العنوان منطقة الأزمات ومخطط الإهلاك إلى أين؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1994
مشاهدات 70
نشر في العدد 1108
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 19-يوليو-1994
بعض الشعوب تساق إلى حتفها مخدرة، ومعصوبة الأعين وفاقدة العقل، ومعدومة البصيرة، يقودها جزاروها إلى نهايتها في طرق وعرة، ودروب مرحلة، وحقول شائكة، حتى إذا وصلت إلى الهاوية وقعت متعبة، وانكفأت خائرة القوى لا تلوي على شيء، ولا تسمع لها ركزًا، والشعوب لا تساق ولا تذبح إلا بعد فقدها لصفة الإنسانية، وانحدارها إلى الحيوانية وتخليها عن عزتها وقوتها وسقوطها في هوة الذلة، وربقة العبودية، ووقوعها في قبضة جبابرة عتاة لا يرعون فيها إلًا ولا ذمة ينهبونها مالًا ومتاعًا، يأكلونها ثروة وضياعًا، خاصة إذا كان المنهوب مليئًا، والمأكول ثمينًا، ومنطقة الشرق الأوسط تلك هي الكنز المنهوب والمتاع المأكول، الذي تنمر له الغزاة من قديم، وتربصوا له من زمن، حيث يتمتع المأكول بخصائص ومميزات منها: 1- الشرق الأوسط منطقة استراتيجية لها وزنها الجغرافي والتاريخي والفكري.
٢- منطقة اقتصادية من الطراز الأول بثرواتها النفطية وأسواقها الاستهلاكية.
٣- تتحكم في بحار عدة، ويجري فيها أنهار كثيرة، ومياه جوفية غزيرة، وتكتفي زراعيًا، وممكن أن تنافس على ذلك.
٤- خامات كثيرة ومتعددة مثل الحديد والمنجنيز، وغيرها كثيرة ومتنوعة.
5- عنصر بشري، وخصوبة بشرية، وأيد عاملة كبيرة ممكن أن تكون ركيزة لصناعة متطورة.
6- رأسمال كبير تستفيد منه بنوك العالم، ويسيل له لعاب الأمم.
7- طاقات بديلة كثيرة ومتوفرة مثل الطاقة الشمسية .... وغيرها.
8- شعوب ٩٥% منها متجانس فكريًا وعرفيًا وله حضارة وتاريخ ومشروع نهضوي فاعل.
لهذا حرص الغرب على الانقضاض على جسد الأمة الإسلامية لما وهنت الدولة العثمانية بمخطط مدروس يتلخص في - التمزيق - الاختراق - النهب والاستغلال - لتتم السيطرة على المجال الحيوي للشرق الأوسط وتبدأ أزمات المنطقة في الظهور والتعقيد، فبعد فترة من دخول الإنجليز إلى مصر وسيطرتهم على قناة السويس، دخل جيش الجنرال مود بغداد ودخل جيش الجنرال اللنبي القدس يقول باترسون مست في كتابه «حياة المسيح الشعبية» لقد نشرت الصحف البريطانية صورة القائد اللنبي عند دخوله القدس عام ١٩١٨م وكتبت تحتها عبارته المشهورة التي قالها عند فتح القدس «اليوم انتهت الحروب الصليبية» وبنفس الطريقة وبنفس الحقد الذي صدر من الجنرال الإنجليزي كان مسلك الجنرال الفرنسي غور، قائد الجيش الفرنسي عند دخوله لدمشق، توجه من فوره إلى قبر صلاح الدين الأيوبي –رحمه الله– عند الجامع الأموي وركله بقدمه وقال له: «ها قد عدنا يا صلاح الدين»، وفي اليوم الثاني عمل الشيء نفسه في حمص حيث ذهب إلى قبر خالد بن الوليد رضي الله عنه . وقال: «نحن هنا يا خالد» وأصحاب خالد وصلاح الدين يقفون كالفئران ودخلت فرنسا الجزائر وتونس والمغرب، وإيطاليا دخلت ليبيا، وتمزق الجسد واحتلت الديار، وجاء دور الاختراق الفكري بالتوهين والانحلال وتربية النخب المغزوة ثقافيًا والمرتبطة فكريًا بالمستعمر ومصلحيًا بالغازي والدخيل وانفصلت عن الشعوب والتراث والآمال ومرت الأمة بجملة من الاختراقات وعمليات التغيير والتبديل في هياكلها السياسية والاجتماعية والنفسية مما قادها إلى تشوهات في طبيعة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية جعلها تقف في مفترق طرق صعبة ومشوشة، واختراقات إقليمية مؤثرة، حيث زرعت إسرائيل في قلب الأمة كدولة اختراق توسعية يسندها ويؤيدها الغرب لتكون عنصر إقلاق للمنطقة وضاغطة ومحطمة لكل توجه، ومؤدبة لكل متجرئ على التشرذم بعيدًا عن الغرب، هذا وقد نهبت وما زالت تنهب ثروات الأمة نفطية وغيرها.. ولا يستطيع أحد أن يرفع عقيرته أو يصعر خده بعيدًا عن أسياده، هذا وقد رسمت للأمة اليوم مخططات تضع المنطقة في بحر متلاطم من الأزمات والمشاكل والكوابح والانتكاسات والتشرذم والارتدادات في عصر خطير جدًا تتدافع فيه التحولات ويتسارع فيه تنفيذ القرارات مع جملة من المعطيات الجاهزة والمعدة للتنفيذ، كحرب المياه وحرب الحدود، وحرب الخوف من الجار القوي، وحرب الفتن وحرب العنتريات، وكل هذا وغيره قد صيغ في برنامج أزمات ومخطط معضلات لينفذ في منطقة الشرق الأوسط المسكينة ونتعرض إلى بعض بنود هذا المخطط فيما يلي:
- زيادة الأزمات والمعضلات مع دول العالم، وتحريض تلك الدول على المنطقة.
- إشعال الحروب الباردة والساخنة والمضي في عملية التفتت الإقليمي.
- إذكاء المؤامرات، وإذا لم توجد يعمل على إيجادها حتى يقع الكل في مصيدة الإلهاء والخوف.
- تفجير كثير من الأزمات والمشاكل الإقليمية والحدودية وقضايا الأقليات مثل الأقباط في مصر والعرب والبربر في المغرب والأذريين والأرمن في أذربيجان، والأكراد والأتراك في تركيا.
٥- جعل الإسلام عدوًا، ووصمه بالأصولية والتخويف منه ومن الانتماء إليه والنظر إليه وإلى أتباعه كحالة أمنية وليس كحالة اجتماعية أو سياسية.
٦- حكم الشعوب بالديمقراطيات المزيفة مع صناعة دساتير وقوانين تتولى هي تفريغ الشعوب من فاعليتها.
٥- محاولة إلحاق المنطقة بالمعاهدات والمواثيق وربطها بعجلة المخترق -الغرب وإسرائيل- إذا تبينت هذا وفقهته لم يصعب عليك فهم الحوادث الجسام التي تقع في منطقتنا اليوم، مثل حرب إيران والعراق، وحرب الكويت والعراق، وحرب اليمن، والعداوة التي تزداد كل يوم اتساعًا مع الشعوب العربية والإسلامية لتتخذ كقواعد وقد تخلص العالم منها، وتنهب كثروات ونصبح وقودًا لإنضاج الأطعمة للأكلين، وخلاصة تلك الخطة الملعونة هي: الإلحاق - والاختراق -والاختناق - والانسحاق - والانشقاق وقد تعرض لذلك فيما بعد ولكن أين نحن من هذا المخطط اللعين وأين أولي الأمر فينا وهل سيظل الأمر على هذا المنوال لا أظن ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف : ٢١).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل