; من أجل قيام جبهة إسلامية لدعم الجهاد في فلسطين | مجلة المجتمع

العنوان من أجل قيام جبهة إسلامية لدعم الجهاد في فلسطين

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1988

مشاهدات 65

نشر في العدد 854

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 02-فبراير-1988

واستمرت انتفاضة الشعب الفلسطيني في فلسطين، وتجاوزت توقعات المتفائلين ناهيك عن المتشائمين، ودحضت توقعات كل المحللين الذين نسبوها إلى اليأس تارة، وإلى أهداف محدودة متواضعة تارة أخرى. ولم يتوقع كثير من السياسيين حتى داخل كيان العدو الصهيوني نفسه وفي الأوساط العربية والفلسطينية أن تستمر هذه الانتفاضة بهذا الحجم وأن تتواصل.

 

وخرجت التصريحات من هنا وهناك تنسبها لنفسها أو تُلْحق بها أو تحاول تجييرها للإسراع في عقد مؤتمر دولي للسلام أو إجراء مفاوضات مباشرة ثنائية أو جماعية.

 

حاول الإسرائيليون في البداية نسبتها إلى منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج للتقليل من شأن الانتفاضة في الداخل، وحاولت جهات عربية فصلها نهائيًا عن منظمة التحرير الفلسطينية للتقليل من قيمة المنظمة. كما هولت بعض الأطراف الغربية من دور التيار الإسلامي لإخافة الأنظمة والمنظمة، وتجاهلت بعض القيادات الفلسطينية العلمانية دور الإسلاميين في الانتفاضة، وعندما أُحرِجت بالسؤال اعترفت بوجودهم ولكنها قللت من قيمتهم لتثبت أنها موجودة على الساحة.

 

وجرى نفي بعض الفلسطينيين إلى خارج البلاد ورُوعي فيهم ألا يكونوا من الإسلاميين الذين امتلأت بهم السجون والمعتقلات، ورُكِّزت الأضواء على شخصيات غير إسلامية فلسطينية وغير فلسطينية اتخذت مواقف مؤيدة للانتفاضة من خارج فلسطين.

 

كما رُكِّزت الأضواء على مظاهرة ضخمة قام بها اليهود في فلسطين ضد سياسة حكومتهم في قمع الانتفاضة من أجل صرف الأنظار عن الطابع الإسلامي للانتفاضة، ومن أجل تحجيم أهداف الانتفاضة إلى الحد الذي لا يُشكِّل خطرًا على الكيان الصهيوني في نهاية الأمر.

 

وهناك كثيرون من المسلمين يرغبون في المشاركة بالنفس أو بالمال ولا يعرفون كيف يبدأون وسط هذا الضجيج الإعلامي، ووسط هذا التسابق لركوب موجة الانتفاضة أو استثمار نتائجها أو محاولة إحباطها ووأدها.

 

البعض يطلب من الفلسطينيين في فلسطين أن يوقفوا العنف على أمل أن يوقف الإسرائيليون بناء المستوطنات وتطويرها، وتمهيدًا لعقد مؤتمر دولي يناقش أهداف «الانتفاضة»، وتظهر أمام شاشة التلفاز شخصيات فلسطينية تقليدية من الأرض المحتلة يتحدثون عن الانتفاضة وأهدافها وأسبابها وكأنهم أصحابها وموجهوها، بهدف تهيئتهم ليكونوا ممثلين عن هذا الشعب -الثائر الصابر- على مائدة المؤتمر الدولي أو لأهداف أخرى.

 

فالاتحاد السوفياتي يتحرك للإسراع في عقد المؤتمر الدولي ويُطمئن الكيان الصهيوني بأنه يضمن ما يُسمى «بقاء إسرائيل»!! وبريطانيا وهي أساس البلاء الذي حل بفلسطين «تتعاطف» شكليًا مع الشعب الفلسطيني وتقرر أن من حقه أن يقرر مصيره باعتبار تقرير المصير حقًا لكل الشعوب بما فيها «الشعب الإنجليزي أو الإسرائيلي».

 

والمنظمات اليهودية الداعمة للكيان الصهيوني تنتقد سياسة الحكومة الإسرائيلية... ولكن... خوفًا على هذا الكيان. والولايات المتحدة تأسف لتصرفات الجنود الإسرائيليين، ولكنها تظل على سياستها الثابتة الداعمة للكيان الإسرائيلي في وضع متناقض مكشوف.

 

واستمرت الانتفاضة لا تلقي بالًا لكل هذه التصريحات والتحليلات والمواقف المعلنة والمبادرات المطروحة، ويعرف أصحابها من هو العدو، ومن هو الصديق، أنهم لا يطلبون عونًا من أحد، ولا يرفضون عونًا من أحد، بشرط أن يكون غير مشروط. يحفظون الجميل لمن يقدم الدعم ويسألون الله المغفرة لمن يتحدث عن الدعم ولا يقدمه، ويتجاهلون من يحاول الالتفاف على أهدافهم المشروعة ويُطوِّرون من أساليبهم في مواجهة المكر الصهيوني ويقدمون التضحيات رخيصة في سبيل الله والوطن.

 

ما أشبه الليلة بالبارحة وما أشبه النداء الذي وُجِّه إليهم بالتوقف عن «العنف» هذه الأيام بالنداء الذي وُجِّه لآبائهم بالتوقف عن الثورة عام 1936 وإلقاء السلاح اعتمادًا على «حسن نوايا صديقتنا بريطانيا العظمى!»، ولكن أطفال الحجارة اليوم وشبابها أوعى من آبائهم الذين انقسموا على أنفسهم بين مؤيد لإنهاء الثورة وبين رافض، ذلك أن بقية من ثقة كانت موجودة في أنظمة ذلك الزمان التي كانت تثق في «العدو الصديق» بريطانيا.

 

لم تتوقف الانتفاضة وإنما تطورت إلى ما يشبه الثورة الشعبية... استخدموا «المقلاع» لقذف الحجارة بالإضافة إلى الأيدي، وحفروا الحفر وموَّهوها ليسقط فيها الجنود والآليات العسكرية ثم ينهالون عليهم قذفًا بالحجارة.

 

وطوَّر العدو من أساليب قمعه فكسر الأيدي والأرجل حتى لا يتمكن الشباب من الجري وإلقاء الحجارة، ولكن الانتفاضة لم تتوقف رغم التعتيم الإعلامي ومطاردة المصورين وعدم السماح إلا للصور التي تُحطِّم الأعصاب وتصنع اليأس في صفوف الثوار المجاهدين ومؤيديهم.

 

والآن: لا بد أن نسجل بعض الملاحظات والمواقف إزاء ما يجري في الأرض المحتلة وما يجري كنتيجة للانتفاضة خارج الأرض المحتلة.

 

نحن لسنا من الذين يقولون إن كل ما يجري في الأرض المحتلة صدر بقرار من هذه الجهة أو تلك خارج الأرض المحتلة، بل أن هناك كثيرين من المشاركين في الانتفاضة لا علاقة تنظيمية لهم خارج الأرض المحتلة.

 

إن جماهير الشعب الفلسطيني بكل فئاته تُشارك في هذه الانتفاضة، ولكن التيار الإسلامي الذي أخذ يتغلغل في السنوات الأخيرة في المدارس والجامعات والمؤسسات والنقابات والاتحادات الشعبية وفي البيوت وفي الشارع وحتى داخل فصائل المقاومة له الأثر الأكبر في إحداث هذه الانتفاضة وإيقاد شعلتها.

 

إن العمليات العسكرية النوعية التي قامت بها سرايا الجهاد الإسلامي وبقية التنظيمات الإسلامية الأخرى قلبت كل الموازين، ونفخت في الشعب الفلسطيني روحًا جديدة لا تعرف الخوف من العدو، فانطلقت تُعطي لفلسطين بلا تردد وهي تطلب إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.

 

إن منظمة التحرير وبعض الدول العربية والإسلامية تحاول إقامة الجسور بينها وبين بعض التنظيمات الإسلامية التي انطلقت في الأساس من منطلق ذاتي مستقل، ولا زالت بعض هذه التنظيمات تتردد في قبول العون رغم أنها تشترط أن يأتي العون بلا شروط.

 

إن الصراع الذي كان قائمًا بين التيار الإسلامي والتيارات الأخرى داخل فلسطين خفت حدته إلى حد كبير بعد العمليات العسكرية النوعية التي قام بها الإسلاميون من منطلق جهادي، وبدأ الآخرون يعيدون النظر في منطلقاتهم الفكرية، ونظرتهم إلى الإسلام الجهادي كمنقذ بدلًا من الأيديولوجيات الأخرى.

 

إن التحرك السياسي الدولي والعربي والذي تقوم به المنظمة لاستثمار نتائج الانتفاضة «الثورة» مهما كانت نتائجه إيجابية أو سلبية لن يوقف الإسلاميين عن استمرار الجهاد حتى يسقط المشروع الصهيوني في فلسطين، وحتى تعود فلسطين عربية إسلامية بإذن الله.

 

وما دام الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة كله مشاركًا في «الثورة» وما دام الإسلاميون قد كسبوا ثقة الشعب الفلسطيني كله، وما دامت هذه الثورة الشعبية ذات المضمون الإسلامي قد حازت على تأييد المسلمين ومنهم العرب وتعاطف العالم كله، ووجدت في أوساط الأعداء من يتجاوب معها... فالمطلوب من المسلمين جميعًا حكامًا وشعوبًا أن يرتفعوا إلى مستوى الأهداف النبيلة والتضحيات الجسيمة التي يقوم بها الشعب المسلم الأعزل في فلسطين متكلًا على الله ومعتمدًا عليه... وأن يبادروا فورًا إلى تشكيل جبهة إسلامية مساندة ومُشاركة في هذا العمل الجهادي الذي أُعلن عنه في مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم الذي دنسته أقدام بني صهيون. وأن يتعاملوا مع الواقع القائم بروح الإسلام ونهج الرسول الكريم والأولين السابقين الذين حرروا فلسطين من الرومان وطردوا عنها غزوات الصليبيين والتتار.

 

وإذا قصرت بعض الحكومات الإسلامية عن أداء واجبها لظروف فوق طاقتها أو ضمن طاقتها فعلى جماهير المسلمين أن تتحرك لتضغط في اتجاه وضع هذه الحكومات أمام مسؤولياتها.

 

وهذا لا يعفي المسلمين والإسلاميين من عامة الناس ومن خاصتهم أن يتحركوا في اتجاه لم الشمل ووحدة الصف والهدف، ونبذ الخلافات الهامشية أو تأجيلها، والتمسك بالأصول التي اتفقوا عليها، أو التي يجب أن يتفقوا عليها، وهي أن الجهاد من أجل إنقاذ أولى القبلتين فرض عين على كل مسلم ومسلمة، ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أُسري به إليها وصلى بالأنبياء جميعًا فيها قبل أن يصلها المسلمون، وإنها أمانة في أعناق المسلمين جميعًا دون استثناء، ومن فرَّط فيها وانشغل عنها تحت أي ذريعة كانت فهو آثم.

 

الرابط المختصر :