العنوان من الحياة.. ألِنْ قلبك
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 26-يناير-2008
مشاهدات 57
نشر في العدد 1786
نشر في الصفحة 57
السبت 26-يناير-2008
لما قدم المسلمون المدينة، أصابوا من لين العيش ورغد الحياة ورفاهيتها، ففتروا عن بعض ما كانوا عليه من الأعمال والواجبات والجهاد؛ فعاتبهم الله عز وجل بقوله تعالى: ﴿ ۞ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ « الحديد: ١٦».
إن هذ الآية الكريمة نزلت تستبطئ لين قلوب الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وهم خير القرون طارحة سؤالًا: أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم وتلين لمواعظ الله ؟! قال ابن عباس: «قست قلوبهم: مالوا إلى الدنيا، وأعرضوا عن مواعظ القرآن»، وقال أبو حيان: «أي صلبت بحيث لا تنفعل للخير والطاعة» «تفسير البحر المحيط : ٢٢٣/٨».
خطورة القلب القاسي: القلب القاسي قلب فاسد، لاخير فيه، لايقبل موعظة ولا نصيحة، لا يشتاق لوعد، ولا يخاف وعيدًا، لا يرحم صاحبه ولا يشفق على غيره، يورد صاحبه المنكرات والمعاصي، ويناى به عن الخيرات والطاعات، وبذلك يورد صاحبه المهالك وينأى به عن السعادة في الدنيا والآخرة، ويغرقه في مستنقع التعاسة ووحل الشقاء؛ لذا حذر رب العزة سبحانه أصحاب القلوب القاسية، وذلك في قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ « الزمر: ٢٢».
لا تيأس: من الناس من قست قلوبهم قسوة مفرطة وبعض هؤلاء ييأس من قلبه، ويتصور أن ليس له دواء، لكن الله عز وجل في سورة الحديد ساق إليهم بشرى، علمنا أنه سبحانه يحيي الأرض بعد موتها، وكذلك يستطيع الإنسان أن يحيي قلبه القاسي؛ فبعد أن استبطأ الله تعالى قلوب المسلمين خاطبهم الله عز وجل قائلًا: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ «الحديد: ١٧» ومعنى ذلك: «اعلموا أيها المسلمون أن الله يحيي الأرض القاحلة المجدبة اليابسة بالمطر، ويخرج منها النبات الأخضر بعد جفافها ، وهو تمثيل لإحياء القلوب القاسية بالذكر كما تحيا الأرض المجدبة بالغيث» «صفوة التفاسير محمد علي الصابوني».
إحياء القلوب بذكر الموت !! شكت امرأة إلى السيدة عائشة رضي الله عنها قسوة قلبها، فنصحتها بذكر الموت فدل هذا على أن ذكر الموت؛ فدل هذا على أن ذكر الموت يلين القلوب ويحييها ، لما له من تأثير في إحياء القلب، وتحويله من قلب قاس إلى قلب لين يفيض رقة وعذوبة وصفاء ونقاء ورحمات.
وحسبك أيها القارئ الكريم أن تتأمل التوجيه النبوي الكريم في قوله صلى الله عليه وسلم: «أكثروا من ذكر هازم اللذات» يعني الموت «رواه الترمذي».
أكثر - أخي القارئ الكريم - من ذكر هذا الزائر «الموت» الذي لا محالة سيزورنا جميعًا دون استثناء، وبزيارته ستنتهي حياتنا، وتنقطع صلاتنا بكل من عرفنا فيها أحببناهم أم كرهناهم، سنفارقهم بمجرد مجيء هذا الزائر يطرق أبوابنا، فيدخل علينا رضينا أم أبينا، ولا بد لكل الناس من هذه الزيارة، عظيمهم وحقيرهم، شريفهم ووضيعهم، قويهم وضعيفهم، غنيهم وفقيرهم، المظلوم والظالم، المؤمن والكافر، الحنون والقاسي.. هنالك يأخذك الموت من أهلك وأحبابك وزوجتك وأولادك.
ومهما حزن عليك هؤلاء وغيرهم جميعًا، ومهما بكوك أشد البكاء فإنهم لن يستطيعوا إعادتك إلى الحياة.. فكل ما يملكونه لك بكاء ونحيب وحزن وذهول، ورجاء ودعاء، بيد أنهم في النهاية سيتركونك للحساب والجزاء، ولا يملكون لك من الأمر شيئًا، وصدق رب العزة سبحانه إذ يقول:
﴿فَلَولَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلحُلقُومَ وَأَنتُم حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ وَنَحنُ أَقرَبُ إِلَيهِ مِنكُم وَلَٰكِن لَّا تُبصِرُونَ فَلَولَآ إِن كُنتُم غَيرَ مَدِينِينَ تَرجِعُونَهَآ إِن كُنتُم صَٰدِقِينَ﴾ « الواقعة: ٨٧:٨٤».
حسبك - صديقي القارئ - أن تتأمل قول الشاعر:
تنبه قبل الموت إن كنت تعقل
فعما قليل للمقابر تنقل
وتمسي رهينًا في القبور وتنثني
لدى جدث تحت الثرى تتجندل
فريدًا وحيدًا في التراب وإنما
قرين الفتى في القبر ما كان يعمل
وما يفعل الجسم الوسيم إذا ثوى
وصار ضجيج القبر يعلوه جندل
وبطن بدا فيه الردى ثم لو ترى
دقيق الثرى في مقلة يتهرول
أعيني جودا بالدموع عليكما
فحزني على نفسي أحق وأجمل
أيا مدعي حبي هلمّ بنا إذا
بكى الناس تبكي للفراق ونمهل
دعي اللهو نفسي واذكري حفرة البلى
وكيف بنا دود المقابر يفعل
إلى الله أشكو لا إلى الناس حالتي
إذا صرت في قبري وحيدًا أململ يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَءَيتَ إِن مَّتَّعنَٰهُم سِنِينَ ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَآ أَغنَىٰ عَنهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ «٢٠٧» ﴾ «الشعراء٢٠٥: ٢٠٧».
قرأ بعض السلف هذه الآيات فبكى وقال: «إذا جاء الموت لم يغن عن العبد ما كان فيه من اللذة والنعيم»، ولهذا وجدنا السلف الصالح يتواصون بالإكثار من ذكر الموت واستحضاره، مع أنهم فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وسادوا الدنيا بطاعة الله، وجاءهم الموت؛ فكانوا أفرح بقدومه من الأم بقدوم ولدها الغائب؛ فوجدنا منهم من يقول على فراش الموت: وا طرباه!! غدًا نلقى الأحبة، محمدًا وحـزبه!! ووجدنا آخر يقول: «اللهم إني إليك المشتاق»...
ولا عجب؛ فإن العبد إذا كان في ساعة سكرات الموت يبشر بالجنة إن كان من أهلها؛ ويرى مقعده من الجنة، وتأتيه الملائكة تيشره. قال تعالي: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱستَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ ٱلمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحزَنُواْ وَأَبشِرُواْ بِٱلجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ نَحنُ أَؤلِيَآؤُكُم فِي ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَفِي ٱلأٓخِرَة وَلَكُم فِيهَا مَا تَشتَهِيٓ أَنفُسُكُم وَلَكُم فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلا مِّن غَفُورٖ رَّحيمٖ﴾ « فصلت: ٣٠: ٣٢».
واذكر ذنوبك وابكها: ذكر العبد لذنوبه، والبكاء عليها من أفعل الأدوية لعلاج قسوة القلوب وخاصة إذا أتى المشيب بعد الشباب؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وابك على خطيئتك» «رواه الترمذي».