العنوان من أشعل النار بين أذربيجان وأرمينيا؟
الكاتب موسي عبدالله
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1989
مشاهدات 87
نشر في العدد 899
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 10-يناير-1989
مراسلنا في تركيا يطرح الضوء على الأحداث الأخيرة في الاتحاد السوفييتي وأسبابها وأثرها على المسلمين، إليكم التقرير التالي من «أحمد راؤول»:
يبدو أن العقد القادم في حياة الاتحاد السوفييتي سيكون عقدًا عصيبًا، فجملة المشاكل الطويلة التي تواجهه من سوء إدارة وتخلف تكنولوجي وزراعي وضعف اقتصادي، تنضم إليها مشكلة بروز الروح القومية في الجمهوريات والأقاليم السوفييتية والتي تفتقد إلى مقومات الوحدة والاندماج بسبب اختلاف العقائد والتاريخ واللغات.
وربما لا يكون من الصعب على غور باتشوف أن يقمع الروح القومية في أذربيجان أو أرمينيا أو إستونيا أو جورجيا لكنه سيجد من العسير جدًّا أن يؤلف بينها ولو أنفق كل ما في الأرض.
والمشكلة الأخيرة التي برزت مؤخرًا ما بين الأذربيجانيين والأرمن في الأقاليم الجنوبية ليست جديدة، بل إن إعلان الاتحاد السوفييتي عنها هو الجديد، فوسائل الإعلام الغربي لم تدع روسيا أن تخفي هذه المشكلة مدة أطول إضافة إلى سياسة الانفتاح الإعلامي والتي انتهجها غورباتشوف مؤخرًا.
الجذور وأسباب الانفجار
أهم الأسباب التي أدت إلى انفجار المشكلة هي التحرش المستمر للأرمن بأهل أذربيجان بسبب إقليم «ناجورنو- كاراباخ» وأهم مدنه «ستباناكرت» فهذه المدينة الصغيرة المليئة بالأرمن النصارى تقع في أرض أذربيجان الإسلامية الغنيَّة بالبترول.
وتعتبر أذربيجان إحدی ست جمهوريات إسلامية أخرى في الاتحاد السوفييتي، سطا عليها القياصرة الروس في القرن الماضي وأوائل القرن العشرين بعد ضعف الدولة العثمانية ثم فرض عليها الوحدة السوفييتية بالقوة طاغية الشيوعيين ستالين، فقمع علماء المسلمين ودمر المساجد، وأحرق المصحف، وأجبر المسلمين على اعتناق الشيوعية بدل الإسلام وأكل الخنزير وشرب الخمر.
ومن بين هذه الجمهوريات كازاخستان وتركمانستان «تركمانيا الآن»، وتقع جميعًا في جنوب الاتحاد السوفييتي حول بحر قزوين، وهي غنية بالبترول والقطن والقمح، كما تتميز بنسبة نمو عالية جدًّا بسبب تكاثر المواليد المسلمين والتي ستجعل أغلبية الجيش السوفييتي الأحمر من المسلمين في أوائل القرن القادم إذا استمرت سياسة التجنيد السوفييتية الحالية «تم بعض التعديلات مؤخرًا»، وتمثل مساحة الجمهوريات السوفييتية حوالي 25% من المساحة الكلية للاتحاد، أما الأراضي التي حكمها المسلمون قبل روسيا القيصرية ثم الشيوعية فهي تزيد على ٥٠٪ من المساحة الكلية للاتحاد السوفييتي.
أما جمهورية أرمينيا السوفييتية فهي إحدى تسع جمهوريات غربية كانت تحت حكم العثمانيين من قبل واحتلها القياصرة بعون أهلها بعد خيانتهم للعثمانيين ونصرة القيصر الذي كان يدين للكنيسة الشرقية «الأرثوذكسية» مثل الأرمن.. وقد كانت مملكة أرمينيا جزءًا من معاقل النصارى في الشرق الإسلامي أيام الحروب الصليبية واستمرت كمملكة مستقلة زهاء ١۹۰ عامًا، قبل أن يقهرها الأتراك ويستولوا عليها.
تحرشات أرمينية ودعم روسي
وقد دعم الروس تحرشات الأرمن رغبة منهم في تقسيم الجمهوريات الإسلامية إلى وحدات جغرافية أصغر، وتهجير المزيد من الأجناس الأخرى إليها لإضعاف وحدتها وإضاعة هويتها، خاصة أنها تجاور العديد من البلاد الإسلامية الأخرى، وقد مضى غورباتشوف قُدُمًا في خطته لولا أن الزلزال المدمر الذي هز أرمينيا متجاوزًا الدرجات السبع لمقياس ريختر للزلازل، ومدمرًا لعاصمتها «ياريغان» أذهلهم عن متابعتها كما قلب حساباتهم وربما شغلهم لعشر سنوات قادمة عن المُضي في تقسيم أذربيجان وغيرها.
ولليهود دور
واليهود السوفييت الذين يعيشون في الخفاء تحت أسماء مستعارة في روسيا وغيرها؛ لخداع الناس لهم دور خفي في إشعال نار الاضطرابات... فبحكم اختلاطهم بالأرمن وتآلفهم العقائدي والاجتماعي معهم حاولوا إذكاء نار العصبية في نفوس الأرمن ودفعهم للصدام مع المسلمين الأذربيجانيين، ومن المعروف أن لليهود علاقات وطيدة مع الأرمن في الاتحاد السوفييتي وبعضهم يعيش في الجمهوريات الإسلامية في الجنوب، لكن تألفهم مع الأرمن كبير كمجتمعات أقليات تعرضت على مدى تاريخها، لاضطهاد مزعوم كمذابح «الهولوكوست» اليهودي أو «الجينوسايد» الأرمني، دون أن تأخذ في اعتبارها الأسباب التي أدت إلى اضطهاد هذه الشعوب كالتآمر والخيانة ومساعدة الأعداء ضد الحكومات التي تؤويهم.
ومن هؤلاء اليهود مثلًا بطل الشطرنج العالمي «غاري كاسباروف» الذي يعيش في مدينة «باخو» في أذربيجان أما اسمه فهو تغيير لاسم أمه الأرمنية «كاسباريان» ليكون مشابهًا للروس، أما اسم عائلته اليهودية الحقيقي فهو «وينشتاين» ورغم أن اليهود في الظاهر بعيدون عن مظاهر الاضطرابات وليس لهم مشاركة في التظاهرات والمسيرات إلا أنهم هم دور في إذكاء وقودها.
كيف اشتعلت النار؟
وكان الأرمن قد حضروا لمظاهرات كبيرة قبل عشرة شهور في مدينة ستابانكرت بإقليم ناجرونو -كاراباخ وهي منطقة أذربيجانية حملوا فيها إعلام أرمينيا إشارة منهم إلى اعتزامهم تحويل المنطقة إلى منطقة تابعة لأرمينيا، فقتل المسلمون ٣٣ أرمينيًّا في عاصمة جمهورية أذربيجان «سوماجت» ردًّا على عدوان الأرمن على المسلمين.
وفي شهر نوفمبر ۱۹۸۸ وردًّا على تحرشات الأرمن قام الأذربيجانيون بعمل مظاهرات حاشدة رفعت فيها الأعلام التركية والرايات الحمراء في حين رد الأرمن بعمل مظاهرات أخرى في يريغان قبل أن يخسف بها الزلزال.
ورغم أن المظاهرات خمدت لفترة بسيطة من الوقت عقب الزلزال إلا أنها عادت وتجددت بعدها بفترة وجيزة، وبالرغم من أن جمهورية أذربيجان هبت إلى مساعدة متضرري الزلزال في أرمينيا، متناسية الخلافات القائمة حول إدارة الإقليم المتنازع عليه .
أحلام قومية ومؤامرات
ومن الملاحظ أن كل النزعات القومية المتجددة مؤخرًا قد جاءت من الجمهوريات الغربية في الاتحاد السوفييتي، وليس من الجمهوريات الإسلامية كما كان يخشى السوفييت، فإستونيا التي قام أهلها بمظاهرات حاشدة قبل شهرين والتي تقع قرب بحر البلطيق هي جمهورية غربية.. وجورجيا السوفييتية والتي قام أهلها في ديسمبر ٨٨ بمظاهرة ضمت ۱۲۰ ألف متظاهر رفعوا شعارات «جورجيا لأهلها» هي أيضًا جمهورية غربية، ومن الخبث أو الجهل ببواطن الأمور الادِّعَاء بأن هذه التظاهرات عفوية ولا علاقة لها ببعضها البعض، أو أنها تجري بمعزل عن مخطط تقسيم ولايات الجنوب الإسلامية والتي يجري الإعداد له الأن في الاتحاد السوفييتي.
كيف؟ وأين العلاقة؟ الأحداث التي لا يصل إلينا منها إلا القليل جدًّا وعبر وسائل الإعلام الغربية التي يتم تشويه معظمها وبسبب الحظر الإعلامي الروسي على غير الإعلاميين الروس من دخول هذه المناطق ونشر أخبارها «نشر الأخبار رسميًّا في روسيا سمح به مؤخرًا فقط»، لا تدع لنا مجالًا لرسم صورة دقيقة أو أكيدة لحجم أو شكل هذه المؤامرات على المسلمين أو علاقة الغرب وأمريكا واليهود بها، لكننا نؤمن بأن الكفر ملة واحدة، ونترك للأيام طرح المزيد من التفاصيل لنعرض لها بالدراسة والتحليل في مقالة تالية بإذن الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل