; السعادة وسقف الطموحات | مجلة المجتمع

العنوان السعادة وسقف الطموحات

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 24-أكتوبر-2009

مشاهدات 60

نشر في العدد 1874

نشر في الصفحة 56

السبت 24-أكتوبر-2009

من حق كل إنسان أن تكون له طموحات وتطلعات والطموح صفة إيجابية محمودة، لكنها قد تكون سلبية مذمومة، وذلك عندما تكون تطلعات الشخص أكثر وأعظم من قدراته، وكذلك إذا لم يكن لتلك التطلعات والطموحات سقف يحدده الفرد لنفسه فيسعى شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، متكالبًا على الدنيا حريصا عليها، فيضيع بذلك أسياسيات حياته ومماته، وذلك لاضطراب التوازن بين أموره، وخاصة أن الدنيا تجذب طلابها بزخارفها وشهواتها. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾(آل عمران: 14).

القناعة رأس الغنى

لله در الإمام الشافعي رحمه الله إذ يقول في القناعة:

رأيت القناعة رأس الغنى              فصرت بأذيالها متمسك

فلا ذا يراني على بابه                   ولا ذا يراني به منهمك

فصرت غنيا بلا درهم                  أمد على الناس شبه الملك

وعمن يعانق الدنيا ويتعلق بها يقول رحمه الله:

يا من يعانق دنيا لا بقاء لها             يمسي ويصبح في دنياه سافرًا

هلا تركت لذي الدنيا معانقة           حتى تعانق في الفردوس أبكارًا

إن كنت تبغي جنان الخلد تسكنها    فينبغي لك ألا تأمن النار 

ومن أقوال أبي العتاهية في الطمع: 

حتى متى يستفزني الطمع                أليس لي بالكفاف متسع

قد يتحول الطموح إلى مصيدة:

قد يتصور بعض الناس أن الطموح الطاغي صيد ثمين يمكن تحقيقه، ولكنه يفاجأ بأن الطموح الطاغي مصيدة أو فخ نصب له، ووقع فيه، فصار الطموح مصيدة تصطاد صاحب الطموح!!

قصة الصيادين 

خرج صيادان في رحلة صيد، فاصطاد أحدهما سمكة كبيرة فوضعها في حقيبته وقال لصاحبه: الحمد لله على عطائه، هذه السمكة تكفيني وزوجتي وأولادي أيامًا، وقد اصطدتها بعد عناء وصبر وإني قانع بها وأريد أن أجلس مع زوجتي وأولادي لأنني منذ أيام لم أجلس معهم، وأنا في حاجة إلى الائتناس بهم والجلوس معهم، ثم هم الرجل بالانصراف. 

فقال له الصياد الثاني: دعك من الجلوس مع أولادك وانتظر لتصطاد مزيدًا من الأسماك، فإن جلوسك مع أسرتك لا يحقق لك صيدا ولا مالا!!

فقال الرجل: ولماذا أصطاد السمك الكثير ولدي ما يكفيني وأسرتي أيامًا؟

فرد عليه صديقه عندما تصطاد سمكًا كثيرا تبيعه؟

فسأله، ولماذا أبيعه؟

فأجابه لتحصل على مزيد من المال. 

فسأله، ولماذا أجمع مزيدًا من المال؟

فأجابه صديقه تزيد به رصيدك وتنمي به ثروتك.

فسأله، ولماذا أزيد مالي وأنمي ثروتي؟ 

فرد الرجل: لكي تصبح ثريا. 

فسأله الصديق، وماذا سأفعل بالثراء؟ 

فرد الرجل: كي تستمع بحياتك، وتسعد مع زوجتك وأولادك عندما تكبر. فقال له الصياد العاقل: ولماذا أؤخر سعادتي إلى أن أكبر، أنا الآن يا صديقي أفعل ذلك وأستمتع بحياتي مع زوجتي وأولادي وأنا قوي قبل أن أضعف وقبل ضياع العمر، فلماذا أؤجل سعادتي إلى شيخوختي؟ وهل تضمن أنت أن تعيش لحظة قادمة كي تؤجل سعادتك؟!

لقد أطلق كل من لوراناش وهوارد ستيفنسون، صيحة يحذران فيها من النجاح المراوغ الزائف الذي يفترس عمر الإنسان فيظل متعطشًا للمزيد، دون أن يشعر بالارتواء... إنهما بذلك يسميان الطموح بلا سقف النجاح الزائف المراوغ

إن الإنسان العاقل الحكيم هو الذي يستطيع أن يقول: «لا»، في الوقت المناسب ويقاوم الشهوة والأضواء والثروة والجاه والسلطان، ويوازن بين ذلك كله وضروريات الحياة وواجباته التي تحقق السعادة الحقيقية.

أما الشخص الذي لا يضع سقفًا لطموحاته وأطماعه ورغباته في هذه الدنيا فإنه في حقيقة الأمر يستنزف عمره ويستبدل شقاءه بسعادته إنه يسير في عكس المسار الذي الذي رسمه له ربه. 

الطماع كالنملة على ظهر الفيل 

يقول فنس بوسنت. لقد أصبح الإنسان في عالمنا هذا كالنملة التي تمتطي ظهر الفيل، تتجه شرقًا بينما هو يتجه غربا ومن ثم يستحيل أن تصل هذه النملة إلى ما تريد.

إن الإنسان الذي لا يضع سقفًا لطموحاته ليشبه هذه النملة. إنه يعيش معركتين معركة داخلية مع نفسه في عقله الباطن بسبب أطماعه الطاغية، ومعركة ثانية مع العالم شديد التغير المليء بالضغوط، ومثل هذا الإنسان الذي يعيش هاتين المرحلتين لا يصل أبدا إلى سر السعادة.

سر السعادة 

يُحكى أن أحد التجار أرسل بابنه إلى حكيم يعلمه سر السعادة مشى الفتى أربعين يومًا حتى وصل إلى قصر جميل على قمة جبل وفيه يسكن الرجل الحكيم، فوجد جمعا كبيرا من الناس في انتظار أدوارهم المقابلة الرجل الحكيم، وانتظر الفتى ساعتين حتى جاء دوره، ولما قابله الحكيم طلب منه أن يتجول في القصر، ثم يعود لمقابلته بعد ساعتين، وأعطى الحكيم الفتى ملعقة صغيرة بها نقطتان من زيت الزيتون، وطلب منه أن يمسك بالملعقة في أثناء تجواله في القصر، وأن يحافظ على نقطتي الزيت حتى لا ينسكبا.

عاد الفتى بعد ساعتين لمقابلة الرجل الحكيم فسأله عن معالم القصر، واعترف بأنه لم يشاهد شيئا لأنه وجه تركيزه للحفاظ على نقطتي الزيت، وهنالك قال الحكيم للفتى ارجع وتعرف على معالم القصر، فعاد الفتى يتجول في القصر منتبها يرصد روائعه الفنية، وتحفه الجميلة، والحديقة الغناء، وما بها من ورود وأشجار وثمار.

ولما رجع الفتى وحكى للرجل الحكيم ما شاهده بدقة، فسأله، وأين نقطنا الزيت التي نبهتك إلى الحفاظ عليهما؟ فنظر الفتى إلى الملعقة فلم يجد بها نقتطي الزيت فقال له الحكيم سر السعادة أن توازن بين أمور حياتك، فنقطتا الزيت هما الستر والصحة ومعالم القصر هي زينة الدنيا، فالسعادة هي حاصل ضرب التوازن بين الأشياء!

وتكون التعاسة أشد وأنكى كلما اتسعت الفجوة بين طموحات الشخص وبين قدراته وإمكاناته.

ومن السفاهة أن يطغى الإنسان في جمع المال، وهو يعلم أنه ربما لا يعيش حتى يستمتع بهذا المال، فهو يجمعه ويستمتع به غيره، ويحاسب هو عليه، وفي ذلك يقول الأضبط بن قريع:

اقنع من الدهر بما أتاك به           من قر عينًا بعيشه نفعه

قد يجمع المال غير اكله              ويأكل المال غير من جمعه

الطماع كالسنجاب

العاقل الحكيم هو من يستطيع مقاومة الشهوة والأضواء والثروة والسلطان ويوازن بين ذلك كله وضروريات الحياة التي تحقق السعادة الزوجية.

إن الفرد يجلب لنفسه التعاسة إذا اتسعت الفجوة بين قدراته وطموحاته.. إن التعساء في هذه الحياة يعيشون بعقلية السنجاب فالسناجب تفتقر إلى القدرة على التنظيم برغم نشاطها وحيويتها، فهي تقضي عمرها في قطف ثمار البندق وتخزينها بكميات تزيد على احتياجاتها كثيرًا، فإلى متى نجري لاهتين نجمع ونجمع ولا نكتفي، ولا نضع سقفًا لطموحاتنا يناسب قدراتنا؟! ويرى الإمام الشافعي أن القنوع كمالك الدنيا، حيث يقول:

إذا ما كنت ذا قلب قنوع               فأنت ومالك الدنيا سواء

وفي فضل القناعة أنشد عبدالله الصوري:

لما رأيت الناس قد أصبحوا            وهمة الإنسان ما يجمع

قنعت بالقوت فنلت المنى            والفاضل العاقل من يقنع

ولم أنافس في طلاب الغنى             علمًا بأن الحرص لا ينفع

القناعة ترفع شأن أصحابها

فمن أشعار عبد الله بن المبارك في القناعة:

لله در القنوع من خلق          كم من وضیع به ارتفعا

يضيق الفتي بحاجته             ومن تأسي بدونه اتسعـا

القناعة هي الغنى

ما أعظم هذا القول القناعة كنز لا يفنى، فمن رزق القناعة شعر بالغني، أما من ابتلي بالجشع فلن يذوق طعم الغنى مهما أوتي من متاع الدنيا.

ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع له         ولن ترى قانعًا ما عاش مفتقرًا 

وإذا كانت نفس الإنسان تجزع من الفقر، فلربما يكون خيره في فقره لا في غناه الذي ربما يطغيه.

النفس تجزع أن تكون فقيرة                   والفقر خير من غنى يطغيها

وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت         فجميع ما في الأرض لا يكفيها 

هي القناعة فالزمها تكن ملكا                   لو لم تكن لك إلا راحة البدن 

وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها              هل راح منها بغير الطيب والكفن 

في تسلط الدنيا هلاك 

يروى في القصص الصينية القديمة، أن ملكا أراد أن يكافئ شخصًا من شعبه، فقال له: امتلك من الأرض كل المساحات التي تستطيع أن تقطعها سيرا على قدميك.

فراح الرجل، وشرع يقطع الأرض مسرعًا ومهرولا في جنون، وبعد أن قطع مسافة طويلة فكر أن يعود للملك، ليمنحه المساحة التي قطعها، ولكنه غير رأيه وقرر مواصلة السير ليحصل على المزيد، وسار مسافات أطول وأطول، ثم فكر في أن يعود للملك مكتفيًا بما وصل إليه، ولكنه تردد مرة أخرى وقرر مواصلة السير ليحصل على المزيد والمزيد ظل الرجل يسير ويسير ولم يعد أبدًا، فقد ضل طريقه، وهلك في الأرض الذي ظن أنها ستسعده، فأطغته وأغرته وأغوته، لقد سقط صريعًا لما أصابه من عنت وإنهاك لقد هلك هذا الرجل لأنه لم يضع حدا لكفايته، ولم يحدد سقفا لطموحاته، فقتله الطمع وطول الأمل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1563

73

السبت 09-أغسطس-2003

استراحة المجتمع.. عدد 1563