العنوان حوار.. مع الشيوعيين في أقبية السجون (الحلقة الرابعة)
الكاتب عبدالحليم خفاجي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1972
مشاهدات 8
نشر في العدد 130
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 19-ديسمبر-1972
·
الأفكار...
في المحك العملي
·
دور
السلوك في تقييم الفكرة والمذهب
· من أسباب انتشار الماركسية: الثقافة الضحلة- الحرمان والبؤس- ضعف المواجهة- غيبة الإسلام- الدولة النموذج- الاغراء الغريزي- الاستعمار ينتشر الماركسية أيضا!
لم تكد تمضي عدة أيام على ندوتنا مع
الشيوعيين حتى اكتشفنا فيهم شيئًا جديدًا.. أهم من الموضوع المثار.. أي أهم من مواصلة
الاستماع إلى الماركسية.. قد لا يبدو هذا الشيء ملفتًا للنظر أو دقيق الخطر ولكنه كان
لدينا ذا مغزى ودلالة كبيرة في تقييم أصول النظرية ذاتها.. قد يبدو هذا الكلام مبالغًا
فيه لكل من لم يعايش أصحاب العقائد والمذاهب عن قرب واستغنى ببريقها في الكتب عن رؤية
الواقع والأحاسيس.
● هذا الشيء
الذي اكتشفناه أو بالأحرى تعمق اكتشافنا له مطلوب رؤيته دائمًا لدى من يدعي الإيمان
بشيء.. دينًا كان هذا الشيء أو مذهبًا أو فكرة. ومطلوب رؤيته فيمن يدعي الإيمان به،
فردًا كان هذا المدعى أو جماعة أو دولة. ومطلوب رؤيته على كل حال يمر به هذا الإيمان..
يسرًا كان هذا الحال أم عسرًا، رخاء أم شدة، محكومًا أو أمل سلطة.
● هذا الشيء
البسيط والعجيب معًا.. هو السلوك...
نعم السلوك اليومي من قول أو عمل
إذ هو الثمرة الختامية لهذه القضية الكبيرة.. قضية العقائد والتشريعات الاقتصادية
والاجتماعية والسياسية.. هو الثمرة الختامية بطعمها الحلو أو المر.
● والثمرة
في وضعنا الراهن بكل ملابساته التي أوضحتها في الحلقتين الأوليين كنا نراها ونذوقها
في العبارة الشاردة والحكاية العارضة والنكتة العابرة والمواقف المتجددة التي يشركوننا
معهم فيها ولم يكن الأمر ليشغلنا لو وقف عند حدود السلوك الفردي لأن الانحرافات الفردية
لا يخلو منها أي نظام، ولكن عندما تصبح الظاهرة عامة ومحل رضا من الجميع فإنها في هذه
الحالة تكون شيئًا آخر خلاف كونها مسلكًا فرديًا..
● ففوق ما
يقوم به العلماء والمتخصصون من تناول الأصول النظرية بالفحص والتحليل، يقوم التطبيق
العملي بأخطر عمليات التقييم، بما يكشف عنه من آثار هذه الأصول النظرية في حياة الناس
العملية، ومن نصيب كل فرد من هذه الآثار في معاملاته وقيمه وفي مشاعره وأمانيه، وهل
هو في كل ذلك قد أُشبع حاجاته كلها أم ما زال طالبًا لها، وهل تمتع بحرية حقيقية أم
ما زال مقيدًا، وهل هو في النهاية قد ظفر بسعادة الرضى والطمأنينة أم ما زال حائرًا.
● هذه الآثار
الختامية هي أهم وسائل قياس صلاحية أصول أي نظام وهي مؤشر الصدق فيها.. بهذا مضت تجارب
القرون وتخلت أوليات الإيمان وكشفت موازين الحضارات أن الزبد يذهب جفاء وأن ما ينفع
الناس يمكث في الأرض.
حتى الإصحاح السابع من الإنجيل
متى فقد قال «احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم في ثياب الحملان ولكنهم من
داخل ذئاب خاطفة، من ثمارهم تعرفونهم.. هكذا كل شجرة طيبة تخرج ثمارًا طيبة، وأما
الشجرة الخبيثة فتخرج ثمارًا خبيثة.. فإذن من ثمارهم تعرفونهم».
● لذلك كله
فقد تولد لدينا الحرص على جمع أكبر عدد من هذه الثمار أي من الحكايات والتصرفات التي
تجاوزت المستوى الفردي إلى مستوى الرضا الجماعي.. وكنا نفسح لها وقتًا في بداية كل
حلقة من حلقات الندوة فهي لا تقل أهمية لدينا عن موضوعات الماركسية ذاتها، الأمر الذي
لن يتوفر لنا معرفته من قراءة كل الكتب...
لذلك كان ترحيبنا صادقًا
بالاستماع إلى أحد الزملاء وهو يحكي طرفًا من النوادر الصحفية قبل استئناف الكلام
عن التفسير المادي للتاريخ.
قال: الوقت كما تعلمون هو رأسمال
الصحفي، والسبق هو ربحه.. ولا يمكن متابعة الأحداث من توفيرها مكان لا بد للصحفي
الناجح من سبق الأحداث ذاتها..
- حُل لنا هذه الألغاز.
قال: حلها بسيط.. كنت إذا علمت بعمل
تحقيق صحفي مثلا من موكب الرئيس من الإسكندرية إلى القاهرة.. أجلس إلى مكتبي على
الفور في اليوم السابق على الموكب وأتخيل مظاهر الاستقبالات الشعبية في كل محطة
ينزل فيها القطار وأتنبأ بما قد تقوم به الجماهير من تصرفات جنونية وحماس منقطع
النظير.. أتخيل الهتافات واللافتات وكل كبيرة وصغيرة.. وفي اليوم التالي تكون
مصاحبتي للموكب من باب السياحة والاحتياط للمفاجآت التي قد تستجد حتى إذا ما وصل
الموكب إلى القاهرة كنت أسبق منه وصولا إلى دار المجلة بتحقيقي المدعم بالصور..
أما إذا التزمت متابعة الأحداث أولاً ثم قمت بتسجيلها فهذا ما لا يحقق السبق
المنشود..
قاطعه
زميل آخر: لكن ما رأيك في «ساندويتش فول مع مارلين مونرو»؟! ذلك التحقيق الذي
أدهشت به الوسط الصحفي كله..
لقد
عثرت عليها يا حضرات الإخوة وهي متنكرة في زي غريب في إحدى صالات باريس وكنت
الصحفي الوحيد الذي عثر عليها من بين عشرات الصحفيين من جميع أنحاء العالم، وأنقذت
نفسها مني بأن قبلت أن تتناول معي «ساندويتش فول» وتجيب على جميع أسئلتي بشرط ألا
أكشف عن شخصيتها، وقد أعربت في حديثها عن إعجابها بناصر وبنهضة الجمهورية العربية
و... و...إلخ.
وبالطبع
كان الحديث مدعمًا بالصور التاريخية لي معها..
قلنا:
وأي غرابة فيما قمت به؟ وهل اكتشافك لشخصيتها عمل غير عادي؟
قال:
طبعًا.. لأن اكتشافي لها وحديثها معي المدعم بالصور قد أخرجته عبقريتي وأنا جالس
على قهوة بحي الحسين أتناول ساندويتش فول أوحى إليّ بهذه الفكرة.. أما سؤالكم عن
الصور فهو من سر المهنة!
زميل
ثالث: ما كنت أقدم أنا عليه يعتبر أصعب من ذلك كله.. قلنا: هات من عندك.
قال:
كنت أتقمص شخصيات نسائية تتفنن في عرض مشكلتها العاطفية على المجلة وأقوم مرة أخرى
بالرد عليها.
فضحكنا
وقلنا: لا شك يا زملاء أن زميلكم هذا هو أكثركم ثورية لأنه زاد على كل ما فعلتموه
وهو أجدر برئاسة تحرير جريدة تقدمية..
ولما
أصر زميل رابع على سرد واقعة حدثت له قلنا: كفى ما سمعنا من الزملاء اليوم حتى لا
نجور على وقت الندوة.. ولكنه أصر فقلنا: ألديك جديد غير ما سمعناه؟
قال:
لدي ما هو جديد وجرى معي والله …
قال:
إن لساني لفظها بحكم ما في النفس من رواسب المجتمع البرجوازي وهي لا تعني عندي
إيمانًا بالله ولا شك أنه بقيام العصر الشيوعي تتخلص النفس من رواسب فترة الانتقال
ويظهر إلى العالم الإنسان الجديد الذي سيختلف عن إنسان اليوم في كل شيء.
قلنا:
ادخل في موضوعك إن كان لديك جديد..
قال:
كان ذلك بشبين الكوم وفي حفلة ضمت جميع رجالات المحافظة وعلى رأسهم المحافظ وكنت
أقدم الشخصيات في الحفل، فقدمت الزميل فتحي وكان ما زال على أبواب العمل الصحفي
وغير معروف لأحد ونريد أن نشهره ونجعل اسمه يملأ الجو بسرعة.. ولكن مشكلتنا أن
أحدًا لم يسمع به من قبل.. فهل تتصورون ماذا فعلت لأجعل كل الحاضرين يضجون
بالتصفيق ويقبلون عليه للتعارف بعد الحفل..
قلنا:
لا يصل تصورنا إلى حيلك الشيطانية طبعًا..
قال:
قدمنا هذا الكاتب الكبير الجالس أمامكم الآن على أنه كان غائبًا في غياهب السجون
والمعتقلات يقاوم الفساد والاستعمار وقد نكل به العهد السابق ولفق له التهم لكي
يقضي على قلمه الحر الجريء الذي يدافع به عن العامل والفلاح..
كل
هذا والزميل فتحي لم يكن قد دخل حتى قسمًا للشرطة في حياته!
فضحك
الجميع، وقلنا: لا شك أنك أجدر بقيادة الحزب نفسه لا مجرد رئاسة تحرير جريدة.. مع
ما لنا على كل ذلك من اعتراضات يا زملاء ولكن سنرجئها لحينها.
الزميل:
قد وصلت في كلامي إلى العصر الرأسمالي (العصر الرابع)، وهو أهم عصر من عصور
التاريخ وقد قال ماركس: «الرأسمالية جاءت نتيجة لتحول طبقة الفلاحين إلى طبقة
البروليتاريا الصناعية وما تبع ذلك من استغلال استعماري وصراع من أجل المستعمرات».
ولقد
رأينا من عرض العصور السابقة كيف أن العوامل الاقتصادية لها تأثير شامل على تاريخ
البشرية، وكيف أن المجتمعات تسير في عملية مستمرة من التغيير والتطور يسببها
التناقض والتوافق بين عوامل متضاربة، وكيف أن الهيكل الاقتصادي للمجتمع هو الركن
الأساسي في التطورات الاجتماعية، وهذا الهيكل تحكمه التطورات في الأساليب التي
يتبعها الأفراد في الإنتاج وهذه بدورها هي تحدد طبيعة الأفكار والاتجاهات..
وقد
أجمل أنجلز ذلك في قوله: «إن الأسباب المباشرة والنهائية للتطورات الاجتماعية
والثورات السياسية ليس مردها إلى تفكير الأفراد وتعمقهم في البحث عن الحق والعدالة
وإنما مردها إلى تلك التغييرات التي تطرأ على نظام الإنتاج والاستبدال».
•
وفي عصر الرأسمالية هذا الذي نتكلم عنه اليوم نشاهد أن الآلة هي وسيلة الإنتاج
الرئيسية.. والعلاقة الإنتاجية تقوم بين العمال والرأسماليين.. وفي الصراع الناشب
بين هاتين الطبقتين تتكتل طبقة العمال في النقابات والأحزاب العمالية وتتكتل طبقة
الرأسماليين في النوادي والأحزاب المحافظة كأدوات سياسية وتستخدم كل طبقة كافة
الأسلحة المادية والمعنوية في صراعها الدموي مع الطبقة الأخرى، ولكن الصراع الدموي
مع طبقة العمال الأكثر عددًا والأسوأ حالًا سينتهي بانتصار حتمي لطبقة العمال. وقد
قال ماركس: «صراع الطبقات حقيقة تاريخية متأصلة في طبيعة نظامنا فلا حاجة إلى
الدعوة إليها ولا جدوى من إنكارها، ولكن مسؤولية تلك الحرب تقع على عاتق من تدفعهم
الأنانية إلى المحافظة على ما يمتلكون».
وقد
كشف ماركس عن القوانين التي ستقوض النظام الرأسمالي بحكم منطق التطور الحتمي، ومن
ثم جاء بنظرية فائض القيمة أو بتعبير أدق القيمة الفائضة التي تكشف عن أن استمرار
حرص الرأسمالي على الربح (آفة النظام) سيؤدي إلى حدوث قوانين حتمية تعجل بنهاية
الأسلوب الرأسمالي في الإنتاج وتختم عصور الصراع الطبقي وتفتح الطريق إلى مجتمع
جديد خالٍ من الطبيعة والاستغلال.
نظرية
فائض القيمة
لقد
بين ماركس أن العمل أساس القيمة. وإذا كان العمل في البداية هو أساس القيمة فإنه
يقصد به حاليًا العمل اللازم اجتماعيًا.
● في عصور
الرق (الأسلوب العبودي والإقطاعي في الإنتاج) كان الاستغلال يتم باستحواذ الطبقة المالكة
على فائض إنتاج طبقة العبيد أو الأقنان.
● أما في ظل
الرأسمالية التي تتميز بظاهرة الإنتاج السلعي فإن الاستغلال يتم بالاستحواذ على فائض
القيمة ولتوضيح ذلك أقول:
إن قيمة السلعة تحدد بوقت العمل
اللازم اجتماعيًا لإنتاجها، أي اللازم في ظل الظروف التكنيكية العادية للإنتاج في
فترة معينة طبقًا لمتوسط مهارة وجهد المنتج.. وهذا لا يعني أن كل سلعة تباع بما
يساوي قيمتها تمامًا لأن يعبر عنها بالسعر الذي يتذبذب حول القيمة ارتفاعًا
وانخفاضًا..
والإنسان في ظل عصور الرق ملك كله
لسيده، أما في ظل عصر الرأسمالية فإنه يبيع فقط قوة عمله التي تعتبر سلعة مثل أي
سلعة أخرى لها قيمة معينة هي قيمة ذلك السلع التي يحتاج إليها العامل لكي تكفل
معيشته وتجدد قدرته على العمل وبعبارة أخرى إن قيمة قوة العمل هي قيمة وسائل
المعيشة اللازمة للحفاظ على حياة صاحب قوة العمل.
وعندما يشتري الرأسمالي قوة العمل
التي لها قيمة استهلاكية عنده فإنه يدفع العامل إلى العمل فينشئ هذا العمل قيمة
جديدة أكبر من قيمة سلعة قوة العمل.. وهذه الخصيصة لسلعة قوة العمل هي التي تعطينا
المفتاح لفهم ميكانيزم الاستغلال الرأسمالي.. وعليه فإن قيمة السلعة التي يبيعها
الرأسمالي تتضمن: -
أولًا: قيمة المواد والجزء
المستهلك من المعدات ثانيًا: قيمة عنصر الخدمة (العمل من جانب العمال لأعداد هذه
السلعة).
والقيمة التي تنتج بواسطة فائض
عنصر العمل من جانب العمال تسمى فائض القيمة.
والاستيلاء الرأسمالي عليها تحت
ستار الربح هو جوهر الاستغلال.. واستمرار حرص الرأسمالي على زيادة الربح يؤدي إلى
ثلاثة قوانين حتمية تؤدي في النهاية إلى تقويض النظام الرأسمالي:
(1) قانون تراكم رأس المال:
بزيادة الآلية في الإنتاج يتم
الاستغناء عن عدد من العمال ينضافون إلى جيش العاطلين.. وزيادة الآلية تخفض نفقات
الإنتاج.. ونتيجة المنافسة الحرة ينخفض سعر السلعة عن ذي قبل بما يترتب عليه
انخفاض فائض القيمة على مدار المجتمع أي انخفاض ربح طبقة الرأسماليين، بما يحفزهم
إلى استخدام الكثير من الأساليب الاستغلالية لتعويض هذا الانخفاض، فيلجأون إلى
تشغيل من لم يطردوا من العمال ساعات أكثر، ويستغلون الأطفال والنساء بأجور
منخفضة.. وأخيرًا يتكتلون لفرض أسعار احتكارية وللتحكم في الأسواق، وهذا كله يؤدي
إلى تمركز رؤوس الأموال في أيديهم..
(2) قانون تركيز رأس المال:
وهو نتيجة حتمية للقانون الأول
لضمان استمرار الرأسماليين في استغلال الطبقة العاملة ونشأت لذلك الاحتكارات ذات
الصور المختلفة (كارتلات، ترست).
والاستثمار هو أعلى مراحل
الرأسمالية.. والإمبريالية مرحلة متقدمة في الرأسمالية.
(3) قانون زيادة البؤس:
تزداد حالة العمال سوءًا
فيتكتلون، وتشتد حالة الصراع بينهم وبين الرأسماليين إلى أن يتحقق الكم الدوري
اللازم لقيام الثورة، وبذلك يزول التناقض بين الملكية والعمل حيث يصير الذين
يعملون هم الذين يملكون.. ويعود الحق المسروق إلى أصحاب الشرايين..
ولما كانت الرأسمالية التي تطورت
إلى الاحتكارات العالمية والإمبريالية تعمل ما في وسعها للحيلولة دون تفاقم
الأزمات التي تفوض بنيانها فتعمل على تأخير هذا اليوم المحتوم بمحاولات شتى من
تحسين أحوال قيادات النقابات العمالية وبعض الضمانات الاجتماعية ثم اندفاع نحو
الاستعمار ثم إشعال الحروب المحلية مثل كوريا وفييتنام..
● قلنا: تقصد
عصر الاشتراكية؟
قال: بل اقصد كلمة مرحلة بالذات
لتأكيد الإحساس بأنها وصلة بين عصرين متتاليين عصر الرأسمالية وعصر الشيوعية
العالمية.. هي مجرد جسر بينهما.. وهي تسمى أيضًا بالشيوعية الأولى.. وفي كل هذه
التسميات لا تسمى عصرًا لأنها فترة انتقال.. وكل ما في هذه المرحلة من أمل
الشيوعية العالمية هو في تقرير النمذجة العامة لوسائل الإنتاج وفي إسباغ صفة
الشيوعية على الحزب.. ومن ثم فالنظام يحمل اسم الواقع الاشتراكي والحزب يحمل اسم
المستقبل الشيوعي..
وتتميز مرحلة الاشتراكية عن عنصر
الشيوعية العالمية بما يلي: -
(1) في ظل الاشتراكية.. من كل حسب
قدرته ولكل حسب إنتاجه ومن ثم فقد تفاوت الأجور (من أسباب الخلاف بين ستالين
وتروتسكي) أما في ظل الشيوعية فسيكون من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته.
(2) في ظل مرحلة الاشتراكية يكون
الإبقاء على سلطة الدولة في شكل ديكتاتورية الطبقة العاملة (البروليتاريا) ريثما
يتم القضاء على أعداء الثورة في الداخل أي على الثورة المضادة، وريثما يندفع عنها
خطر المعسكر الرأسمالي في الخارج. أما في ظل الشيوعية فستزول سلطات الدولة حتى
تختفي ويحل محلها لجان المصالحات لحل التناقضات الثانوية.
(3) في مرحلة الاشتراكية يظل
الإبقاء على بعض الأشكال الاجتماعية كالأسرة أو الأشكال الاقتصادية كالنقود
والحوافز المادية والملكية الصغيرة مما قد يشكك في جدية التحول إلى الشيوعية
العالمية ولكن ذلك الإبقاء سينتهي ريثما يتوفر الأساس التكتيكي للانتقال وريثما يتخلص
النفس البشرية من رواسب القيم البرجوازية وتظهر [الإنسانية] الجديدة..
سادسًا: عصر الشيوعية العالمية:
استطرد الزميل قائلًا هو عصر
الاشتراكية العظيمة بمعناها الحقيقي، وفيها يصبح الناس طبقة واحدة خالية من الصراع
وينتقل التنافس الرئيسي داخل المجتمع البشري ليصير بين الإنسان والطبيعة كما كان
الحال في عصر الجماعية البدائية الخالية من الصراع الطبقي ويحل محله التضامن
الذاتي كمبدأ وكعامل حركة مشروع.
ويحل العلم محل العقائد والفلسفات
في صراع الإنسان مع الطبيعة في تقسيم ظواهرها واستخدامها في توفير ضرورياته أي في
تحريره حيث يصير من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته، وحيث تُزال سلطات الدولة، وحيث
تقوم المعاشرة الاختيارية ([المشاعية] الجنسية) في علاقة الرجل بالمرأة محل الشكل
الأسري المليء بالقيود.. وفي ظل هذا العصر ستتغير الطبيعة البشرية وتتطور وستعيش في
مشاعية الوفرة والغنى آمنة شر الاستغلال والعجز.. هذا يا حضرات الأخوة هو كل ما
نؤمن به..
● قلنا: هل
بقي لديكم ما تقولونه عن الماركسية؟
● قال بعضهم:
ليس سوى أن كثيرًا من الموضوعات التي وردت في غضون الماركسية وكونت نسيجها تحظى على
انفراد بدراسة مستقلة بطريقة مادية جدلية.. وهي في مجموعها تعمل على تدعيم الماركسية
وتغذيتها بالمادة العلمية وهو ما يعطي الماركسية في النهاية صفتها العلمية من هذه الموضوعات:
أ – دراسة فلسفية عن الوجود
والإنسان من خلال المفهوم المادي لها.
ب – نشأة الحياة وإثبات إمكان
تخليق الخلية الحية معمليًا مما يؤكد صحة القانون الأول للمادة.
جـ – نظرية دارون.
د – نظام الأسرة وانبثاقها من
فكرة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.
هـ – تطور الأديان وكيف تدرجت من
عبادة الطوطم إلى عبادة التماثيل فالنجوم والكواكب فالأرواح فالإله المجرد، وكيف
ألغى العلم اليوم عن كل هذه المحاولات.
و – سلطات الدولة.
ز – الأخلاق والقيم وكونها بنفسية
نسبية.
● والآن وقد
فرغنا من الاستماع إلى الماركسية يهمني قبل التعرض للنقد أن أشير إلى ما يلي:
(1) أن وجه الإغراء في الماركسية
لدى متوسطي الثقافة نابع من أنها أشبه بالدين الذي يعطيهما في الوجود والإنسان
والحياة والقيم والشرائع.. ولهذا كان متوسطو الثقافة هم الخصب والوسط لانتشارها
ولا يمكن أن يتقدم الإنسان مراحل في العلم ويتبقى الوقت نفسه على الاقتناع بصحة
قضاياها وقد شاهدت أمثلة على ذلك كثيرة ليست مشهورة لدى الرأي العام وإن كان
أبرزها وأشهرها ظاهرة جلال كشك ومصطفى محمود اللذين قادهما تقدمهما العلمي إلى
الابتعاد عن الالتزام بها.. ولا يبقي على إيمانه بها زمنًا طويلًا إلا أحد صنفين،
من أوتيته ثقافته المتوسطة أو من ارتبط من ورائها بصلحة معينة من منصب أو جاه
بجمال قائم بحالة لا يريد له تغييرًا! حتى أن كثيرين ممن تصدروا السلطة عن طريق
الانقلابات العسكرية كانت ثقافتهم المتوسطة هي مصيدة تغطيتهم بالأفكار اليسارية..
(2) هناك سبب ثانٍ آخر لدى
الطبقات المحرومة والمظلومة من ضحايا النظام الرأسمالي يصادف هذا الكلام لديها
وترًا حساسًا لعلها تجد فيه خلاصها.
(3) هناك سبب ثالث ناتج من ضعف
المواجهة حيث إن النظام الرأسمالي مليء بالأخطاء وعاجز فكريًا عن الرد على ما يوجه
إليه من تهم لها أساس كبير من الصحة..
(4) وسبب رابع في قضية الإسلام من
المجال التشريعي جعل الفلاحين يظنون أنه يمكن الجمع بين الإسلام كعقيدة والماركسية
كمنهج حياة ولعلاج الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
(5) وسبب خامس هو وجود روسيا
كدولة كبرى تكبر في الصدور الضعيفة فيظنون أن ما تدعو إليه مثل هذه الدولة الكبرى
لا بد وأن يكون حقًا..
(6) وسبب سادس ما يصاحب التجنيد
لها من إغراءات شتى لا تغيب عن أحد..
(7) وسبب أخير هو فيما قصدته
القوى الاستعمارية مع سبق الإصرار من نشر هذه التيارات اليسارية في بلادنا
وتمكينها من السلطة لضروب الروح الإسلامية في المنطقة بل ولقتلها من البلاد
الإسلامية.
وموعدنا مع قضايا الماركسية بالرد
والتفنيد ابتداء من العدد القادم إن شاء الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل