العنوان منهج الأنبياء في تنمية الاقتصاد
الكاتب عبد الحافظ الصاوي
تاريخ النشر السبت 31-يوليو-2004
مشاهدات 72
نشر في العدد 1611
نشر في الصفحة 48
السبت 31-يوليو-2004
واجب الخلافة يقتضي أن يؤدي الجميع دوره دون مواربة أو استخفاف أو الجري وراء شهوة أو نزوة
الأخذ بالأساليب العلمية في العمل والإنتاج مسلك إسلامي لضمان تنمية الاقتصاد وهو ما يعني الجودة والإتقان
ربط الاقتصاد بالإيمان بالله تعالى ومراقبته يضمن له الاستمرار والنماء والانتفاع بجميع موارده
أهلك الله تعالى قوم عاد بسبب عنادهم وعدم استجابتهم لدعوة - سيدنا هود عليه السلام وارتكابهم أخطاء اقتصادية وسياسية
في واحدة من الندوات التي عقدت لتقويم أثر اتفاقيات منظمة التجارة العالمية على البلدان النامية، تعرض المتحدثون لموقف المملكة العربية السعودية بخصوص اشتراطها عدم دخول منتجات معينة إلى أسواقها بسبب تحريم الشريعة الإسلامية لاستهلاكها، ويعد هذا الأمر أحد عوامل تأخر انضمام السعودية لمنظمة التجارة العالمية.
ومن عجب أن أحد أساتذة الجامعة تساءل في هذه الندوة، وما علاقة التجارة بالدين، الأمر الذي أثار الاستغراب، فهؤلاء الذين يدرسون الطلاب كليات التجارة والاقتصاد، في النظرية الاقتصادية محددات الطلب يذكرون ضمن هذه المحددات. المعتقدات الدينية ويدللون بها على سلوك المسلمين في عدم أكل لحوم الخنزير وسلوك الهندوس في عدم أكل لحوم البقر، أو عندما يدرسون حالة الأسواق ويفردون الصفحات بالشرح والتحليل عن أسواق الاحتكار، ثم يتناسون في غمرة المناقشة العلاقة الوطيدة بين الدين وكافة مناحي الحياة ومنها الاقتصاد.
ففي الوقت الذي أراد البعض أن يروج فيه لمقولة أن الاقتصاد علم مجرد لا علاقة له بالأخلاق أو الدين، نجد أن الوضع الصحيح هو أن قواعد العلم ترد عليهم بأن الاقتصاد الذي عرفوه بأنه علم اجتماعي يدرس سلوك الإنسان لتلبية احتياجاته الكثيرة في ظل موارد محدودة، وهل السلوك البشري إلا نتاج عقيدة بعيش بها الإنسان؟
ووسط العديد من المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها العالم، خاصة البلدان النامية ومنها البلدان الإسلامية عقد مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بالقاهرة ندوة عن الجوانب الاقتصادية في حياة الأنبياء تستخلص منها العبر والدروس للخروج من واقع عالمي يئن بالعديد من المشكلات التي ترجع بالأساس إلى فساد الأخلاق وغياب الدين. ونعرض فيما يلي لمضمون هذه الندوة.
قد يظن الناس أن الحديث عن حقيقة وجودنا في هذا الكون كلام مكرر، ولكن الحقيقة أن هذا الأمر كثيرًا ما يغيب عن أذهان العاملين في مجال المال والاقتصاد فللربح رونقه وللمال بريقه، وطرق الشيطان والحرام كثيرة ومتعددة، وما أكثر الذين ذهبوا بأموال المسلمين فهربوها للخارج لحساباتهم الشخصية فاستفاد منها غيرهم، بينما بقيت الشعوب العربية والإسلامية تعاني الجوع والتخلف.
فهؤلاء وأمثالهم غاب عنهم حقيقة الاستخلاف، فاستحضار معنى الاستخلاف حقيقة يجب ألا تغيب عن المسلمين سواء كانوا أصحاب أموال أو عاملين فواجب الخلافة يقتضي أن يؤدي كل دوره دون مواربة أو استخفاف أو الجري وراء شهوة أو نزوة والاستخلاف هو الدرس المستفاد من قصة أبي الأنبياء آدم عليه السلام، وهذا ما أشارت إليه ورقة د. يوسف إبراهيم، أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر فأوضح أنه بالاستطاعة أن نجمل مهمة الكائن المكرم المستخلف في عبادة الله تعالى وهي تشمل إلى جانب الشعائر حركة الإنسان في الحياة على هدى الله تعالى، وهي تضم ألوانًا من النشاط الحيوي في عمارة الأرض والتعرف على قواها وطاقاتها وذخائرها ومكوناتها، واستخدام كل ذلك لتحقيق منهج الله في الأرض والتوجه إلى الله حتى تتحقق مهمة الخلافة، وحتى يتبدى لنا صدق القول الشائع العمل عبادة والعبادة عمل.
مجتمع النبوة وحقيقة الاقتصاد والمال
د. عبد الحليم عويس أستاذ الحضارة الإسلامية قال في ورقته بعنوان الاقتصاد في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إن المجتمع الاقتصادي في العهد النبوي لم يكن ملموسًا إلا في العهد المدني، وأن هناك حقيقة أساسية يمكن استخلاصها من المنهج المحمدي وهي أن للمال والاقتصاد مكانة متميزة في الإسلام، بيد أن هذه المكانة لا تجعلها هدفًا للحياة ولا مقياسًا للرقي - إذا وقفا وحدهما - فلها حد معلوم، ويجب أن يكونا وسيلة لا غاية وأن يؤمن المسلم بأن القيم والمعاني الأخرى لا تنفصل عن المادة.
وأضاف د. عويس أن هناك أربع قواعد أساسية يستخلصها الاقتصاديون من حياة النبي الخاتم وهي:
١- نظرية دورة الإنفاق الخيرة، وهي تطبق في أوقات الرخاء والكساد معًا فلا جمود ولا توقف ولا اكتناز ولا احتكار ولا ربا.
2- الحد من أرباح الوساطة، وتحريم الربا والاستغلال بصفة عامة.
3- الملكية الخاصة وظيفة اجتماعية وليست حقًا مقدسًا، ولا يجوز أن تنفصل عن العمل لتصبح أداة لاستغلال عمل الغير.
4- إقامة مجتمع السواسية والمقاسمة المقنعة والطوعية في الأسواق والخيرات.
أهل مدين صورة للرأسمالية الحديثة
أما د. أحمد النجمي الأستاذ بجامعة الأزهر فقد أشار في ورقته إلى أن مجتمع مدين يصور - في القديم - مجتمع الرأسمالية في العصر الحديث، حيث الحرية في الأموال، يفعل بها أصحابها ما يشاءون دون مراعاة لحقوق الغير، ولا مبالاة بما يجره عليه تصرفهم المطلق الذي لا تحده حدود ولا تمنع الضرر من ورائه قيود، حتى لا يكون هناك مستكثرون عناة ومحرومون بؤساء فأرسل الله عز وجل إليهم نبيه شعيبًا بمهمة أساسية وهي هداية قومه روحيًا وماديًا ليسعدوا في دنياهم وآخرتهم، فنبي الله شعيب تناولت دعوته الاهتمام ببناء العقيدة السليمة فقال تعالى: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ ﴾ (الأعراف: 85) وكانت المهمة الثانية هي إصلاح أمر تجارتهم وحياتهم الاقتصادية فنهاهم عن ظلم الناس في الكيل والميزان وعدم بخس الناس أشياءهم، وعدم الإفساد في الأرض، فذكرهم بنعم الله وأن هدفه الوحيد هو الإصلاح وحثهم على الاستغفار والتوبة.
وأوضح د. النجمي أن أهل مدين كان من عاداتهم أن لهم ميزانين واحدًا يشترون به فيستوفون حقهم وزيادة وآخر للبيع فينقصون الميزان ويجورون على الناس، ونتذكر هنا حال العلاقة بين البلدان النامية والمتقدمة، حيث تسعى الدول المتقدمة لفرض شروط تعجيزية على البلدان النامية لدخول أسواقها، حتى لو استوفت سلع البلدان النامية شروط الاتفاقات الدولية الخاصة بذلك، بينما تسعى البلدان المتقدمة لأن تكون منتجاتها في كافة البلدان النامية، وأيضًا على مستوى الأسواق في البلدان النامية حيث يعاني الناس من ضياع حقوق المستهلك ووقوع حالات الاحتكار.
قوم هود .. ودرس عدم إهدار الموارد
إذا كان إهدار الموارد الاقتصادية سمة البلدان النامية فإن سوء تخصيص الموارد هو آفة الدول المتقدمة، وفي هذا الاطار أشار د. محمد عبد الحليم مدير مركز صالح كامل في ورقته إلى مجموعة من الدروس يمكن استلهامها من رسالة سيدنا هود على الصعيد الاقتصادي ومنها:
١- التحذير من سوء تخصيص الموارد عن طريق العبث بإقامة ميان فاخرة في أماكن مميزة دون حاجة إليها، فمع أنهم كانوا يسكنون الخيام إلا أنهم كما نعى عليهم سيدنا هود عليه السلام في قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128)﴾ (الشعراء: 128) وللأسف فإننا نلمس هذا السلوك لدى بعض البلدان العربية والإسلامية من إقامة وتمويل الإسكان الفاخر الذي تحتاج إليه فئة محدودة للغاية، بينما الأكثرية - التي تحتاج إلى السكن الاقتصادي والضروري- لا يلقى طلبهم أي اهتمام.
٢- نقد الاستراتيجية الاقتصادية القائمة على أن القوة الاقتصادية سبيل لتحقيق الخلود في الدنيا وجعل ذلك الهدف الرئيس ونسيان العمل للآخرة وتمثل ذلك بالنسبة القوم عاد في قوله تعالى: ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)﴾(الشعراء: 129)
3- العقوبات الإلهية القدرية الاقتصادية لقد كان نتيجة عناد قوم عاد وعدم استجابتهم لدعوة سيدنا هود عليه السلام وارتكابهم هذه (الذنوب الاقتصادية والسياسية أن عاقبهم الله سبحانه وتعالى بعقوبات أهلكت ما كانوا يتفاخرون به ويظنون انه مخلدهم من قوة جسمانية ومبان رائعة ومصانع.
وفي هذا المضمار أشار د. محمد عبد الحليم إلى حالة أمريكا التي تمتلك المباني الشاهقة الفاخرة بينما فقراؤها يعيشون في عشش وإسكان عشوائي، ويبلغ عدد هؤلاء الفقراء ٣٠٪ من سكان أمريكا!
لا بد من الرجوع للإيمان
بعد استعراض المبادئ الإيمانية المتعلقة برسالة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وما ارتبطت به في الجوانب الاقتصادية والمالية ركزت الندوة على مجموعة من التوصيات منها:
- ربط الاقتصاد بالإيمان بالله تعالى ومراقبته، فرسالة سيدنا شعيب عليه السلام حرصت على هذا الربط، فأتى تأكيده في كل النداءات التي وجهها إلى قومه، حيث بدأها بالأمر بعبادة الله وحده وتقواه ورجاء اليوم الآخر، وذلك لأن الاقتصاد وغيره من نشاطات الحياة. إذا ارتبط بالعقيدة الصحيحة، ضمن له الاستمرار والنماء وعموم الانتفاع بجميع موارده، ولهذا حرص الإسلام على هذا الربط وتدعيمه والارتقاء به.
العلو بشأن القيم والأخلاق ولا سيما خلق الحياء الذي هو خير ما أدركه الناس من سلوك النبوة الأولى، والذي تكاد البشرية في أنحاء الأرض تتخلى عنه وتهجره وتجافيه وترتكس في حماة الفحش والفجور، متبعة في ذلك خطوات الشيطان.
الإسلام يدعو دومًا إلى الإتقان، فلابد من اتباع أحدث الأساليب الملائمة في النشاط الاقتصادي، ولا أدل على ذلك من تفريق القرآن بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وذلك في قول الله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)﴾ (الزمر: 9)
الأخذ بالأساليب العلمية في العمل والإنتاج مسلك إسلامي لضمان تنمية الاقتصاد وهو ما يعبر عنه بالاصطلاح الأجنبي: تكنولوجيا، وبالاصطلاح العربي: تقنية وهو اصطلاح يعني الجودة والإتقان وهذا ما دعا إليه الإسلام في جميع مناحي الحياة.
المجالات التي تمتاز بها الدولة أو الأمة لا بد أن يتولى مسؤوليتها ولاة الأمر أو من ينوب عنهم، كما كان سيدنا داود عليه السلام يدير مشروعات مملكته، لأنه لو تركت إدارة تلك المجالات الأفراد يغلبون مصلحتهم الفردية والعاجلة على مصلحة الجماعة والأمة. ويفتقدون النظرة الشمولية التي تحيط بكل مجالات الدولة، وما يحيط بها من أخطار واقعة أو محتملة، فإن النتائج ستكون وخيمة.