العنوان من أوراق أخصائية اجتماعية:
الكاتب نادية البراك
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1992
مشاهدات 47
نشر في العدد 1019
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 06-أكتوبر-1992
من أوراق أخصائية
اجتماعية
هدى ومنى شقيقتان في المرحلة الابتدائية الكبرى هدى في الثامنة من
العمر سمراء نحيلة، صامتة دومًا، والصغرى منى في السابعة لكنها مرحة، اجتماعية
وعلى قسط كبير من الجمال.. منذ دخول هدى للمدرسة، كثرت شكوى المدرسات منها فهي
صامتة دومًا، لا تتكلم ولا تجيب بتاتًا على ما يوجه لها من أسئلة وهي دومًا منعزلة
عن بقية التلميذات تسير في باحة المدرسة شاردة ساهمة، بينما شقيقتها الصغرى منى
ذكية، متفوقة لتصبح في الصف الثاني الابتدائي بينما اضطرت هدى للبقاء في الصف للإعادة
أكثر من مرة. من الطبيعي أنني قد اهتتمت بدراسة حال هدى منذ سماعي للشكوى الأولى
التي وصلتني من مدرساتها فقمت باستدعائها إلى مكتبي وتوددت بالحديث إليها ملاطفة
ومداعبة لكن الطفلة ظلت على صمتها لم تنبس ببنت شفه حتى يئست منها في
النهاية وصرفتها. كان لا بُدَّ من الاستفسار من البيت عن سبب حالتها العجيبة تلك
وجاءت الأم بعد اتصالات عديدة ووعود كثيرة بذلتها لكنها كانت تتغيب في كل مرة تعد
فيها بالحضور وأخيرًا جاءت الأم.. امرأة ناهزت الثلاثين، بسيطة المظهر تبدو الطيبة
والسذاجة الشديدة على ملامحها، صارحتها بمشكلة ابنتها هدى قائلة: -كما تعلمين لقد
استدعيناك اليوم بخصوص حالة ابنتك هدى. تساءلت في ابتسامة ساذجة: -خير إن شاء
الله.. ما بها؟ أدهشني تساؤلها فتساءلت بدوري: -ألم تسمعي أي شكوى بخصوص حالتها من
المدرسة الأخرى التي كانت فيها هزت رأسها موافقة:
- بلى
- ماذا قالوا لك
هناك؟
- قالوا إنها لا
تجيب على أسئلة المدرسات.
- أثارني هدوء
الأم وسذاجتها فقلت في انفعال.
- ليس الأمر كذلك
فقط، المشكلة يا سيدتي أنها صامتة دومًا لا تنطق بحرف واحد خلال وجودها في
المدرسة سواء مع مدرساتها أو مع الطالبات في فصلها.. وحتى مع شقيقتها الصغرى
منى.. ترى ما هو السبب في حالتها تلك. هزت الأم، رأسها في حيرة:
- لا أدري والله،
أختها ما شاء الله عليها ناجحة ومتفوقة ومحبوبة من الجميع وهذه حسرة عليها
كالخرساء لا تتحدث أبدًا. ساءني قدح الأم في صغيرتها فتساءلت متألمة..
- ألا يحزنك
حالها؟ مطت شفتيها في لامبالاة:
- وماذا يمكنني أن
أفعل لها لدي غيرها سبعة أطفال وأبوها شيخ كبير كل هؤلاء بحاجة لعناية ورعاية
مني وليست هي وحدها مثار اهتمامي. قلت في هدوء:
- ولكن الطفلة
حالتها صعبة نوعًا ما، ولا بد من إيجاد علاج لها. تساءلت في دهشة.. -علاج؟
أكل هذا لأنها لا تتكلم.. إن لم تنطق اليوم تنطق غدًا، كثير من الأطفال غيرها
عانوا من مثل مشكلتها. تمالكت نفسي وقلت بهدوء:
- طفلتك يا سيدتي
في الثامنة الآن وهي لا تنطق بتاتًا ولا بد من عرضها على أخصائي.
- عادت تتساءل في
سذاجة:
- ألست أنت
أخصائية؟
- أنا أخصائية
اجتماعية لكن حالتها تلك تستدعي عرضها على أخصائي نفساني، لا بُدَّ من ذلك
لقد رسبت في فصلها مرتين ولا يمكن لها أن تبقى في فصلها أكثر مما بقيت، سنقوم
بتحويلها للمعاهد الخاصة.
- وما هي المعاهد
الخاصة؟
- إنها مدرسة تهتم
بالحالات المستعصية مثل حالة ابنتك، أنا أعتقد أنها سترتاح هناك كثيرًا وإن
شاء الله تتحسن حالتها. قالت وهي تنهض واقفة:
- الأمر إليكم،
افعلوا ما ترونه صالحًا لها. خرجت الأم الساذجة وتركتني في هاجس من القلق
والحيرة، قلق بخصوص تلك الطفلة البريئة الحزينة والصامتة أبدًا، وحيرة بشأن
الأم التي بدت لي في عالم آخر غير عالم الصمت والحزن الذي تحياه ابنتها. مضت
أيام على لقائي بالأم وأثناء انشغالي بأمر انتقال هدى إلى المعاهد الخاصة
دخلت على مكتبي شابة صغيرة لا تتجاوز السادسة عشر، مدت يدها لي مصافحة.
-السلام عليكم، أنا إيمان شقيقة الطالبة هدى «.......». رحبت بها قائلة:
- أهلًا وسهلًا
بك، تفضلي. اتخذت مجلسها بقرب المكتب قائلة على استحياء.. -لقد استدعيتم أمي
منذ أيام بخصوص حالة شقيقتي هدى.. قلت في دهشة من أمر الزيارة..
- نعم.. نعم..
نكست رأسها إلى الأرض قائلة.. -الحقيقة أردت أن أساعدك في إيجاد علاج المسألة،
فحالة شقيقتي تهمني جدًا، واعتقدت أن أمي لم تصرح لكم بالأسباب الحقيقية وراء
حالة هدى. رنت عباراتها الأخيرة في سمعي قوية:
- هزت رأسها في
حماس: نعم.. نعم.. باعتقادي أن السبب الحقيقي وراء حالة هدى هو التفريق في
المعاملة بينها وبين أختي منى، أبي شيخ كبير في السن ولم ينل أي قسط من
التعليم وهو يحب منى جدًا لأنها جميلة وذكية، بينما هدى كما يقول سمراء وغير
جميلة، لذلك منى هي التي تحظى دومًا بتدليله وحبه، بينما لا تنال هدى منه غير
القسوة، في المعاملة والشتم والتحقير بسبب ودون سبب أسندت ظهري إلى المقعد
وقلت:
- هكذا إذًا !!
- بل أكثر من ذلك،
تصوري أننا حين نجلس للطعام وتمد هدى يدها إلى قطعة من اللحم ينتزعها أبي من
يدها، ويقدمها لمنى وهو يسخر ويستهزئ بهدى الدميمة كما يناديها دومًا.
قلت وقد راعني ما سمعت. -لا بُدَّ أن والدك من الآباء القساة، إنه فظ القلب.
- أبدًا.. إنه في
غاية الطيبة معنا جميعًا البنات والأولاد، وهو يفعل ما يفعله مع هدى بدافع
اللهو والمداعبة كما يقول دومًا وليس عن قسوة يقصدها بذاتها .
- ولكن ألم ير
بعينيه ما آلت إليه مداعبته؟
- بلى نبهناه إلى
ذلك مرارًا، لكنه إلى الآن لا يصدق بتاتًا أن حالة هدى بسبب معاملته تلك لها،
إنه يرفض أن يقر بخطئه والأسوأ أنه لا يزال على تلك المعاملة السيئة لها
والتي لا يرى هو فيها أي قسوة، إنما هي لهو ومداعبة لها. قلت في أسى:
- يا لها من
مداعبة أدت بالطفلة إلى تلك الحال.
- هو كذلك، إنني
ما زلت صغيرة في العمر، لكنني أعلم يقينًا أن مشكلة أختي هي في معاملة أبي
الجاهل لها!! ثم انتقال هدى للمعاهد الخاصة، وقد ظللت بدوري أتابع مرحلة
علاجها وأستفسر عنها حتى بلغني أخيرًا أنها بدأت تستجيب للعلاج نوعًا ما
وبدأت تنطق بكلمات قليلة، وبعد سنوات قليلة قمت بزيارة لها في المعاهد الخاصة
فوجدتها تتكلم مثل أي طفلة في سنها، وإن كانت لا تزال تعاني من الانعزالية
وعدم الثقة بالنفس نوعًا ما، كل هذا بسبب أب جاهل لا يدرك واجبه التربوي
جيدًا، وأم ساذجة لم تنبه الأب أو تمنعه عما يقوم به من ظلم تجاه فلذة كبده.
. |