; من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (۱۷).. محمد عبد الحليم الشيخ | مجلة المجتمع

العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (۱۷).. محمد عبد الحليم الشيخ

الكاتب المستشار عبدالله العقيل

تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1993

مشاهدات 63

نشر في العدد 1079

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 14-ديسمبر-1993

هو الأخ الوفي والصديق الصدوق والرجل النبيل زميلي في الدراسة ورفيقي في طريق الدعوة ودرب الجهاد، سعدت بمعرفته في مصر سنة 1950م حيث كان بكلية دار العلوم وكنت في كلية الشريعة تربطني به رابطة الأخوة والعقيدة.

والأخ الكريم شعلة من الحماس والنشاط والحيوية والحركة ينشر دعوة الإسلام ويجلي محاسنه ويتصدى لدعوات التغريب وأحزاب الضلال والمذاهب المستوردة التي يروجها أعوان الاستعمار وتلامذته من المستغربين والإمعات.

 وكان خطيباً مفوهاً صادق اللهجة جياش العاطفة يأسر السامعين بحلو حديثه وإشراقة ديباجته، ويثير الجماهير بقوة خطبه ويستولي على القلوب بسلاسة أسلوبه وحسن عرضه وصدقه وإخلاصه. له نشاط كبير في اتحاد الطلبة وأدوار مؤثرة في حرب الإنجليز بقناة السويس متعاوناً مع إخوانه مسئولي اتحادات الطلبة في الكليات الأخرى بالجامعات المصرية.

وبعد تخرجه تعرض للملاحقة من فرعون مصر فهاجر بدينه إلى العراق حيث وفقه الله إلى تأسيس ركائز العمل الإسلامي وبخاصة في شمال العراق وفي مدينة كركوك بالذات التي أحبه أبناؤها وتعلق به تلامذتها وحظي بتقدير واحترام شيوخها وأعيانها. ولكن زبانية الطاغية ما تركوه بل لاحقوه وأرغموا حكومة العراق لاعتقاله وزميله الأخ فؤاد مكاوي وإرسالهما لمصر، ففر إلى الكويت حيث عمل فيها في حقل التدريس والتوجيه والتفتيش، وكان درة العاملين في وزارة التربية الكويتية من حيث الكفاءة والخبرة والأداء والسلوك ونال تقدير جميع المسئولين في الوزارة لإتقانه في عمله وتفانيه في أداء واجبه دون كلل أو ملل لا يبتغي إلا وجه الله والدار الآخرة، وظهر ذلك واضحاً جلياً في مساهمته بوضع مناهج التربية الإسلامية لجميع المراحل الدراسية مما ترك أطيب الأثر في ناشئة الكويت وشبابها من حيث الفهم الإسلامي الصحيح والأسلوب التربوي الحكيم.

والأستاذ محمد عبد الحليم الشيخ رجل كريم النفس واليد ودود عطوف يحب الناس جميعاً ويبذل قصارى جهده لإكرامهم وخدمتهم وتقديم العون لهم في كل المجالات دون النظر إلى جنسياتهم، وكان له اعتناء خاص بالطلبة الوافدين على الكويت من الأقطار الإسلامية حيث يبالغ في إكرامهم وقضاء حوائجهم، فقد كان ثالث ثلاثة من رجال الخير والبر والإحسان والمعروف الذين عرفتهم ساحة العمل التعاوني لمساعدة الضعفاء والمحتاجين وأعني بهما الدكتور سعيد النجار والحاج رسلان الخالد اللذين كانا مضرب المثل في خدمة الناس رحمهم الله جميعاً، كما كان صواماً قواماً يحيي ليالي رمضان بالقيام في مسجد الملا عثمان الذي كان يعتمد عليه في المتابعة للتلاوة وإلقاء الدروس.

إن الأخ الحبيب من خيرة شباب الإخوان المسلمين الذين تربوا على مناهجهم والتحقوا بركب الدعوة منذ نعومة أظفارهم فكان من الأمثلة الصادقة للدعاة المخلصين الصابرين على مشاق الطريق المجاهدين في سبيل الله حيثما كانوا وأينما وجدوا سواء كانوا في مصر، أو العراق أو الكويت أو غيرها، تمثلهم هذه الطلائع الإسلامية التي تحث الخطى نحو الغد المشرق بإذن الله تعالى.

إن من ينظر إلى سيرة هذا الرجل المربي والأستاذ المعلم الفاضل والعامل الدؤوب في عمله المخلص في دعوته الملتزم بمبادئه المحب لإخوانه يدرك الأثر الكبير الذي أحدثته الحركة الإسلامية المعاصرة في أرض الكنانة بحيث خرجت هذه النماذج الفذة من الشباب المهاجر بدينه إلى الله ورسوله، فكانت هجرتهم من مصر خيراً وبركة على البلاد التي هاجروا إليها واستقروا فيها حيث وضعوا لبنات العمل الدعوي الرشيد ونشروا الفقه الإسلامي الأصيل وأحسنوا تربية الأمة وبخاصة شبابها على الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وإقامة شريعته.

وهكذا كلما أراد الطغاة النيل من الدعاة ومحاربتهم والتضييق عليهم، فتح الله لهم من الأبواب ويسر لهم من السبل وهيأ لهم من الأسباب وأعطاهم من الهمة والنشاط ما يذللون به الصعاب ويقتحمون به الميادين ويعلون به راية الإسلام. لقد اتحدت رغبة السلطات المحلية الغاشمة للأنظمة الدكتاتورية في العالم الإسلامي مع رغبة القوى الخارجية المعادية للإسلام على تصفية الحركات الإسلامية أينما كانت ففي سنة 1948م ضربت حركة الإخوان المسلمين بتوجيه من بريطانيا وفي سنة 1954م ضربت الحركة الإسلامية بتوجيه من أمريكا وفي عام 1965م ضربت الحركة بتوجيه من روسيا التي رفضت أن تمد طاغية مصر بالسلاح إلا بعد تنفيذه هذا الأمر، ومع كل هذا باءت مخططات الأعداء بالفشل وظل الدعاة إلى الله يتحركون بالإسلام في كل مكان من بلاد الله الواسعة، فكلما ضاق عليهم الأمر في مكان هاجروا بدينهم إلى غيره وظلوا على الحق ثابتين وبدين الله معتصمين وعلى ربهم متوكلين.

إن محنة الدعوة الإسلامية لم تنته بعد. وإن الصراع بين الإسلام والكفر سيستمر طالما ثمة طواغيت يحكمون بغير ما أنزل الله ويدينون بالولاء لأعداء الله في الشرق أو الغرب على حد سواء. وإن الحركة الإسلامية التي كان من ثمارها أمثال الأستاذ المربي محمد عبد الحليم الشيخ مازالت ولوداً يخرج من رحمها هذا الزخم المتدفق من شباب الصحوة الإسلامية المباركة الذين يضيئون الدنيا بنور الإسلام ويقدمون الخير للناس جميعاً مما أطار صواب الحاقدين الأعداء الصليبيين والصهيونيين والزنادقة الملحدين والأذناب المنافقين والعملاء المأجورين فانتصبوا لحرب الإسلام ودعاته بكل شراسة. ولا ريب أن المستقبل لهذا الدين أحب الأقزام أم كرهوا رضوا أو سخطوا ولن ينفعهم أسيادهم الطغاة، فالإسلام قادم بإذن الله لأنه الدين الحق، والمسلمون هم أمل الدنيا كلها لإنقاذها مما هي متردية فيه من الضلال فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين.

ولئن كان المخاض صعباً والتضحيات جساماً والثمن غالياً فإن العاقبة مضمونة والفوز متحقق بإذن الله لأن الدعوة إلى الله هي مهمة الأنبياء، ومن سار على نهجهم من العلماء والدعاة في كل عصر ومصر. وإن أعداء الله مهما خططوا ودبروا وكادوا ومكروا فتدبير الله أقوى من تدبيرهم وقوة الله أعظم من قوتهم والمسلمون هم الفائزون إذا التزموا منهج الله وأطاعوا رسوله وأخذوا بالأسباب المستطاعة ونصروا الله إن الأمر كله لله ﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ (يوسف: 21)

رحم الله أخانا الحبيب «أبا أحمد» وأسكنه فسيح جناته وألحقنا به مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

الرابط المختصر :