; منبر المجتمع.. (العدد 588) | مجلة المجتمع

العنوان منبر المجتمع.. (العدد 588)

الكاتب محمود عيد

تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1982

مشاهدات 128

نشر في العدد 588

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 21-سبتمبر-1982

 الدعوة إلى الله شرف وتضحية

  • مما لا شك فيه أن الدعوة إلى الله مركز رفيع الشأن عند الله والناس، وأن الذي يلج طريقها ويعشق السير فيه ويهب لسانه وجنانه لخدمتها يصل إلى مقعد صدق، وحسب الدعاة إلى الله شرفًا هذه الشهادة من الله تعالى لهم ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِيْ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ﴾ (فصلت: 33) إلا أن الآية الكريمة وإن أشادت بهم وبالمقام الرفيع الذي رفعتهم به الدعوة فإن ذلك مشروط بالعمل الصالح، فإن القدوة الحسنة هي أبرز صفات الداعية لينال الثقة عند من يدعوهم، والطمأنينة إلى أنه يعمل بما يدعو إليه و يستجيب أولًا لأوامر الله ويتحرك بالبواعث الإيمانية؛ ‏ولذا فإن الدعوة لا ينجح صاحبها إلا إذا كانت له هواية يتجرد ‏لأداء شرفها، ولا يتخذها حرفة للتكسب أو مظهرًا يرائي بها الناس، بل يترفع بالدعوة عن السير في مواكب ذوي النفوذ والسلطان، ويوطن نفسه على أن طريقها ليس مفروشًا بالرياحين والورود، بل هو مملوء في أكثر الأحيان بالأشواك والعقبات والتضحيات، وأن الثمن قد يكون باهظًا يدفعه وهو شاعر بالارتياح والرضا.

إن الداعي إلى الله حين يدفعه إلى شرف النهوض بها التماس الأجر من الله أولًا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا».

وحين يوطن نفسه على أنه قد يدفع حياته ثمنا لها إرضاء لربه فإنه بذلك يدخل مع سيد الشهداء حمزة رضي الله عنه في ميدان الشهادة الذي يقول فيه الرسول صلوات الله وسلامه عليه: «سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» إنه بذلك دخل مع ورثة الأنبياء؛ إذ أنه عالم أدى أمانة العلم وحمل هذا الشرف الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء».

  • والداعي إلى الله دائم المحاسبة لنفسه، حي الوجدان مرهف الحس يحذر الغرور وثناء الناس عليه والتفافهم حوله، ويوقن أن الغرور منزلق للسقوط.. إنه يفكر في الوسائل التي تحبب الناس في الدعوة ويجدد فيها، ويتخير الأوقات المناسبة للدعوة، ويحدثهم بما يشغلهم ويحتاجون إليه في دنياهم وأخراهم، ويشد انتباههم إليه ‏بطلاقة وجهه وسماحة عرضه وقوة بيانه، ويكون للناس طبيبًا يداوي جراحهم ويتعرف على مشاكلهم ويستعين بالله عز وجل في حلها، ويفتح قلبه ومكتبه بل وبيته الخاص للتلاقي بهم والاستماع إلى أسئلتهم والتثبيت في الإجابة عليها؛ ولذا لا بد له من الاطلاع على أمهات المراجع في مختلف جوانب المعرفة، من فقه وسيرة وسنة وغيرها.. إنه يجعل القرآن أمام عينيه هاديًا ومرشدًا. يتخذ الدستور الإلهي في أسلوبها وهو الذي أمر به الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل: 125) يتحاشى الغلظة والحمق والاندفاع فإنها مضرة، وثناء المولى على الرسول في سورة آل عمران ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (آل عمران: 159) على من يتصدى للدعوة أن يسير على ضوئه. إنه يصدع بالحق غير مرتجف على رزقه فهو بيد الله وحده، وغير خائف على حياته فلكل أمة أجل فإذا جاء أجلهمك لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون .

إن تراجم الأفذاذ من العلماء الذين صهرتهم المحن وصقلتهم الشدائد يجب أن تكون ماثلة أمام ناظريه، يستلهم منها و يقتدي بها ولا يركن إلى الدعة والراحة والركون إلى الرفاهية، فذلك ينأى به عن الطريق الأرشد، هذا مع حرصه على السمت اللائق بأمثاله من العلماء. إن مواطن الريبة ومجالس السوء وأماكن اللهو يتوقاها بداهة، بل ويحذر الناس منها ويدرس الأندية التي يصح أن يغشاها ويدعو إلى الله فيها، وليكن عونًا وساعدًا لكل جماعة تدعو للخير، وليكن مشجعًا لكل من يأنس فيه الصلاحية للقيام بالدعوة إلى الله، فلا يحسد ولا يحقد ويستجيب للدعوات ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

 إن الرأي العام الإسلامي لا يقوم إلا بالدعاة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وإذا قوي الرأي العام صار قوة لها احترامها، وتستطيع أن تشير فيستجيب المسؤولون لإشارتها، وما يفشو الشر إلا بسكوت الناس وصمتهم أمام المنكرات؛ وبذا يحل على الناس ما يستحقون، وما أصدق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم».

والصبر سلاح من أقوى الأسلحة، فلا يضيق ‏صدره بما يوجه إليه من إرجاف ولا بما يناله من عنت، ولا يثنيه عن سبيله تهديد أو وعيد، وليكن نصيرًا للضعفاء مدافعًا عنهم فالله تعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (الكهف: 28).

 إن الدعوة مسؤولية يجب أن يحس بها من ينهضون بها ويلتمسون التوفيق من الله تعالى في الاستمرار والنجاح والعون، ويضعون نصب أعينهم كلمة نبي الله شعيب عليه السلام لقومه ﴿وَمَا أُرِيْدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيْدُ إِلّا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيْقِيْ إِلّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ (هود: 88) ويضعون نصب أعينهم كذلك كلمات مؤمن آل فرعون الذي صدع بكلمة الحق في جو كله طغيان وعسف وكان عرضة لكل خطر، ومع ذلك لقي الحماية الإلهية.. إنه قد ختم نصائحه بقوله﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (غافر: 44-45).

إن الشدائد تمحص الدعاة وتصقلهم ولا تزيدهم إلا إصرارًا وعزمًا، فإيمانهم يهون عليهم المصاعب والأهوال، كهؤلاء الذين وصفهم الله تعالى في سورة الأحزاب ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (الأحزاب: 22). لا بد من الرجولة ليواجه بها الداعية ما يلقاه من شدة وليلحق بركب الذين وصفوا في سورة الأحزاب ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب: 23).

ومسألة مهمة جدًّا يجب أن يتوقاها الداعية وهي الجدل في الأمور الفرعية، ولتكن القضايا التي تشغل المسلمين وحفز الهمم للجهاد بالنفس والمال ووصل الناس بخالقهم ليسيروا في ركب الأعزة على المؤمنين الأذلة على الكافرين الذين وصفهم ربنا جلت قدرته في سورة المائدة وقال عنهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ (المائدة: 54) لتكن هذه القضايا هي شاغله المهم.

  • وأخطر ما تبتلى به سمعة الداعية التمسح بالحكام وأرباب السلطان والنفوذ، وكثرة التردد على أبوابهم والتماس تحقيق الأطماع الدنيوية على أيديهم، ومسايرتهم في أهوائهم واستخدام الألفاظ المنمقة في امتداح الحكام والثناء عليهم. إنه بهذا السلوك يفقد الثقة التي هي رأس مال الداعية، وإذا اهتزت فيه الثقة أدار الناس ظهورهم له وأعرضوا عن سماعه، بل واستهانوا به وازدروه ولهم عذرهم.

وأخيرًا وليس آخرًا يعطي الشباب المسلم أكبر عناية، فلا يتخلف عن دعوتهم بل ويسعى إليهم في المساجد والأندية وفي كل المناسبات التي ينفذ منها إليهم، وإذا نال الداعية ثقة الشباب استجابوا لدعوته، وانطلقوا يصلحون أنفسهم ويصلحون غيرهم، فما قامت الدعوات الصالحة إلا على أكتاف الشباب.. إنهم الأمل في صلاح الأمة لأنهم رصيدها الحي ورأس مالها المشرف، إن استنهاض همم الشباب وإبعادهم عن المفاتن والمغريات وتشويقهم للاطلاع النافع والحرص على أوقاتهم، وإبعادهم عن الجدل وأخطاره وتعميق اليقين بالله والثقة في نصره للمؤمنين، وتنافسهم في المجال العلمي ليستعيدوا ماضيهم الزاهر، وتشويقهم إلى التضحية بالنفس والمال ليكونوا بحق صادقي الإيمان كما قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (الحجرات: 15) إن ذلك كله يأتي بأطيب الثمرات؛ لأن الشباب هم العدة والعتاد. فليكن الداعية صديقًا ومرشدًا لهم، موجهًا همتهم إلى ما يفيد أمتهم، محذرًا إياهم من التعلق بالخلافات التي تفرق ولا تجمع، وكما قال الإمام الشهيد حسن البنا: «نلتقي فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه». وقد كان رضوان الله عليه يغرس الحب في الله ويربط القلوب برباط الإيمان، ويحرك الشباب للعمل المفيد في دينهم ودنياهم؛ ولذا فإن المدرسة التي رباها ستظل بأجيالها نموذجًا للإخلاص والعمل المشرف والتضحية؛ لأنها أخذت تعاليمها من النهج القرآني والنموذج المحمدي.

الرابط المختصر :