; منهاج الرسول -صلى الله عليه وسلم- في بناء الرجال | مجلة المجتمع

العنوان منهاج الرسول -صلى الله عليه وسلم- في بناء الرجال

الكاتب محمد محمود الصواف

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1979

مشاهدات 75

نشر في العدد 447

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 29-مايو-1979

  • لماذا بنى الرسول عليه الصلاة والسلام الرجال قبل كل شيء؟ 
  • بيننا وبين الله عهد فما هو؟ وهل نحن صادقون فيه؟ 
  • إننا لا نعرف اليأس والقنوط وإنما عمل وجهاد. 
  • كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستفيد من الفروق الفردية بين الصحابة؟ 

ما هو المنهج النبوي في بناء الرجل؟ 

نريد الآن أن ننتقل إلى منهاج رسول الله صلي الله عليه وسلم في بناء هؤلاء الرجال. 

إن المنهج هو الطريق أو السلوك، وإن الدعوة كلمتان: منهج رباني هو القرآن، وسلوك نبوي هو السنة، وإن الإسلام هو قال الله تعالى، وقال رسوله عليه الصلاة والسلام، وليس غير ذلك. 

كان الرسول صلي الله عليه وسلم خبيرًا في بناء الرجال، لأن الله تعالى قد رباه خير تربية، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أدبني ربي فأحسن تأديبي». 

لقد بنى الله تعالى رجل الرجال قبل كل شيء، وانتظر عليه أربعين سنة يربيه وينشئه على عينه سبحانه وتعالى، والدنيا مليئة بالكفر والضلال والفساد والانحراف والشرك، فلم يلتفت الله تعالى إليها حتى ربى الرجل «أي: النبي عليه الصلاة والسلام» وأنشأه وبعثه، وحتى بنى الرسول صلي الله عليه وسلم الرجال وأدَّبهم كما بناه الله تعالى وأدبه، وسار فيهم في أدب رفيع، قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾(الفتح:29)، وقال الله تعالى أيضًا: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران:159). 

لقد كان الرسول صلي الله عليه وسلم يحب الصحابة من كل قلبه ويعرفهم وينادي كُلًا منهم بأحب الأسماء إليه، وكان أحدهم، وكان لهم المثل الأعلى في الشجاعة والكرم والصبر والحلم والعطاء والدعوة حتى يقتدى به. يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ (الأحزاب:21)، فكان هو القدوة والأسوة. 

وقال الله تعالى في وصف نبيه صلي الله عليه وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:4). لأنه كان يعامل أصحابه معاملة خاصة رائعة، يحسن إلى محسنهم، ويعفو عن مسيئهم، وقصته مع «حاتم بن أبي بلتعة» الصحابي الذي أراد إخبار المشركين بعزم رسول الله صلي الله عليه وسلم على فتح مكة بوساطة رسالة أرسلها مع امرأة خبأتها بشعرها. قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «ما هذا يا حاتم؟! فقال: والله يا رسول الله ما غيرت وما بدلت، والله إني مؤمن بالله ورسوله، ولكن لي عشيرة وأبناء وليس لهم ما يحميهم، فأردت أن أجعل لي يدًا على المشركين لأحمي أقربائي وهذه غلطتي. فقال عمر: نافق الرجل، دعني أضرب عنقه، فقال الرسول صلي الله عليه وسلم: لا يا عُمر، لعل الله تعالى اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني غفرت لكم. وكان حاتم من أهل بدر». 

لم تتغيّر منزلة حاتم ولم يعيره أحد وانتهى الأمر كأنه لم يكن، وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قد عفا عنه وقبل عذره، فقال الصحابة جميعًا: سمعًا وطاعة. هذا هو الالتزام بما يقوله الرسول صلي الله عليه وسلم، وهكذا كانت تربيته عليه الصلاة والسلام. 

ما كان محمد صلي الله عليه وسلم يقبل أن يتحدث أحد عن الصحابة أمامه، وقال: «إني أريد أن أخرج إليهم خالي البال». إنه رباهم بالصبر والإحسان والعفو والمشاورة، حتى إنه لم يكن يسمح لهم أن يسيروا وراءه، وإنما معه، ويقول دعوا ظهري للملائكة. 

الرجل المناسب في المكان المناسب

كان الرسول صلي الله عليه وسلم يستقطب الرجال ويضع الرجل المناسب في المكان المناسب. فلما جاء الرسول عليه الصلاة والسلام في عمرة القضاء إلى مكة في السنة السابعة للهجرة رأى الوليد بن الوليد المخزومي أخا خالد، فإذا بالرسول عليه الصلاة والسلام يقف للوليد ويقول له: «أين خالد يا وليد؟ ما مثل خالد من جهل الإسلام، ولو جعل خالد جده وشوكته مع المسلمين ضد المشركين لكان خيرًا له ولقدمناه على غيره»، ثم مشى صلي الله عليه وسلم. فكتب الوليد رسالة إلى أخيه وأخبره بذلك، فكانت هذه الرسالة وهذا السؤال من رسول الله صلي الله عليه وسلم سببًا في إسلام خالد، فإذا بخالد يشد الرحال إلى المدينة مسلمًا. ويصف خالد ذلك بقوله: جئت إلى رسول صلي الله عليه وسلم فسلمت عليه بالنبوة فرد علي بوجه طلق، وقال: «يا خالد كنت أعلم أن لك عقلًا رجوت ألا يوصلك إلا إلى الخير»، ثم قال خالد: فبايعت رسول الله صلي الله عليه وسلم ثم قلت: يا رسول الله أستغفر الله من كل ما أوضعت فيه من صد عن سبيل الله. فقال عليه الصلاة والسلام: «يا خالد، الإسلام يجُبُّ ما قبله». قال خالد: أوَ ذلك يا رسول الله. فرفع صلي الله عليه وسلم يديه وقال: «اللهم اغفر لخالد كل ما أوضع وصد عن سبيلك». فانتعش خالد وقال: والله لقد كنت أحب الرجال إليه، ثم بعد ذلك ولاه قيادة الرجال مباشرة. 

وفي الوقت نفسه جاء عمرو بن العاص إلى المدينة مسلمًا فاستقبله الرسول صلي الله عليه وسلم بالبشاشة والفرح، وقال عليه الصلاة والسلام: «لقد رمتكم مكة بأفلاذ كبدها» ثم ولاه القيادة. 

الرسول- صلي الله عليه وسلم- والفروق الفردية بين الصحابة

لقد كان عليه الصلاة والسلام يضع كل رجل في محله، فإن كان غنيًا استفاد من غناه مثل عثمان بن عفان رضي الله عنه فلم يكلفه الرسول صلي الله عليه وسلم بقتال، ولقد اشترى عثمان مربدًا وبئر رومة وأوقفهما على المسلمين، كما جهز جيش العسرة. 

وإن كان الصحابي شجاعًا استفاد من شجاعته ففي غزوة خيبر وصلها الرسول عليه الصلاة والسلام ليلًا، فلما أصبح نادى: خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، ثم كان اليوم الأول من المعركة شديدًا تعب منه الصحابة لقوة الحصون، ثم كان اليوم الثاني مثل الأول شدة وتعبًا. فقال الرسول صلي الله عليه وسلم: غدًا أعطي الراية رجلًا يحبه الله ورسوله لا يرجع بها حتى يفتح الله على يديه فتطاول الرجال. فإذا به صلي الله عليه وسلم يعطيها للبطل علي بن أبي طالب وينطلق بالمسلمين. فأرسل اليهود لصده «مرحب بن منسية» الذي كان يعد بألف فارس في الجاهلية ومن أشجع الشجعان قال: 

قد علمت خيبر بأني مرحب  *************  شاكي السلاح بطل مجرب

                                          إذا الحروب أقبلت تلهب

فرد علي بن أبي طالب رضي الله عنه قائلًا: 

أنا الذي سمتني أمي حيدرة  ************ كليث غاباتٍ شديد القسورة

                                   أكيلكم بالكيل كيل السندرة 
 

ثم كانت المعركة، وما هي إلا جولات، وإذا بالإمام البطل يشق رأس اليهودي ويدخل الحصن فاتحًا. 

وإذا كان الصحابي شاعرًا استفاد عليه الصلاة والسلام من شعره، فلقد قال لحسان بن ثابت: «اهجهم وروح القدس معك». ولكن صلي الله عليه وسلم عندما كان يغزو يترك حسانًا مع النساء في المدينة. 

وبالنسبة إلى الإمارة فلقد حدث أبو موسى الأشعري فقال: دخلت ومعي اثنان من بني عمي، فلما وصلنا رسول الله صلي الله عليه وسلم فإذا بأحد الرجلين يقول: أعطنا وولنا مما ولاك الله، ثم قال الثاني مثله. فقال الرسول صلي الله عليه وسلم لهما: «إننا لا نعطي هذا الأمر أحدًا سأله، ولا أحدًا حرص عليه، ثم صرف لهما وردهما سالمين. 

وجاء أبو ذر الغفاري إلى الرسول صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألا تستعملني؟ فإذا برسول الله عليه الصلاة والسلام يضرب على منكبي أبي ذر ويقول: «يا أبا ذر.. إنك رجل ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها». 

هذه هي التربية النبوية الدقيقة القائمة على معرفة الرجال، إنه كان لا يُخجل أحدًا، ولا يسيء إلى أحد، إنه رباهم تربية الرجال حتى عاهدوا الله وصدقوا ما عاهدوا الله عليه. 

  • ما العهد؟   

وهل نحن صادقون في هذا العهد؟ إخواني بيننا وبين الله عهد وميثاق وبيع شراء، والبيع والشراء له أركان أربعة: بائع، ومشتر، ومبيع، وثمن. انظروا إلى هذا البيع والشراء في كتاب الله تعالى إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 111). 

حينما نزلت هذه الآية الكريمة استبشر الصحابة خيرًا، وهنأوا بعضهم بعضًا إلا رجلًا واحدًا، وقف في ناحية يبكي بحرارة، التفت الرسول صلي الله عليه وسلم فإذا بأبي بكر تبل دموعه لحيته الشريفة فيناديه ويقول له: «يا أبا بكر ما يبكيك؟ فقال: يا رسول الله: أبكي من رحمة الله بنا، وهل أنفسنا وأموالنا ملك لنا حتى يشتريها الله منا».. إنه الفهم العميق. 

ولقد قال الحسن البصري في هذه الآية أيضًا: «والله بايعهم فأغلى ثمنهم. نفوسًا هو خلقها، وأموالًا هو وهبها، ومع ذلك يقول بيعوني ويعطيكم ثمنًا الجنة ونحن ننكس ولا نبيع». 

أين الذين باعوا أنفسهم لله؟ ووهبوا أموالهم لله؟ أين الذين تجردوا لله؟ وهم غدًا يموتون ويلقون الله تعالى. ومع ذلك نحرص على هذه النفوس: تموت جيفة نتنة! ولا تموت شهيدة عطرة، وتكون مع الشهداء الأبرار. 

أنت يا أخي إذا بعت نفسك لله أصبحت ملكًا له، والمالك يتكفل بحماية ما يملك، فإنه يحميك ويرزقك ويدفع عنك ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحج:38).

  • أين الرجال؟ 

إننا في حاجة إلى رجال.. وها أنتم ترون صليبية تحميها قوى عالمية وكنوز وسلاح. ثم شيوعية حمراء تحميها دولة، وقوة، وإلحاد، وفساد. 

وفي الوسط إسلام يتيم كطائر مقصوص جناحاه يتآمر عليه من كل مكان.. أين رجال الإسلام والله والدعوة ومحمد صلي الله عليه وسلم. نريد رجالًا صادقين يهبون أنفسهم لله، يجاهدون وينصرون الله ويهبون وقتهم ومالهم وجهدهم وصحتهم وبيوتهم لله رجالًا ونساء، وأجر العامل لهذا الدين اليوم كما قال عليه الصلاة والسلام لأبي ثعلبة الجهني عندما يسأله: يا رسول الله ما هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة:105). فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «يا أبا ثعلبة مر بالمعروف وانه عن المنكر، فإذا رأيت شُحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك أمر العوام الذين غرتهم الدنيا، فإن أجر العامل منهم أجر خمسين. قال أبو ثعلبة: منهم يا رسول الله؟ قال: بل منكم؟ قال: يا رسول الله منهم؟ قال: بل منكم، إنكم تجدون على الحق أعوانًا ولا يجدون. 

فأنت اليوم يا أخي إذا عملت للإسلام فإن أجرك أجر خمسين رجلًا من الصحابة. وصحابي واحد صفحاته تعدل الدنيا. فاليوم نحن بحاجة إلى رجال عرفوا أنفسهم ورجولتهم وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، يهبون أنفسهم ليعلوا كلمة الله وينصروا دين الله ويتقدموا الصفوف ليعزوا هذا الدين، وسيكون الله معهم وينصرهم ويعزهم ما أعزوه، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. 

  • لا يأس ولا قنوط وإنما عمل وجهاد

إن الأحوال الإسلامية اليوم تدعو إلى الحزن والأسف، ولكن مع ذلك نحن لا نيأس بل نستبشر، فكلما اشتدت الأزمة والمحن طلع الفجر، بل إنني أقول لكم بحكم تجوالي في العالم الإسلامي: ربما في أدغال أفريقيا والأماكن التي لم يزرها أحد يجلس مثل هذه الجلسة مع شباب مؤمن وهب نفسه لله. 

وهكذا أرى في الكويت الحبيب شبابًا مؤمنًا متوثبًا، وفي السعودية والعراق وسوريا والباكستان وغيرها. 

إننا لا نيأس، نحن علينا أن نجاهد ونعمل والنتيجة بيد الله فإننا لا نسأل عن النتيجة، وإنما على العمل فإذا عملنا نجونا وانتصرنا في الدنيا والآخرة. 

وأما الويل ثم الويل لمن تباطأ اليوم عن نصرة دين الله. 

ما هذا المثل العظيم الذي يضربه الرسول صلي الله عليه وسلم فيقول: «ما ذئبان ضاريان باتا في غنم ليس معها رعاؤها بأفسد للمرء من حب المال والشرف» أي المناصب والشهرة، فحُب المال يحلق الحسنات وقد أعمانا وأطفأنا، ويقول الرسول صلي الله عليه وسلم أيضًا: «لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال». 

نحن جنود الرسول صلي الله عليه وسلم نحن جنود الرسول، وأتباعه فالأمانة وصلت إلينا، وعلينا أن نؤدي حق الله فيها، وأن نكون رجالًا كأسلافنا رجالًا، يهبون أنفسهم لله ويجاهدون في سبيله. 

ومثلما قلت لكم: أزمتنا اليوم أزمة رجال، ولكننا لا نيأس فهذه الأمة ليست عقيمة، فإنها تلد الرجال على مدى الدهور والأعوام، ولا بد أن تبقى كذلك درارة بالخير منتجة للرجال مخرجة للأبطال الذين سيحملون الأمانة بصدق ووفاء وإخلاص. 

وأرجو الله تعالى أن يحقق ذلك، وأرجوه أن يجعلني وإياكم من رجال الإسلام الذين يجاهدون في سبيله، ويعلون كلمته حتى تكون هي العليا، وتكون كلمة الذين كفروا السفلى، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وصلى الله على محمد وعلى آلة وصحبه وسلم. 

والسلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة:262). 

تبرز هذه الآية الكريمة مسألة الإنفاق ضمن إطارها الإسلامي الصحيح، الذي يحاول الإسلام ترسيخه في النفس المؤمنة الصافية، وإذا كانت الأقلام التي كتبت عن الإنفاق كثيرة فإن الشهيد سيد قطب كتب مستلهمًا هذه الآية قائلًا: 

«والمن عنصر كريه لئيم، وشعور خسيس واطٍ، فالنفس البشرية لا تمن بما أعطت إلا رغبة في الاستعلاء الكاذب، أو رغبة في إذلال الأخذ، أو رغبة في لفت أنظار الناس، فالتوجه إذًا للناس لا لله بالعطاء، وكلها مشاعر لا تجيش في قلب طيب، ولا تخطر كذلك في قلب مؤمن، فالمن -من ثم- يحيل الصدقة أذى للواهب وللآخذ سواء، أذى للواهب بما يثير في نفسه من كبر وخيلاء، ورغبة في رؤية أخيه ذليلًا له كسيرًا لديه، وبما يملأ قلبه بالنفاق والرياء والبُعد من الله، وأذى للأخذ بما يثير في نفسه من انكسار وانهزام، ومن رد فعل بالحقد والانتقام، وما أراد الإسلام بالإنفاق مجرد سد الخلة، وملء البطن، وتلافي الحاجة... كلا.. إنما أراد تهذيبًا، تزكية وتطهيرًا لنفس المعطي، واستجاشة لمشاعره الإنسانية، وارتباطه بأخيه الفقير في الله وفي الإنسانية، وتذكيرًا له بنعمة الله عليه وعهده معه في هذه النعمة أن يأكل منها في غير سرف ولا مخيلة، وأن ينفق منها في سبيل الله في غير منع ولا مَنٍّ. كما أراده ترضية وتنبيهًا لنفس الأخذ، وتوثيقًا لصلته بأخيه في الله وفي الإنسانية، وسدًّا لخلة الجماعة كلها لتقوم على أساس من التكامل والتعاون، يذكرها بوحدة قوامها، ووحدة حياتها، ووحدة اتجاهها، ووحدة تكاليفها، والمن يذهب بهذا كله، ويحيل الإنفاق سُما ونارًا، فهو الذي وإن لم يصاحبه أذى آخر باليد أو باللسان، يمحق في ذاته الإنفاق، ويمزق المجتمع، ويثير السخائم والأحقاد. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل