; منهجية دراسة السيرة النبوية | مجلة المجتمع

العنوان منهجية دراسة السيرة النبوية

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 20-مارس-2010

مشاهدات 102

نشر في العدد 1894

نشر في الصفحة 48

السبت 20-مارس-2010

الكم الهائل الغني في تناول السيرة النبوية الشريفة - على صاحبها الصلاة والسلام – تتحفنا بشمول كل ما يتعلق بها، سنة وسيرة وغزوات، ولم تبق جانبا من كل ذلك مجهولا أو غائبا أو خفيا مما يتعلق بهذه السيرة الكريمة عمومياتها وخصوصياتها، إضافة إلى التنوع في الموضوعات الأحداث، والشمائل، والدلائل.

الرعاية الإلهية

لا يُعْرَفُ أحد في التاريخ كله أحبه ليفتديه بنفسه وأهله وماله أتباعه حبا عجيبا – حتى إن أحدهم – كما أحب الصحابة محمدا صلى الله عليه وسلم وصدق فيهم قول القائل: ونُسْلِمهُ حتى نُصَرِّعَ حَوْلَهُ ونذهل عن أبنائنا والحلائل لقد عرف ذلك حتى بشهادة الأعداء. 

بل إن الأعداء كانوا يحترمونه وإن حاربوه ويثقون به أعلى ثقة، ويأتمنونه ويقرون بصدقه بأعلى درجة، فإن الكذاب لا يستطيع أن يبني بيتا من طين، كما قال بعضهم، فهم يعرفون قدره ويدركون نوعيته ويتوقعون انتصاره، كما أنهم واثقون منه. 

لم ينتقل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا وقد اكتمل الإسلامُ، وَحْيُه وسنته وتوجيهاته نصوصا وممارسة وشهودا، بإرادة الله تعالى وحكمته ورحمته، كيما يكون ذلك للاقتداء نموذجا واضحا ملزما، لا تبقى حجة لأحد للأخذ به.

أليس ذلك إشارة واضحة تجذب الانتباه لرعاية إلهية من ورائها يد الله تعالى تثبتها، لتؤكد أنها نبوة ورسالة أرادها سبحانه وتعالى.. هذه الإشارات وأمثالها كثيرة معبرة عن أنها نبوة، لكل باحث عنها، فكيف لو نظر في المعجزات السالفة المروية المشاهدة والباقية الملحوظة القائمة الدائمة وأكبرها القرآن الكريم المشحون بالمعجزات المدهشة السابقة لكل علوم البشر وإبداعاته ومكتشفاته، وعلى يد غير المسلمين.

تحد بالقرآن

لم ينتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلا وقد اكتمل الإسلام.. وحيه وسنته وتوجيهاته نصوصا وممارسة وشهودا بإرادة الله تعالى وحكمته ليكون نموذجا

هذا يجعل التحدي بالإسلام وكتابه الكريم قائما لكل زمان ومكان وإنسان منها ما كان سببا كافيا الإسلام الكثير إقبالا.

 ومما قرأت حديثا : إسلام البعض بحادثة انشقاق القمر على عهد رسول الله ، في العهد المكي وقبل الهجرة بنحو خمس سنوات، الذي ورد خبرها في افتتاح سورة القمر: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ (القمر:١)، ومنهم من كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : ملك ماليبار «الهند» وكثير من أهلها، حين ثبت له صحة خبر وقوع هذا الحدث.

 وحدث مثله الشخصية معاصرة وهو داود موسی بید كوك، رئيس الحزب الإسلامي البريطاني حين ثبت له وقوع الحدث بشهادة العلماء إثر ثبوته من خلال ما توصلوا إليه بعد تمام هبوط أول إنسان على سطح القمر سنة ١٩٦٩م.

هكذا على الدوام تظهر معجزات هذا الدين التي لا تنتهي يدخر منها لكل جيل ما يُظهر جديده لكل أحد. وعلى أيدي آخرين، تتبين في الأنفس والآفاق كيما تأتي الأدلة على أحقية هذا الدين الذي لا بد أنه سيكون إن شاء الله تعالى دين أهل الأرض أجمعين ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ  (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ (الأنبياء)

إنه وعد الله تبارك وتعالى، يهيئ له مَنْ يَتَوَلى ذلك بسننه سبحانه وتعالى الذين يجمعون بين الإيمان والعمل الصالح، الذي يمتلك الأهلية الخيرة العمارة هذه الأرض، بالارتقاء بإنسانية الإنسان ونظافة ضميره وعمارة قلبه بالإيمان المكين، بخالقه وخالق الحياة والإنسان والأكوان جميعا كلها والإيمان بهذا الكتاب المبين ومنزله الله القوي العزيز سبحانه وتعالى ذلك الإيمان الذي يقود للأخذ بمنهجه الكريم، حيث يقود وحده إلى سعادة الدارين بفضله العميم الكريم هو سبحانه جل جلاله الذي جعل هذه الدعوة الكريمة وأرسل بها نبيه ورسوله الحبيب محمد رحمة للعالمين.

سيادة العالم

هذه الرحمة الإلهية تشير كذلك إلى أن هذا الدين سيسود العالمين، أولئك الذين يتخذونه منهاجا لحياتهم يقيمون به وحده الحضارة الإنسانية الحقة.

العلوم الحديثة من أكبر ما يبين للمسلمين وغيرهم آياته، دليلا أنه وحي من عند الله تعالى ومحمد ﷺ نبي ورسول صادق من عند الله سبحانه وتعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت:٥٣).

لقد حفظ الله تعالى هذا الدين في نصوصه القرآنية والسنة النبوية وفي أحداث تطبيقه وفي تاريخه وكل نوع تبقيه، رغم كل المحاولات خلال العصور : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ (الحِجْر).

نبي مرسل

حفظ الله تعالى الدين الإسلامي في نصوصه القرآنية والسنة النبوية وفي أحداث تطبيقه وفي تاريخه وكل ما يبقيه رغم كل محاولات ضربه على مر العصور 

السيرة النبوية الشريفة وقواعدها التربوية ليست مفتاحا ميسرا للإسلام فحسب بل هي أساس متين وبناء شامل كامل ودراسة شامخة الصروح

نتيجة ذلك وحصيلته، أنه لو نظرنا إلي حياة الرسول الكريم ، باعتباره بشرا ونبيا رسولا بدون المعجزات الحسية المشهودة السالفة في زمن البعثة والمعنوية الباقية الدائمة، لتبين من خلال حياته اليومية وتعامله وتصرفاته : أنه نبي مرسل من عند الله تعالى إذ إن كافة أمور حياته وأسلوبه وشخصه تدل على أنه مُوَجَّةٌ من الله تعالى، لديه من المعرفة والخلق والتعامل ما لا يمكن أن يكون إلا ممن علمه الله تعالى ووهبه من الطاقات العقلية والنفسية والخلقية حتى البدنية كذلك «٢» – ما لا يمكن توفره إلا بذاك.

  علما بأنه الذي لم يكن يُعرَفُ عنه قبل النبوة التي أتته في سن الأربعين غير أخلاقه التي لا بد منها : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:٤).

ثالثا: تقتضي هذه الطريقة - في تقديم السيرة النبوية الشريفة على الترتيب غير الزمني، إنما على الموضوعات - التوقف عند أحداثها لتفسيرها ومعرفة دوافعها ووزنها مرتبطة بمنهج الله تعالى.

دراسة التاريخ الإسلامي عموما وبالذات السيرة النبوية الشريفة، فَخْرُه وشَرَفه وتاجه لا بد من تناولها وتناوله بأسلوب من نوع جديد، يعين على التربية بالمنهجية الإسلامية مرجعيتها الوحيدة وقواعدها المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الكريمة التي صاغت هذه السيرة الشريفة وأنتجتها، هذا يدخل في عملية التقويم بمقياس متميز نابع من هذا التاريخ نفسه وبنائه المنتج النوعية رائدة، للانتفاع به في هذا الدراسة المؤسسة على قواعد تأتي تالية لعملية التفسير التاريخي. 

السيرة النبوية الشريفة – وعموم التاريخ الإسلامي – إذا أَحْسِنَتْ دراستها وتقديمها وتحليلها، على قواعد ومنهجية ومرجعية واضحة كريمة سليمة، في عمومها وعموم هذا التاريخ – حتى التواريخ الأخرى – تعتبر خير معين على التربية لجيل كريم، وأما من لم يعتمد ذلك ولم يدركه وينتفع به فلعدم فهمه للسيرة الشريفة والتاريخ كله، مثلما لم يعرف التربية بأي مفهوم سواء بسواء !!

السيرة النبوية الشريفة وقواعدها التربوية لیست فحسب مفتاحا مُيسرا لذلك كله، بل هي أيضا أساس مكين متين وبناء شامل كامل ودراسة بانية عالية شامخة الصروح، بأسسها المتينة البينة السامية الراسخة الأغوار البعيدة الأعمار المضيئة العالية.

دراسة منهجية

لكن لابد لهذا أن يأتي من خلال دراسة منهجية سليمة مجربة خبيرة بالسيرة النبوية الشريفة، تقدم للجيل على الترتيب غير الزمني بعد الإلمام بها بالترتيب الزمني الحولي المكين المكيث الذكي.

 تكون كلتا الحالتين فاهمة ملمة مدركة، مؤدية ما يراد منها، ليبقى ميدانها الأوسع والأروع والأنفع يؤدي مهمته حين تقدم على الترتيب غير الزمني بعد أن تكون من الجدية الهادفة المتعلقة بمراميها ومعانيها ومغانيها، حيث بذلك تكون ذات تمكن في توجيه الحياة نحو أحسن ما عرفه بنو البشر في مسيرتهم الحياتية من مستويات كريمة عاشت في أجوائها متعافية ..

الهوامش

  1. انظروا : السماء في القرآن الكريم الدكتور زغلول النجار، ٥٣٧ – ٥٤٢

٥٤٨، وكذلك : موسوعة الإعجاز القرآني في العلوم والطب والفلك الدكتورة نادية طيارة، ۱۲۲/۲ – ١٢٥، وبينات

الرسول صلى الله عليه وسلم ومعجزاته للشيخ عبد المجيد الزنداني ، ٢٢٥ – ٢٢٦٠٢٤٤ – ٢٤٧

  1. حيث ذكر أنه صلى الله عليه وسلم الوحيد الذي صارع وصرع ركانة المشهور في الجزيرة العربية الذي لم يصرعه أحد قبله أو بعده السيرة النبوية ابن هشام، ۳۹۰/۱ – ۳۹۱
الرابط المختصر :