا وصية ثم هؤلاء العلماء الورثة الذين يلونهم ثم الذين يلونهم من ورثتهم فهم بحق عند ذاك ورثة أنبياء الله تعالى الذين بلغوا الرسالة عليهم الصلاة والسلام وآخرهم رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.

واجب وضرورة وحاجة

وموضوع القضاء واسع وجميل مثل كثير غيره ولا يستطيع أو يصعب على فرد القيام بهذه الدراسة فهي موضوع يحتاج دراسة متنوعة متخصصة هادفة كما أنه لابد لها من مواصفات وشروط وأسس مهمة تقوم عليها هذه الدراسة وهذا في كل الميادين لاسيما التي مازالت بحاجة إلى دراسة أكثر كالقضاء وهي ضرورية له ومازال بحاجة إلى من يقوم بجلاء جوانبه والوفاء بحقه يعطيه ما له من عناية ورعاية ومهارة تمكنه من فهمه وتقديمه بأمانة ورصانة ليبني صورة على الأصيل والجليل من المواقع والبدائع والمنير من الروائع، وهنا تقدمت بعض الأمثلة بعدة ألوان وعصور من التصرفات وصور من المواقف التي رباهم عليها الإسلام ورواهم بمائه ورعاهم في جوه وأشربهم من حبه وشرعه.

وهذه دعوة قائمة على الدوام ومسطورة لا تنتهي إلى يوم الدين إن شاء الله رب العالمين ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾  (السجدة:٢٤).

الرابط المختصر :