; حاجتنا ماسة إلى الدراسات الشرعية المتخصصة | مجلة المجتمع

العنوان حاجتنا ماسة إلى الدراسات الشرعية المتخصصة

الكاتب الدكتور خالد عبد الله المذكور

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1980

مشاهدات 68

نشر في العدد 488

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 08-يوليو-1980

  • التخصص سمة هذا العصر
  • التخصص يستلزم منا نظرة جدية إلى كتب الشريعة
  • إحالة طلاب العلم الشرعي للكتب القديمة أمر ضروري
  • الحاجة إلى إنشاء كلية شريعة مستقلة حاجة ملحة

يقال دائمًا إن عصرنا الحاضر يتميز بأنه عصر التخصص.. نجد هذا في مجالات متعددة من العلوم النظرية والعملية. 

فالدراسات الطبية مثلًا فيها تخصصات عدة في أجهزة الجسم الإنساني والدراسات الهندسية فيها فروع متعددة كثيرة. 

يحتم هذا سرعة العصر واختصار الزمن فيه، والتعمق الدقيق من جزئية من جزئيات العلوم أيًا كانت نظرية أم عملية يعطيها بعدًا كبيرًا، ويعمق مفاهيمها وتكون هذه الجزئية من العلوم تكون في حد ذاتها علمًا قائمًا متميزًا وهذه حقيقة سلم الكل بها.

 فإذا جئنا إلى علوم الشريعة وكتبها خاصة ما كتبه علماؤنا الأقدمون نجد أن منهجهم كان قائمًا في بحث مختلف علوم الشريعة في كتاب واحد تجد فيه التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام واللغة العربية.

 خذ مثالًا على ذلك كتاب «الجامع لأحكام القرآن» لأبي عبد الله القرطبي -رحمه الله- تجده مصدرًا جامعًا لكثير من علوم الشريعة الإسلامية من تفسير للآيات وبيان سبب نزولها وبیان معانيها اللغوية، وما جاء فيها من أحاديث شريفة ثم يتعرض إلى ما فيها من أحكام شرعية.

وإذا أخذنا كتاب الموطأ للإمام مالك، وهو يعتبر كتاب حديث نجد أن الإمام مالك رتبه على أبواب الفقه الإسلامي يجمع أحاديث الطهارة في باب وأحاديث الصلاة وهكذا....

كما أن الشوكاني وهو من المتأخرين رتب كتابه نيل الأوطار على هذا المنوال.

وإذا طالعنا أي كتاب من كتب الفقه الإسلامي مما ألف قبل القرن الرابع عشر الهجري نجد أن معظم هذه الكتب تبدأ بأحكام المعاملات، ثم بأحكام القصاص، والحدود ثم أحكام توزيع التركات وهي بذلك تتناول أحكام المسلم من حين يبلغ ويكلف إلى أن يوسد في قبره والقارئ المتعمق لمثل هذه الكتب يجد متعة ولذة يمازجها إعجاب في عمق الحديث وأصالة العلم فهو ينتقل من علم إلى علم ومن فن إلى فن وكلما تعمق قارئها طلب المزيد وعلماؤنا الأقدمون رحمهم الله وجزاهم خيرًا لم يتركوا شاردة ولا واردة إلا وأشبعوها بحثًا وتنقيبًا وتأصيلًا.

غير أن التخصص في هذا العصر يستوجب منا نظرة جديدة إلى هذه الكتب عامة وإلى فروع الشريعة بصفة خاصة.

ويمكننا أن نعدد فروع التخصص في مجال شريعتنا الغراء إذ يمكن أن تستوعب الدراسات الشرعية كل فن على حدة، وكل فرع على انفراد مع تأصيل معين واستناد إلى قاعدة عامة راسخة في مجال دراسة الشريعة الإسلامية.

وهذا يستدعينا إلى تعميق الدراسات الشرعية بتسليط الأضواء على هذه الفروع الكثيرة في الشريعة الإسلامية مما يجعل من تلك الدراسات ضرورة ملحة بتعجيل بإنشاء كلية مستقلة للشريعة تحتوي هذه الفروع جميعًا، فتبدأ بدراسة عامة شاملة لأصول هذه الفروع مع معرفة تامة بأصول الشريعة من القرآن والسنة.

ومن ثم يتعمق الدارس في فرع من هذه الفروع العديدة محاولًا المقارنة والمناظرة بادئا بدءًا جديدًا من خلال دراسته غير معتمد على ما يعطى من مذكرات، وكتب صغيرة وإنما يوجه إلى أمهات الكتب في الفقه الإسلامي آخذًا منها معالجًا لغتها ممتزجًا بقضاياها ضاربًا فيها بسهم وافر حتى تلين عريكتها له، ومن ثم يحاول أن يخرج منها بما يفيد نفسه ومجتمعه مع بقائه مرتبطًا بتراثه منضبطًا في أسلوبه وعبارته يملك لغته من خلال هذا الثراء الخلاب. 

ونحن إذا أخذنا بعد ذلك نعد فروع الشريعة أو النقل نعدد جميع التخصصات في عصرنا الحديث على ضوء الشريعة الإسلامية آخذين من منبعها الصافي الرقراق نرى أنفسنا في حاجة إلى جامعة إسلامية تعطي النظرة الصحيحة لكل الدراسات النظرية، والعملية من خلال عقيدتنا وشريعتنا. 

ولكن لنقتصر الآن على ما يسمى عرفًا بعلوم الشريعة الإسلامية إننا نجد أنفسنا بحاجة ماسة إلى كل علم من علوم هذه الشريعة: وإلى كل متخصص في علم من هذه العلوم وسنقتصر على علم المصدر الأول وهو القرآن فإذا أخذنا علوم القرآن وهو كل ما يتعلق بالمصدر الأصيل والأول لشريعتنا الغراء نجد أننا محتاجون إلى متخصصين في هذا المجال ولا مجال هنا إلى القول بأن الأقدمين قد صنفوا في هذه العلوم مما لا مجال فيه لمستزيد وبينوا وأبطلوا كثيرًا من الشبه التي أثيرت حول القرآن العظيم، فإن لكل مجتهد نصيب وطرق الاستنباط والاستخراج والإتيان بشيء لم يأت به الأولون هو طبيعة كل زمن في جميع التخصصات.

فكم من طعون وجهت في القرون السالفة إلى كتاب الله فردت وأبطلت وكم من طعون توجه إلى هذا القرآن العزيز في هذا العصر ولا تجد من يردها ويبطلها ولا يستطيع أن يدرك مثل هذه الدسائس والطعون خفيها وجليها إلا المتوفر المتعمق الدقيق في مجال علوم القرآن.

وإذا ألقينا نظرة إلى علم التفسير يطالعنا هذا العلم الذي يخدم كتاب الله ويفتح خزائن كلمات الله بمدى حاجته إلى من ينقيه من الإسرائيليات، والأقوال الضعيفة والأهواء المغرضة فإذا صنفناه أجزاء نجده تفسير الأثر وتفسير الرأي والتفاسير الباطنية التي ألفها أصحاب الأفكار المنحرفة التي سادت زمنًا وتجدنا بافتقار إلى من ينقي كتب التفسير من الشوائب ومن ينخلها لكي تزول عنها الشبهة.

 ثم إننا في عصرنا محتاجون لمن يفسر لنا كتاب ربنا تفسيرًا معتمدًا على الأثر غير هياب في رأيه إذا كان يملك آلة التفسير بحيث يجمع بين سلفية التفسير، والرأي بأسلوب مبسط لين رقيق يعايش ما نحن فيه ويستنبط من آيات ربنا ما يجعلنا نتوجه إليه، وإنها والله لمهمة خطيرة تحتاج لهمة عالية وتخصص متفرد.

 وإذا أتينا إلى علم القراءات والتجويد تقويمًا للسان وصقلًا للآذان وتهذيبًا للوجدان فما علينا إلا أن ننظر حولنا لنرى أن جميع أخطائنا اللغوية، واعوجاج لساننا وتلعثمنا ناتج عن عدم قراءتنا الصحيحة للقرآن الكريم، فعلم التجويد علم يقوم اللسان ويلتذ سامعه بتلاوة القرآن ويجعل الحركات والسكنات سهلة ميسرة ويعيننا على حفظ كتاب ربنا وهذا العلم له أصول ومقدمات درس وتخصص فيه، وبلغ شأنًا كبيرًا في مساجد ومدارس المسلمين في عصر الإسلام الأولى حتى أصبح لقب قارئ مجود من الألقاب المحببة إلى نفس المسلم تثير الاعتزاز والفخر.

هذه الفروع التي ذكرتها في هذه العبارة هي فقط لعلم واحد من علوم الشريعة كل فرع منها جدير بالاهتمام مثير للالتفات، ويتجزأ من كل فرع من هذه الفروع جزئيات تجعل الإنسان يعجب لهذا الكتاب الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

 ولنا لقاء قريب حول علوم السنة النبوية إن شاء الله.

 

الرابط المختصر :