العنوان يكتبه هذا الأسبوع مدرسة ذيل بغلة السلطان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1980
مشاهدات 81
نشر في العدد 476
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 15-أبريل-1980
● هاجمت الحركة الإسلامية في أحرج أوقاتها.
● حاولت تفريغ الصحوة الإسلامية من طابع الجهاد.
● تحاول إضفاء الشرعية الإسلامية على السلاطين.كان أنور السادات في أوائل حكمه- قد وعد الشعب بعدم ترشيح نفسه للرئاسة من جديد.. زهدًا في الرئاسة وتجرُّدًا من فتات الدنيا.. ولأن أنور السادات كثير الوعود ... وأكثر من خرق العهود، فقد قرر أن ينسج التراجع عن القرار تحت ضغط شعبي مفتعل...بناء عليه تم عقد مؤتمر شعبي كبير برئاسة رئيس مجلس الشعب آنذاك... واحتشد في هذا المؤتمر جميع المصفقين والهتَّافين من مختلف فئات الشعب.. وصارت كل فئة تخطب وتناشد الرئيس وتتوسل إليه بعدم حرمان الأمة من القيادة المُلهمَة وتركها في الوقت العصيب للضياع والتيه.. ولا زلت أنكر النفاق القبطي المتمثل في ذلك الكاهن الذي كان يقاطع كل خطيب هاتفًا بحياة الرئيس وعندما جاء دور من يمثل علماء الإسلام.. نهض الشيخ الباقوري ليبدأ خطبته من مدخل مختلف.. من باب خلفي.. فقد بدأ بالإشادة بسيدة مصر الأولى والسلطة الأعلى.. بزوجة الرئيس.. على غير ما سلكه الآخرون.. نوع من التجديد.. ويظهر خلال كلمة الباقوري تنافس ديني بين القبطي والباقوري.. فقد كان القبطي يقاطع كل جملة للباقوري هاتفًا بحياة السادات.. مما اضطر الباقوري أن يقطع خطبته وبحدَّة «يا أخي اسكت.. سأقول هادئًا أفضل بكثير مما تقوله صارخًا». ثم انطلق الباقوري يستل الأدلة العقلية والنقلية (الشرعية) لإثبات عدم جواز تنحي الرئيس عن الرئاسة.. فقد بين أن السادات ملك للشعب وليس ملكًا لنفسه.. ولذلك فليس من حق السادات أن يتصرف بنفسه على غير إرادة الشعب.. والشعب كله!! متمسك بالسادات.. ولا بد للسادات أن يحترم إرادة الشعب.. ثم أخذ يهاجم المعارضة.. وبالذات المعارضة التي كانت تصنع «النكت» والحكايات الساخرة حول السادات وعهده.. فقال «إن السلطان هو ظل الله في الأرض.. وظل الله في الأرض له حرمة ومهابة فلا يجوز المساس بالسلطان أو الإساءة إليه بكلمة.. حتى أن الفقهاء قالوا إذا كان السلطان يركب بغلة، وذيل بغلة السلطان مقطوع.. فلا يجوز التهكم عل ذيل بغلة السلطان. فكيف بالتهكم على السلطان!؟»لقد أصبح ذيل بغلة السلطان قضيَّة يتندر بها الناس.. ففي اليوم التالي ظهرت في الصحف تعليقات كثيرة حول ذيل بغلة السلطان.. وكانت هذه الحادثة فرصة لتحديد ملامح مدرسة فكرية سلوكية جديدة في التاريخ المعاصر اسمها مدرسة «ذيل بغلة السلطان».. وقد يكون أتباع هذه المدرسة من قطاعات دينية مختلفة في البلاد، وقد يكون هؤلاء الأتباع من بلدان مختلفة ولكنهم يتفقون في أنهم في خدمة السلطان.. يُلَمِّعون ذيل بغلته بالنصوص الفقهية القديمة..وملامح هذه المدرسة هي:
● فتاوى معلّبة جاهزة
فلكل قضية فتوى جاهزة.. فبمجرد أن يطلب السلطان فتوى تَستخرج له رأسًا.. والسلطان غالبًا ما يُمرر مشاريعه دون فتاوى.. ولكن سدًّا للذريعة ودرءًا للمفاسد يكمل السلطان مشاريعه بفتوى من تلك الفتاوى..فالسادات لم يكن في حاجة لفتوى من شيخ الأزهر وشركائه لتوقيع معاهدة مع إسرائيل.. ولكن طالما شيخ الأزهر جاهز.. وعلى أتم الاستعداد لتلبية جميع الطلبات.. فلِمَ لا؟وكذلك عبد الناصر.. لم تكن لديه تلك الحاجة المُلِحَّة لاستصدار فتوى تبيح فوائد البنوك الربوية ولكن الشيخ شلتوت قَبِل منصب مشيخة الأزهر.. وهذا المنصب لا يُعطَى منذ تلك الأيام إلا لأتباع مدرسة ذيل بغلة السلطان.. وعليه فالحصول على فتوى مناسبة أمر سهل! أما تطوير قانون الأحوال الشخصية المصري الذي وجد معارضة من شيوخ الأزهر المتثبتين لدينهم كالشيخ أبي زهرة رحمة الله عليه فقد كان لا بد من تمريره. خاصة أن السلطة الأعلى السيدة جيهان صارت هي التي تقف وراء المشروع، فبموت الشيخ أبي زهرة وبمجموعة فتاوى من أتباع مدرسة ذيل بغلة السلطان مرَّ القانون.
● مهاجمة الحركة الإسلامية
فالعداء مُزْمِنٌ بين الحركات الإسلامية وأتباع هذه المدرسة.. فبينما تجند الحركة الإسلامية كل صحوة إسلامية من أجل تطبيق شرع الله وإقامة الدولة الإسلامية، يقوم أتباع المدرسة بهجوم تشكيكي عنيف ضد الحركة..متولي شعراوي وهو من أحدث موديلات ذيل بغلة السلطان اعتبر جماعات الحركة الإسلامية سُبَّة في جبين المسلمين.. وشتم جماعة الإخوان المسلمين بل صرح مباشرة بالكُرْهِ العميق لهم..شيوخ من جمعية أنصار السنَّة في مصر والسودان يعلنون، السخط على قادة الحركة الإسلامية.. وهناك شيخ اسمه محمد الفقي كتب خلال مذبحة الإخوان الثانية مقالًا في كتاب أصدره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة بعنوان «رأي الدين في إخوان الشيطان» مبيحًا دم الإخوان ومتهِمًا إياهم بالعمالة قائلًا «بقيت لي كلمة أخرى أهمس بها في أذن هذه الفئة من جماعة الإخوان المسلمين أكان قيام الحلف المركزي بالمال والرأي وراء الفكرة، دعوة إلى نصرة الدين أم غرسا لبذور الفتن» ص 35.وهذا شيخ الأزهر السابق محمد مأمون يهاجم الإخوان ويستبيح دماءهم في بيان أصدره آنذاك «إن الاستعمار قد يئس أن يعيش بينكم وأن يتحكم في أموركم وأن يمتص خيراتكم.. فاصطنع منكم نفرًا ليهدموا مكاسبكم ويضعوا العراقيل في سبيل نهضتكم فتنبَّهوا جيدًا إلى كيد هؤلاء.. وتآمُر هؤلاء.. حتى لا تنتكس ثورتكم وتعودوا إلى عهود التبعية والإقطاع والرأسمالية»
.● تفريغ الصحوة الإسلامية من طابع الجهاد
فأتباع هذه المدرسة لا يريدون إسلامًا جهاديًّا.. فمنهم من يريد إسلاما أكاديميًّا.. ومنهم من يريد إسلامًا صوفيًّا.. متولي شعراوي يقول لا يوجد شيء اسمه دعوة.. نحن نريد أن نناصح السلطان.. فكلما فعل شيئًا للإسلام شكرناه عليه وإن لم يفعل عاودنا النصح.. ويرى أن من يقوم بهذه المهمة هم علماء الدين فقط.. فالشعب لا شأن له بذلك، بل إنه اعتبر السلطان بمرتبة الألوهية.. كثير منَّا يذكر قولته داخل مجلس الشعب عن السادات «إنه لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون»كثير من أشباه أتباع هذه المدرسة يوجِّهون الصحوة الإسلامية إلى قضايا فلسفية باهتة.. ويفرِّغون جهود الشباب في الجدل والنقاش والخصومة.. بل كثير منهم يزاول عملية التشكيك في قادة الحركة.. فتارة يتهم حسن البنا بالصوفية.. وتارة يتهم سيد قطب أنه من المتأولين، هكذا تُفرَّغ طاقات الشباب، وهي عملية مُتعمَّدَة مقصودة رغم أن أغلب السلف الصالح من الأشاعرة والمؤولين فابتداء بالطبري المفسِّر والقرطبي وابن العربي وابن حزم وانتهاء بالسيوطي والسخاوي وابن حَجَر ورغم أن قادة الحركة الإسلامية لم يكونوا كذلك.. ولم تكن تعنيهم هذه القضايا إلا أنها وسيلة من وسائل أتباع مدرسة ذيل بغلة السلطان.لقد وقف الشيخ الفقي يوم 13 فبراير وسماعته موجهة إلى ميدان العتبة ليرد على ذلك الذي كان يبكي على مقتل حسن البنا قائلًا «لعلك تبكي على ذاك الذي ذهب إلى جهنم وبئس المصير».هكذا يتهم ويشتم الدعاة من قبل أولئك الذين يفرغون الدعوة من طابعها الجهادي ويوجهون الشباب إلى قضايا الجيل والخصومة ومن المفارقات الغريبة أن هؤلاء يكفرون الشيعة الاثنى عشرية والخميني من جانب.. ومن جانب آخر يغضون الطرف عن الشيعة النصيرية ويسخرون من الخارجين عليهم...وإذا انتقلنا إلى الآخرين من الصوفية الحديثة.. فإن السلطان يثق بهم.. بل يرصد ميزانية لنشاطاتهم.. فهم أوضح صور أتباع مدرسة ذيل بغلة السلطان.. وهم الذين حقًّا يُفرِّغون الصحوة من الجهاد ويجعلونها في غيبوبة الآهات والأوهام.وزير الأوقاف المصري الحالي- وهو أحد المبرزين في هذه المدرسة- خصص ١٠% من نذور الأضرحة للنشاط الصوفي ويحاول جاهدًا أن يتسلم رجال الصوفية مهمة الوعظ والإرشاد في مساجد مصر.. وقامت الحكومة بدعم الطرق الصوفية بنصف مليون جنيه..وللتقارب ما بين الصوفية والبهرة الخارجة عن الملَّة.. فقد أوصى شيخ الأزهر السابق -عبد الحليم محمود بإنجاز معاملة أي قادم من الهند بتوصية من البهرة.. لقد قدم البهرة كساء لما يُسمى بضريح السيدة زينب «أم هاشم» كُلِّف أربعة ملايين ونصف دولار..إن الصوفية اليوم تقف بكل ثقلها وراء مدرسة ذيل بغلة السلطان، وتركِّز جهدها في تصفية الجهاد من الحركة الإسلامية
● إضفاء الشرعية الإسلامية على السلاطين
الشعوب الإسلامية ما زالت تحمل في صدورها عواطف دينية تتدفق على هيئة انتفاضات ومظاهرات واستياءات.. فلا بد من تعزيز هذه العواطف بنصوص فقهية تُضفي الشرعية على السلاطين.. وهذا هو أحد أدوار هذه المدرسة.كتب عبد العزيز كامل وزير الأوقاف المصري السابق أبان مذبحة عبد الناصر للإخوان -كتابًا حول الدين والدولة وزَّع فيه أدوار القُوى المتصارعة كأدوار القوى المتصارعة في حكومة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، فأعطى دور اليهود والمنافقين للإخوان وإسرائيل وأمريكا.. وأعطى دور الرسول وصحابته لعبد الناصر وأعوانه.. وانتقل إلى مشهد آخر.. مشهد الخليفة عليّ بن أبي طالب مع الخوارج.. طبعًا جعل عبد الناصر في دور عليّ والإخوان في دور الخوارج .ولايزال الكثيرون اليوم يُكَحِّلون عيون بغلة السلطان بنصوص الفقه الإسلامي التي وُضعت لظروف غير ظروفنا وأزمان غير أزماننا..هذه المدرسة وهذه ملامحها.. مدرسة ذيل بغلة السلطان.. وهي مدرسة لها صور متكررة في التاريخ..لقد سجل القرآن صورًا من مشاهد هذه المدرسة لكي تكون عبرة لمن يأتي من بعد وله قلب سليم.. لقد استعان حاكم مصر القديم «رمسيس» برجال هذه المدرسة «السحرة» ضد الحركة الإسلامية بقيادة «موسى» عليه السلام فلما جاء السحرة قالوا: أئن لنا لأجرا أن كنا نحن الغالبين؟قال: نعم.. وإنكم إذا لمن المقربين؟المال والمنصب مقابل الدخول في مدرسة ذيل بغلة السلطان بل إن الأمر يصل أحيانًا إلى الارتباط بالمخابرات المركزية.. ففي قضية التجسس المتهم فيها مصطفى أمين وفي إحدى المقابلات.. كما هو مدوَّن بشريط التسجيل الحادي عشر الذي سَجَّل مقابلته يوم 7/7/1965 بين ضابط المخابرات الأمريكي بروس تايلور ومصطفى أمين جاء بروس تايلور إلى مصطفى أمين ومعه برقية وصلت إليه من رئاسة المخابرات المركزية وعرض عليه البرقية حيث جاء بها أن الأزهر طلب مساعدة ثقافية من الولايات المتحدة وطلبت رئاسته– أي بروس- منه أن يبحث عن شخص يوصِي عما إذا كان ينبغي على أمريكا أن تقدم هذه المساعدة أم لا، ورشح مصطفى أمين الشيخ الباقوري لذلك...وبعد ذلك طلب بروس من مصطفى أمين النصيحة بشأن هذا الموضوع، فذكر له الأخير أنه يقترح تقديم المعونة التي يطلبها الأزهر دون رعاية في الوقت الحاضر.
● في الوقت الذي أريد أن أقفل فيه باب المقال مرَّ بخاطري كلمات لسيد قطب.. أودُّ أن أهمس بها إلى أتباع مدرسة ذيل بغلة السلطان.. وإلى الذين يتغزلون بذيل البغلة.. وإلى من نخشى عليهم السقوط في هذه المدرسة.. يقول سيد..وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله ثم يزيغ عنها، ويعلن غيرها ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل يحاول أن يثبِّت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرماته في الأرض جميعًا ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾. (الأعراف:175-177) إنه نبأ يمثل حال الذين يكذبون بآيات الله بعد أن تبين لهم، فيعرفونها ثم لا يستقيمون عليها.. وما أكثر ما يتكرر هذا النبأ في حياة البشر، ما أكثر الذين يُعطَوْن علمَ دين الله ثم لا يهتدون به، إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه، واتِّباع الهوى به، وهواهم وهوى المتسلطين الذين يملكون لهم- في وهمهم- عرض الحياة الدنيا، لقد رأينا من هؤلاء من يعلم ويقول: إن التشريع حق من حقوق الله سبحانه من ادعاه قد ادَّعى الألوهية.ومن ادعى الألوهية فقد كفر، ومن أقرَّ له بهذا الحق وتابعه عليه فقد كفر أيضا، ومع ذلك مع عِلمه بهذه الحقيقة التي يعلمها من الدين بالضرورة فإنه يدعو للطواغيت الذين يَدَّعون حق التشريع، ويدَّعون الألوهية بادعاء هذا الحق.. ممن.. حَكم عليهم هو بالكفر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل