العنوان معنى خلافة الإنسان في الأرض
الكاتب محمد ابرهيم شقرة
تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1982
مشاهدات 66
نشر في العدد 598
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 07-ديسمبر-1982
كنت على متن طائرة.. حين قدم لي أحد أفراد طاقم الطائرة مجلة «المسلمون» عدد ٤٢، فجعلت أقلب صفحاتها مستعرضًا موضوعاتها لأقرأ بعضها، فوقفت عند مقال للأستاذ سهل محمد القباني بعنوان «الإسلام لماذا؟» فلفت نظري عبارة منه: «لأنه هداية الله لخليفته في الأرض» في بدايته ومما جاء في هذا المقال: «ثم إن الله جعل الإنسان خليفة في الأرض، فيتحتم أيضًا أن تكون الهداية مباشرة من الله إلى خليفته في وصاياها وتكاليفها؛ لأنه لا معنى لهذه الخلافة إذا كانت الهداية من عند غير الله، والإنسان في مركزه المرموق كخليفة الله في الأرض لا بد أن تكون الهداية مصدرًا مقصورًا لسعادته».
أنا لا اعتراض لي على المعنى الجميل الذي حملته هذه الفقرة؛ بل اعتراضي على بعض ألفاظها؛ بل على واحدة منها فقط وهي: «خليفة الله».
لقد شاعت هذه اللفظة وكثير غيرها مصطلحات مسلمة قديمًا وحديثًا حتى أصبحت راسخة في أذهان العامة والخاصة، مسلمين وغير مسلمين، ممَّا يجعل الإنسان الذي يعرف الخطأ من الصواب يقف مترددًا في إقرار الصواب، والتنبيه على الخطأ، لا خشية من الناس بقدر ما هو ظن يحمله على الظن في نفسه أن الخطأ فيما يظنه صوابًا، وأن الصواب فيما يظنه خطأ، فيجعل من نفسه غرضًا تتناوشه الأقلام التي تنبري في سرعة للرد عليه.
ومجلة “المسلمون” لشيوعها الواسع يجدر بها -هي كذلك إن شاء الله- أن تقدم الإسلام للناس نقيًا خالصًا بريئًا من كل شائبة في عقائده وأحكامه وشرائعه، ولن يتم لها ذلك إلا إذا هي ردت كل ما تقدمه لقرائها إلى مصدري الوحي: الكتاب والسنة.
فإذا هي وقعت في خطأ أدركته، ونبهت الأذهان إليه؛ حفظًا لمادة الإسلام أن تنتقص أو أن تشاب بشائبة، وإيذانًا منها أن الحق هو الحق من أين أتي، وأن الباطل هو الباطل من أين أتى.
وعليه فإني -ومع تقديري للمقالة التي كتبها الأستاذ سهل أود- إبراء للذمة وأداء للأمانة العلمية- أن أبين للقراء خطأ شاع وانتشر حتى صار مقبولًا مقطوعًا به، وهو كلمة «الإنسان خليفة الله في الأرض».
وردت كلمة خليفة في القرآن في موضعين:
الأولى في ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠).
والثاني: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (ص: ٢٦).
كما ورد جمع لهذه الكلمة على لفظين، خلائف وخلفاء الأول في أربعة مواضع، والثاني في ثلاثة مواضع.
وأصل مادة هذه الكلمة: خلف ثلاثي مفتوح العين والمصدر خلافة ومعنى خلف فلان فلانًا خلافة أي جاء بعده، قال في الصحاح: يقال: خلف فلان فلانًا إذا كان خليفته يقال: خلف في قومه خلافة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ (الأعراف: ١٤٢).
وخلفته أيضًا: جئت بعده، قال في القاموس المحيط: وجعل الليل والنهار خلفة أي هذا خلف هذا، أو هذا يأتي خلف هذا.
وخليفة على وزن فعيلة وهي بمعنى فاعل «خالف» وهذا يستلزم أن الخليفة يقوم عن المخلوف عنه في حال غياب المخلوف عنه بسبب من الأسباب الموجبة لوجود الخليفة كي يؤدي ما كان يؤديه المخلوف عنه.
فاجتماعهما معًا أي الخليفة والمخلوف عنه– فيه استحالة؛ لأن الخلافة لا تكون في حال وجود المخلوف عنه؛ بل تكون في غيابه لموت أو سفر أو مرض أو نحو ذلك من الأسباب، سواء أكان السبب كليًّا كالموت: أو نسبيًّا كالسفر.
وهذا المعنى للخلافة لا يتحقق– قطعًا– إذا كان متعلقها بين الإنسان وبين الله؛ لأن الله سبحانه حي لا يغيب، وصفة الحياة لله دائمة كذاته، وإذا كان الله سبحانه هذا شأنه فهل يكون للخلافة عنه معنى أو هل يكون هو بحاجة إلى الإنسان الذي يخلقه؟!
لو كان الله سبحانه محتاجًا لخليفة يقوم عنه بأمره، وينزل أحكامه نيابة عنه على خلق مثله لكان الله مفتقرًا إلى خلقه، وحاشا الله أن يكون كذلك، وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
وهو سبحانه «الغني» كما وصف نفسه.
إذا فالعاجز هو من يكون في حاجة لمن يخلفه، وإذا كان هذا لا يصدق في حق الله، فهو يصدق في حق الإنسان، فيكون الإنسان هو في حاجة لمن يخلفه، سواء أكان من يخلفه مثله أم لم يكن مثله بأن كان فوقه.
أما إذا كان دونه، فلا يكون خليفة عنه؛ لأن من دونه لا يكون إلا مما لا يعقل، ولا يصح عقلًا أن يكون ما لا يعقل خليفة عمن يعقل، وإلا لما كان معنى لتفضيل الإنسان بعقله.
فاتضح مما سبق أن الخليفة إما أن يكون مماثلًا للمخلوف عنه.
وإما أن يكون أفضل منه، وأنه لا يكون خليفة المخلوق عنه من كان دون المخلوف في صفاته.
ولم يعهد عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة الأولى أنه كان يقول: إن الإنسان خليفة الله في الأرض، بل إن ذلك من قول بعض المتأخرين، فعلينا - كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه - بالأمر العتيق.
ولو كان هناك دليل من كتاب أو سنة يصلح للركون إليه؛ لوصلنا علم عن السلف بذلك، بل إن الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك، وهو ما جاء في الحديث الصحيح الذي كان يدعو به وعلم أصحابه أن يدعوا به في السفر: «اللهم أنت الرفيق في السفر، والخليفة في الأهل» فانتفى بهذا الحديث على وجه القطع واليقين أن يكون الله سبحانه-وحاشاه - مخلوفًا.
ثم أن كلمة خليفة التي جاءت في آية سورة البقرة لا يمكن أن تفيد ذلك المعنى البعيد؛ إذ لو كان المعنى المقصود منها لكانت الإضافة بكلمة خليفة لذاته العظيمة؛ كأن يقول: إني جاعل لي في الأرض خليفة، أو يقول: إني جاعل آدم خليفتي، أو نحو ذلك؛ مما يجعل ذلك المعنى البعيد معقولًا، بل أن يكون هو عين المطلوب.
أما وقد قال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فإن المعنى كما قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: «أي قومًا يخلف بعضهم قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل، كما قال الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ (الأنعام: ١٦٥).
وهذا هو الصواب في تفسير خليفة لا قول من يقول: إن آدم خليفة الله في الأرض مستدلًا بقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ انتهى.
على أن بعض المفسرين ذهب إلى أن آدم عليه السلام هو خليفة لخلق سبقوه، وقد أهلكوا فلم يدركهم، مستدلًا على هذا بقوله تعالى حاكيًا عن ملائكته: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (البقرة: ٣٠) مشيرين بذلك إلى ما كان من أولئك الخلق السابقين لآدم.
وإن قال قائل: إن الاستخلاف ليس على نحو ما قاله من ذكرهم ابن كثير رحمه الله، بل يراد به القيام بأمر الله في الأرض وإنفاذ شرائعه وأحكامه في نفسه وفي غيره، فهذا أيضًا لا يسمى استخلاف؛ لأن الله سبحانه هو قيوم السماوات والأرض، بيده الأمر كله ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (يس: ٨٢).
وقيام الإنسان بأمر الله سبحانه وإنفاذ شرائعه وأحكامه في نفسه وفي غيره في الأرض هو طاعة واستجابة لأمره سبحانه بها: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ (النساء: ٥٩) والطاعة ليست استخلافًا.
وقد يحتج القائلون بهذا المعنى للخلافة بقوله سبحانه: ﴿ َأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: ٧).
وهو بعيد جدًّا، لأن المعنى أن تعلق صاحب المال بماله هو تعلق عارض يزول بزوال يد صاحبه عنه بالموت، ليؤول من بعده إلى الوارثين، فيكونون بهذا المال إما أسعد منه، وإما أن تلحقهم شقوة ذلك المال، فيكونون هم ومن كان يملكه ملكًا عارضًا من قبلهم في هذه الشقاوة سواء، أو يزيدون عليه فيها أو يكونون أدنى منه.
فهذه الآية أيضًا ليس فيها ما يغني من الحق شيئًا.
والحق أحق أن يتبع، والله يهدي من يشاء سواء السبيل.