; منهجية دراسة السيرة النبوية (6– 6) | مجلة المجتمع

العنوان منهجية دراسة السيرة النبوية (6– 6)

الكاتب عبدالرحمن الحجي

تاريخ النشر السبت 03-أبريل-2010

مشاهدات 65

نشر في العدد 1896

نشر في الصفحة 44

السبت 03-أبريل-2010

التفسيرات الثلاثة للتاريخ

الكم الهائلُ الغَني في تناول السيرة النبوية الشريفة - على صاحبها الصلاة والسلام - تتحفنا بشمول كل ما يتعلق بها سنة وسيرة وغزوات، ولم تبق جانبًا من كل ذلك مجهولًا أو غائبًا أو خفيًا، مما يتعلق بهذه السيرة الكريمة عمومياتها وخصوصياتها، إضافة إلى التنوع في الموضوعات: الأحداث، والشمائل والدلائل.

أكدنا في الحلقة الماضية أن تفسير التاريخ الإسلامي ابتداء من السيرة النبوية الشريفة يمكن الجيل الحالي من استرداد ما فقده من أمجاد، وذكرنا أيضًا أن دراسة السيرة النبوية الشريفة تمكننا من فهم الإنسان وحياته وحركته وعوامل تقدمه أو تخلفه ومنجزاته وابتكاراته وفي هذا المقال نستكمل الحلقة الأخيرة من دراستنا حول منهجية دراسة السيرة النبوة الشريفة: لقد غدا واضحًا لجمهرة الدارسين سيما هذا الميدان - أن لمناك ثلاثة تفاسير للتاريخ، تكاد كر هذه الدراسات وتتحكم في هذا اللون من التوجه المرغوب لولا ان واجهها تفسير جديد التفسير الإسلامي للتاريخ - ما كان يُحْسَبُ له أي حساب إلى عهد قريب.. هذه التفاسير الثلاثة تكاد تنبع من مورد واحد في حقيقتها، إذ هي تتفق في الأمور الرئيسة للحياة الإنسانية - كونا وحياة وإنسانًا - ومجريات أحداثها، لها نفس التناول، وإن اختلفت بجزئيات أو منطلقات أو نظرات إلى الجانب الذي ركزت عليه لأي سبب. وهذه التفاسير الثلاثة هي: التفسير الغربي الليبرالي (الليبرالية Liberalism التحررية غير المهنية) الذي انتهى إلى النظام الرأسمالي الغربي المعروف.. والتفسير المادي الشرقي الشيوعي Materialism(1). والتفسير العملي الأمريكي (البراجماتزم Pragmatism) 

محضن التفسيرات

كل هذه التفسيرات مهما بَدَتْ مقبولة، فذلك قائم ومُسْتَمَد وَمُعْتَمِد على تمكن هذه الجهات التي تعتنقها الأنيق وتأخذ بها، في خلو ميدانها من بديل.

لابد من البيان المؤكد أن المقارنة لا يجب أن تدخل في حسابها ما يعم عالمنا الإسلامي حاليا، الذي يحبو أمام إمكانيات وأحوال هذه العوالم التي

تنبض بهذه النظريات والتفسيرات.

كما لا بد من ذكر أن هذه الدراسة الحالية تقدر تمامًا كل ما في هذه الحضارات القائمة اليوم، محضن هذه التفسيرات من الخير للإنسانية وما قدمته من منجزات نافعة رائدة(2)، نتمني أن تحتوي بلداننا خيريتها حضاريًا وإنسانيًا وبشكل متمكن الجذور.

لكن المنهجية هي أعلى من ذلك بكثير حين يُؤخذ بها، مثلما جرى. سلفًا إذ تجعلها سامية الوجهة عالية المنزلة مباركة الثمار، بكل ثقة واعتبار يقود إلى النمو والاستمرار والاستقرار.

تفسيرات قاصرة

تفسيرات التاريخ غير الإسلامية مهما بدت مقبولة فذلك قائم على حكم الجهات التي تعتنقها وتأخذ بها لخلو ميدانها من بديل.

هذه التفسيرات الثلاثة تحمل من الجهل أو التجاهل للحياة بكل مكوناتها ما يجعلها غير صالحة ولا مؤهلة للمهمة الإنسانية الخطيرة.

هذه التفسيرات الثلاثة تحمل من الجهل أو التجاهل للحياة بكل مكوناتها ما يجعلها غير صالحة ولا مؤهلة لهذه المهمة الإنسانية الخطيرة، إلى حد تملكتها الروح الطاغية، التي حَمَلَتْها على إنكار كل ما عداها بكل غرور واستغلال وطغيان، فَشِلَتْ جميعها فيما ادعته من تخصصها فيه، وقدمت لنفسها وللإنسانية أحيانًا مرَّ الثمار التي تذوق مرارتها، لكن يخفف من ذلك أنها ما زالت وَحْدَها التي تمتلك الأزمة وغيرها منه أعزل، أعني بها على ذلك تمكنها السياسي والعسكري والتقني، وأمور أخرى إيجابية، الآخرون مازالوا يحبون نحوها تقريبا.

مقابل سليم

هل لشيوع تفسير ما، لا بد من امتلاك قوة سياسية؟ حتى لو كان كذلك، فهو غير كاف لرسوخ أي من التفاسير للحياة الإنسانية وتاريخها في كل الأحوال لابد من توافر مقابل سليم.

مَنْ يَحْمِل ويجيد فهمها ويحيي تقديمها، يكون مثالا في توفير واقع يؤيده ويشرحه واقعا شاهدًا مرئيا على أحقيته ومصداقيته وجدارته، هذا ما نفتقد الكثير منه من رُوَّاد وأتباع وأهل هذه التفسيرات مثلما افتقد من الساحة ما يُرجَى توفره، لعله أت عما قريب إن شاء الله تعالى، في وقت يُقدره العلي القدير جل جلاله

التفسير الإسلامي

لكن هناك تفسيرًا آخر مغايرًا لكل تلك التفسيرات، غريبًا عنها لجدته، وبعده عن التداول والتناول، وأنه ليس وراءه من القوة الحاكمة الضاغطة المتمكنة، بدا قبوله ولو محدودًا فذلك لوجود جمهور قليل يأخذ به.. هو غائب تقريبا، يأخذ ويسير ويتوجه بسلاسة في نظرته نحو الحياة والفكر والعلم، أضف سببا آخر لبعده عن الساحة الجهل به جهلًا تامًا لدى الكثيرين الذين يثيرون الاستغراب منه، لكنه هو الذي ينسجم في حقيقته مع بناء الأمة التي تعتنقه ومع الحياة الإنسانية كافة، وإن جَهله وتنكر له البعض، مثلما تنكر للمعاني الحياتية الأساسية ويمتلك التفسير الإسلامي بمنهجيته وكافة تطبيقاته المسار الطبيعي الفطري ليس فقط للأمة المسلمة بل للحياة الإنسانية التي ترعى فطرتها إليها وموثلها الا وهو التفسير الإسلامي للتاريخ.. وما عداه من تفاسير ليس فقط مخالفا لعقيدة هذه الأمة وبنائها الحياتي والفكري والحضاري بل للفطرة الإنسانية ذاتها.

استقراء تاريخي

فدراسة التفسير الإسلامي للتاريخ دراسة علمية تعتمد الاستقراء التاريخي السليم وتفسيره وتقويمه أمر مهم في فهم السيرة النبوية الشريفة وإظهار نوعيتها، والتنويه بصيغها مرتبطة بالمنهج الذي صاغها لولاه ما كانت إلا به وليس بأية عوامل أخرى أخذا بتفسيرها في ضوء هذا اللون من التفاسير وتسجيل أحداثها وتعليلها وتقويمها على هذا الفهم والتوجه والتفسير المأمون.

هذا لا شك ينمو نموًا طبيعيًا مع انتشار الفهم الإسلامي السليم الذي يُسهم التاريخ الإسلامي ودراسته بشكله السليم في نموه نموًا طبيعيًا، ابتداء من السيرة النبوية الشريفة (على صاحبها الصلاة والسلام)، تقدم بكل طريقة مع تفضيل تقديمها وفهمها وتقويمها على النهج المفضل (الترتيب غير الزمني)، أي على الموضوعات، الذي به تتوج كل أساليب التناول الدراسية المستوعبة للسيرة النبوية الشريفة (على صاحبها الصلاة والسلام). والحمد لله رب العالمين وصلى على محمد الهادي الأمين رسول الله إلى أهل الأرض أجمعين، وعلى آله والصحابة والتابعين ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الهامشان

(۱) انظروا كتاب المؤلف: نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي، ۷۹ – ۹۹.

(۲) تم ذلك لها بعد اتصالها بالعالم الإسلامي وحضارته، لكنها نقلت ما أرادت - حسب بنائها ورغبتها - بعيدًا عن جذورها، وهو ما أوقعها في الأخطار المحيطة بها والتي توشك أن تأتي عليها من القواعد، حسب سنن الله تعالى.

الرابط المختصر :